علي أبو الخير

كاتب مصري.

أربعون عاماً على احتلال جهيمان العتيبي الحرَم المكّي

ارتبكت الحكومة السعودية، بسببِ الطلبات التي طلبها جهيمان والقحطاني، والتي من ضمنها تنازل الأسرة السعودية عن العرش، وتشكيل أهل حلّ وعقد لاختيار خليفة أو مَلك، وطرد كل غير المسلمين من أرض جزيرة العرب، وقطع العلاقات مع الولايات المتحدة الأميركية، وإعادة توزيع الثروة، وهي الطلبات المعلومة، ولكن لا يتحدّث أحد عنها حتى اليوم، نظراً للحساسية الشديدة التي ربما تُشكّك في شرعية ملوك السعودية، ومن ثم تمّ التعتيم على المطالب السياسية لجهيمان ومَن معه.

اعتبر جهيمان العتيبي ومَن معه أن عام 1400 هـ هو بداية القرن الهجري الجديد
اعتبر جهيمان العتيبي ومَن معه أن عام 1400 هـ هو بداية القرن الهجري الجديد

تُعتَبر حركة جهيمان العتيبي من ضمن الحركات المنسيّة في تاريخ العرب والمسلمين الحديث، لا يذكرها أحدٌ ولا يتحدّث مثقّفٌ عربي عنها، وذلك تحت وطأة التعتيم السياسي والإعلامي عليها وغلق كافة أسرارها.

نعود إليها، حيث تمرّ ذكرى أربعين عاماً بالتوقيتِ الهجري على حركةِ التمرّدِ ضدّ الأسرة السعودية واحتلال الحَرَم المكّي، ففي مثل هذه الأيام في فجرِ يومِ الأربعاء الموافق الأول من شهر محرّم الحرام عام 1400 هجرية، الموافق 20 تشرين الثاني/نوفمبر عام 1979، حدثت حركة لم تكن مُتوقّعة عند أيّ مسلم، قام رجلٌ سعودي وهّابي إسمه جهيمان العتيبي ومعه ما يفوق عددهم المائتي رجل بالسيطرة على مداخل المسجد الحرام واحتلوا الكعبة المُشرَّفة، ومعهم أسلحة مُتنوّعة أدخلوها في توابيت الموتى، ليظنّ الناس أنها مليئة بالموتى، ولكنها أسلحة ومن خلالها، تم احتلال الكعبة، مُتّخذين دعاية دينية، لأسبابٍ سياسيةٍ، كما هي عادة الخوارج والمُستبدّين على السواء، وهي حركة تُعتَبر تكراراَ لما قام به الحجّاج الثقفي عندما هدم الكعبة وقتل "عبد الله بن الزبير" عام 72 هـ، ولكن الحجّاج كان حاكِماً، وجهيمان كان محكوماً، ولكن كل واحدٍ منهما استغلّ الكعبة للغَرَض السياسي، ولا نريد فتح الجِراح بقدر ما نريد أخذ العِبَر، خاصة إذا كانت تتعلّق بالكعبة المُشرَّفة بيت الله الحرام، ونؤكّد أن نقدنا للدور السعودي، ليس فيه تبرئة لجماعة جهيمان والقحطاني، والأصل هو منع التحالف السياسي مع الروح الدينية، لأن الدين يخسر والفساد السياسي يستشري.

لقد اعتبر جهيمان العتيبي ومَن معه أن عام 1400 هـ، هو بداية القرن الهجري الجديد، الذي سيبعث فيه الله رجلاً يُجدِّد به أمر الدين الإسلامي، حسب الحديث الذي ينسبوه إلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، في ما رواه أبو داود : " إنَّ اللهَ يَبعثُ لهذِهِ الأُمَّةِ على رأْسِ كلِّ مِائةِ سنةٍ مَنْ يُجدِّدُ لها دِينَها"، واعتبروا أن الإمام المهدي المُنتَظر حسب روايات أهل السنّة إسمه "محمّد" واسم أبيه "عبد الله"، على صنو إسم الرسول الأعظم وإسم أبيه، وأنه سيولد ثم يخرج عند الكعبة بين الحجر والمقام فيُبايعه المسلمون جميعاً، وهو ليس الإمام الغائب المُنتَظر في زمن الغيبة "محمّد بن الحسن العسكري"، كما يرى الأخوة من شيعةِ أهلِ البيت، وبالتالي اعتقد جهيمان أن المهدي المُنتَظر هو المُجدِّد للقرنِ الخامسِ عشر الهجري، رغم التناقض بين المهدي والمُجدِّد، على أية حال اختار جهيمان العتيبي رجلاً من أصهاره إسمه "محمّد بن عبد الله القحطاني"، وقال العتيبي مُمسِكاً بميكروفون الكعبة: "أيها المسلمون في كل مكان من العالم، هذا هو محمّد بن عبد الله الإمام المهدي المُنتَظر، قوموا أيها الناس فبايعوه"، ومن الطبيعي أن يُبايعه بالإكراه المُحتجَزون داخل الحَرَم وهم بالآلاف، ومن الطبيعي أيضاً أن يصل صوت العتيبي إلى خارج المسجد الحرام ليسمعه أهل مكّة كلهم، وتصل أصداؤه إلى كل أرجاء العالم، وإلى القصور الملكية السعودية، التي لم تكن تتوقّع أو تُدرِك أن هناك مَن يجرؤ على احتلال أقدس بقاع المسلمين، ولكنه حدث بالفعل.

ارتبكت الحكومة السعودية، بسببِ الطلبات التي طلبها جهيمان والقحطاني، والتي من ضمنها تنازل الأسرة السعودية عن العرش، وتشكيل أهل حلّ وعقد لاختيار خليفة أو مَلك، وطرد كل غير المسلمين من أرض جزيرة العرب، وقطع العلاقات مع الولايات المتحدة الأميركية، وإعادة توزيع الثروة، وهي الطلبات المعلومة، ولكن لا يتحدّث أحد عنها حتى اليوم، نظراً للحساسية الشديدة التي ربما تُشكّك في شرعية ملوك السعودية، ومن ثم تمّ التعتيم على المطالب السياسية لجهيمان ومَن معه.

استعانت السعودية بقواتٍ فرنسيةٍ ومصريةٍ وأردنيةٍ بعد أن حصلوا على فتوى جواز الاستعانة بغير المسلمين (يقصدون الفرنسيين) في دخول المسجد الحرام وتحريره، وبعد أسبوعين وفي يوم الثلاثاء 14 محرّم 1400هـ الموافق 4 كانون الأول/ديسمبر 1979، قامت القوات المشتركة بتحرير الكعبة، وقتل محمّد القحطاني مع عشرات من مؤيّديه، والباقون تم إعدامهم بحد السيف، بمن فيهم جهيمان العتيبي يوم 21 صفر عام 1400 هـ الموافق 9 كانون الثاني/يناير 1980م.

انتهت حركة جهيمان/القحطاني، ولكن لم تنتهِ أصداؤها، حاول الملك خالد بن عبد العزيز وقتها أن يغلق الباب على أية حركة تنوير، حتى لا يأتي مُتشدِّدٌ وهّابي آخر للقيام بحركةٍ مُماثلةٍ بنفس مُبرَّرات جهيمان، فقاموا بالهجوم على مصر بسبب اتفاقيات كامب ديفيد عام 1979، رغم أنهم الأقرب للدولة الأميركية، ثم هاجموا الثورة الإسلامية في إيران، بعد أن فزعت من فكرة تصدير الثورة، فكان التحالف السعودي الأميركي السوفياتي في دفع "صدّام حسين" لخوض حرب الثمان سنوات ضد إيران.

كما استغلّت الدولة السعودية الحرب الأفغانية ضدّ السوفيات، لتنقل معارك الوهّابيين السلفيين إلى خارج الديار، فقامت بتمويلِ وتجنيدِ شباب المسلمين من العالم وإرسالهم إلى أرض الجهاد كما وصفوا الحرب، وموّلت الشيوخ ليخطبوا في المسلمين بالجهاد من فوق المنابر ضد السوفيات الكفّار، وهي الحرب التي كان يقصدها وليّ العهد السعودي "محمّد بن سلمان"، عندما قال إن السعودية كانت تنفِّذ طلبات دولية لمُحاربة السوفيات، وكان من أجل انفراد أميركا لتكون القطب الأوحد في العالم، وهو ما حدث بالفعل، حتى العهد القريب، ولكن روسيا تعافت لتحل محل الاتحاد السوفياتي، ويكون لها تأثير على مُجريات الأمور في العالم، كما نرى اليوم، وكذلك إيران التي رغم الحصار الاقتصادي والسياسي طوال ثلاثة عقود، ولكنها خرجت من الحرب مع صدّام غير مدينة لأحد، وقادت محور المقاومة، وهو أمر أفزع الكيان الصهيوني والسعودية معاً، فعاد الأمر لمثلِ ما كانت الحال في حركةِ جهيمان والقحطاني، فتاوى التبرير وأموال مدفوعة بالمليارت لأميركا، وحرب في اليمن لا تنتهي، وتحالف مع الصهيونية، والأمر في النهاية ليس بتلك البساطة، فمن رَحم الحرب الأفغانية وُلِدَت جماعة "طالبان" ثم تنظيم "القاعدة" و"جبهة النصرة" و"داعش" و "بوكو حرام"، وغيرها من تنظيمات الإرهاب في كل أرجاء العالم، ووصلت التهديدات الإرهابية إلى الداخل الخليجي السعودي، والظروف الدولية ساعدتها في تمويل الإرهابيين في سوريا، ودفع ثمن غارات أميركا على الشام، فالسعودية التي استعانت بالفرنسيين لتحرير الكعبة المشرّفة من جهيمان واتباعه، هي نفسها التي استعانت بالأميركيين وغيرهم لتحرير الكويت وطرد "صدّام حسين" منها، وجميعه بفتاوى الشيوخ، وهي نفس الفتاوى اليوم التي تُبيح التعاون مع الكيان الصهيوني ضد سوريا أو إيران أو التحالف معها في الحرب ضد اليمن.

وخلاصة القول إن أسباب حركة احتلال الحَرَم مازالت قائمة، وهو ما نخشاه ونريد التذكير الدائم به، لأن صراع الداخل السعودي والتحالف مع الخارج، يؤثّر حتماً على الحجاز المُقدّس، اللّهم اهد أقوامنا، واعصم الله المُقدّسات في الحجاز والأقصى في الشام من كيد الأعداء وتآمرهم..


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً