أحمد فال السباعي

باحث متخصص في الدراسات الاستراتيجية في المغرب

ما تخشاه إسرائيل من تداعيات مقتل خاشقجي

قضية خاشقجي تطرح إسرائيل أمام سؤال إستراتيجي واضح: هل يمكن أن تتم صفقة القرن مع ملكية عسكرية سعودية غير قادرةٍ بوضوحٍ على ضَبْطِ مجالها الحيوي؟ بنيامين نتنياهو قدّم علاقته مع دول الخليج كتتويجٍ لمسارٍ طويلٍ من جهود التطبيع الإقتصادي التي أتت أكلها بعد سنوات من الجهد والتعب، لكنه اليوم يواجه سؤال قدرة هذه الأنظمة نفسها على الاستمرارية؟ بسرعة كبيرة انكشف ضعف النظام السعودي الوراثي بينما تكشّفت في تركيا وإيران عوامل قوية للاستمرار السياسي.

 الخبير الإسرائيلي: موت خاشقجي يُعيد رسم الخريطة السياسية للشرق الأوسط
الخبير الإسرائيلي: موت خاشقجي يُعيد رسم الخريطة السياسية للشرق الأوسط

لم تُسارع البروبغندا الصهيونية إلى اتّخاذ موقف سريع وواضح من مقتل خاشقجي في تركيا، واكتفى اليهود بلوم آل سعود على "نقص الحرفيّة" في عملية الاغتيال هذه، والتي لم يلمس فيها المتتبّعون ملامح منهجية القتل الصهيوني. المحلّلون السياسيون الإسرائيليون لم يستطيعوا أن يخفوا قلقهم من انعكاسات الأزمة على مشروع صفقة القرن وحربهم على اليمن وإيران.

كشفت الأزمة عن عدم فعالية حقيقي تعاني منه القيادة السعودية الجديدة، والتي تبحث عن تأسيس نظامٍ عسكري جبري يخلف النظام الملكي القبلي العشائري الذي لم تبق منه إلا أنفاس الملك الأب الضعيفة أمام مجموعة الملك الإبن. في معجم الأخلاق السياسية تمثّل الجريمة خطأ جسيماً يكشف عن عدم قدرة الملك الإبن على ضبط المجال وتطويع المعارضين، وفي معجم الأخلاق الإنسانية تمثّل الجريمة وجهاً بشعاً لنظامٍ سياسي يحاول أن يبني صورة إعلامية ليبرالية في عالمٍ غربي يعظّم كثيراً الواشنطن بوست وأخواتها.

يرى الخبير الإسرائيلي جيمس دوروسي James Dorosy أن "موت جمال خاشقجي يُعيد رسم الخريطة السياسية للشرق الأوسط. لقد دفع ثمناً باهظاً لإثارة الزلزال الذي يهزّ المنطقة الآن[1]". يتخوّف الخبير من أثر القضية في إضعاف المملكة العربية السعودية الذي قد يقوّض الغطاء العربي الذي توفّره المملكة لجهود ترامب الرامية إلى فرض تسويةٍ للصراع الإسرائيلي الفلسطيني الذي من شأنه أن يخدم إسرائيل على حساب الفلسطينيين[2].

من جهةٍ أخرى حاولت البروبغندا الصهيونية العربية أن توحي بوجود دعمٍ معنوي إسرائيلي للسعوديين في إطار حرب المزايدات السياسية والإعلامية التي تعيش عليها المملكة السعودية، لكنها لم تستطع أن تظهر سافِرة في هذا الدعم، والذي قد يكون سببه عدم ثقة الإسرائيليين في قدرة عائلة ابن سلمان على احتواء "المشكلة".

قضية خاشقجي تطرح إسرائيل أمام سؤال إستراتيجي واضح: هل يمكن أن تتم صفقة القرن مع ملكية عسكرية سعودية غير قادرةٍ بوضوحٍ على ضَبْطِ مجالها الحيوي؟ بنيامين نتنياهو قدّم علاقته مع دول الخليج كتتويجٍ لمسارٍ طويلٍ من جهود التطبيع الإقتصادي التي أتت أكلها بعد سنوات من الجهد والتعب، لكنه اليوم يواجه سؤال قدرة هذه الأنظمة نفسها على الاستمرارية؟ بسرعة كبيرة انكشف ضعف النظام السعودي الوراثي بينما تكشّفت في تركيا وإيران عوامل قوية للاستمرار السياسي.

تعوّل الغطرسة السعودية اليوم على الدّعم الإسرائيلي ومن ورائه على لوبيات اليهود في أميركا لإنقاذ سفينة ابن سلمان المتهالكة، لكن البرغماتية الأميركية الصهيونية ترفض الأصدقاء الضعفاء، وهذا يعني أن مصير صفقة القرن يرتبط إلى حدٍ كبيرٍ بقدرة النظام السعودي على إثبات مهارته في مواجهة هذا الزلزال السياسي الذي تكاد أن تغيب فيه جماهير الشعب السعودي.

الملكية السعودية تقاد اليوم إلى اختبار جدارتها أمام التحوّلات الجديدة. لقد تأسّست الدولة السعودية في بداية القرن الـ20 على الدعم البريطاني لعبد العزيز الذي أثبت فعاليّته السياسية بتطويع قبائل نجد تحت رايته من خلال جيوش عقائدية وهّابية وقبلية عشائرية، فيما يحاول حفيده تأسيس الملكية الجديدة على الدعم الإسرائيلي وعلى الجيوش الأميركية التي لا يحكمها ترامب وحده، وعلى جيوش إلكترونية مموَّلة وشركات أمنية خاصة مستورَدة.

إن تأسيس نظام عسكري مأجور لا يحمل رؤية عقدية واضحة، ولا رابطة عصبية مصلحية تمثّل حاضِنة شعبية للمشروع، سيجعل من الملكية السعودية اليوم أقرب ما تكون إلى شركة مُحاصَصَة دولية، يبحث وزراؤها وأمراؤها عن صفقاتٍ سياسيةٍ لبيع النفط مقابل الاستقرار ولبيع القدس مقابل الاستمرار.

 

[1]James M. Dorsey, Khashoggi Rejiggers Middle East at a Horrible Cost

https://besacenter.org/perspectives-papers/jamal-khashoggi-middle-east

[2] ibid,

 


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً