محمد عبد الرحمن عريف

كاتب وباحث في تاريخ العلاقات الدولية والسياسة الخارجية

في الحديث عن السادات.. أضواء على رفض الوزير محمّد إبراهيم كامل

"إن تلك الاتفاقيات ستؤدّي إلى عُزلة مصر وستسمح للدولة الصهيونية بحرية مُطلقة في ممارسة سياسة القتل والإرهاب في المنطقة مُستخدمة السلاح الأميركي كمخلب لها.. فالأفكار الأميركية التي طُرحت في كامب ديفيد كانت تهدف لإضفاء غطاء شرعي للاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية". هكذا كتب إبراهيم كامل في مذكّراته "السلام الضائِع في اتفاقات كامب ديفيد" المنشور في القاهرة بداية الثمانينات. وأكمل بأن "ما قبل به السادات بعيد جداً عن السلام العادل".

مذكّرات محمد إبراهيم كامل "السلام الضائِع في اتفاقات كامب ديفيد"
مذكّرات محمد إبراهيم كامل "السلام الضائِع في اتفاقات كامب ديفيد"

الحقيقة أن البداية جاءت، حيث لم يمض وقت طويل على توليّ السادات الرئاسة حتى بدأ سلسلة متّصلة من الجهود والعمليات التي عزّزت مركزه الداخلي، وبدأ الناس يتطلّعون إليه كزعيم، وجاءت البداية بالقضاء على ما كان يُعرَف بمراكز القوى، وهي الحركة التصحيحية التي عبّر عنها الفريق سعد الدين الشاذلي في مذكّراته بلفظ صريح "انقلاب" جاء بزعيم أوحد، حتى في القرارات الحالِكة والشائكة، في القلب منها مفاوضات المحتل الإسرائيلي.

انتقد "كامل" كل الاتفاقيات لكونها لم تشر بصراحة إلى انسحاب إسرائيلي من قطاع غزّة والضفة الغربية، ولعدم تضمينها حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.. وانتهت مراسم التوقيع على اتفاقية "كامب ديفيد" يوم 17 أيلول/ سبتمبر 1978، ولفت انتباه المُتابعين للحدث غياب إبراهيم كامل، فلم يكن أحد يعرف أن سبب الغياب هو "استقالته" احتجاجاً على الاتفاق الذي تمّ الانتهاء إليه. ووفقاً لمذكّراته فإن السادات طلب منه عدم الإعلان عنها حتى الإنتهاء من التوقيع على الاتفاقية.

الواقع أن مسألة القدس والمواقف المصرية والأميركية منها، جاءت في مذكّراته تحت عنوان "خيول الملاهى الخشبية". وهنا كتب كامل "..وفي النهاية تمّ الاتفاق بين كارتر والسادات على إسقاط الإشارة إلى القدس في الاتفاقية نهائياً وأن يعالج موضوع القدس عن طريق خطابات مُتبادلة تلحق بالاتفاقية بين السادات وكارتر من جهة وبين كارتر وبيغين من جهة أخرى، يحدّد فيها كل موقفه من موضوع القدس. فكتب السادات خطاباً مضمونه أن القدس العربية جزء لا يتجزّأ من الضفة الغربية ويجب أن تخضع للسيادة العربية، وردّ عليه كارتر بأنه تلقّى خطابه وأنه سيبعث بصورة منه إلى بيغين لعلمه، وكتب بيغين إلى كارتر خطاباً مضمونه أن الكنيست الإسرائيلي قد أصدر في 28 تموز/ يوليو 1967 قانوناً يخوّل للحكومة الإسرائيلية سلطات التشريع والإدارة على أي جزء من أراضي (إسرائيل- فلسطين)، وأنه وفقاً لهذا القانون فقد قرّرت حكومة إسرائيل في تموز/ يوليو 1967 أن مدينة القدس موحّدة ولا يمكن تقسيمها وأنها عاصمة دولة إسرائيل.. وردّ عليه كارتر بأنه سيُرسل صورة من خطابه للسادات، وأن الموقف الأميركي بشأن القدس هو ما سبق ذكره".

هنا يستطرد كامل ليقول "ولست في حاجة إلى التعليق على قيمة هذه الخطابات التي تدور وراء بعضها مثل الخيول الخشبية المُثبتة على مراجيح الملاهي كل حصان يسير وراء الحصان الذي أمامه من دون أن يلحق به أبداً، ويكفي أن أشير إلى أن ما ذكره موشي دايان في كتابه بشأن هذه الخطابات من أنه: طالما أن الخطابين الأميركي والمصري حول القدس ليس لهما طبيعة تنفيذية فإنهما لا يلزمان إسرائيل بالانسحاب من تلك الأراضي، وبالتالي فلم تكترث إسرائيل بهذه الخطابات ولم يكن لديّ عِلم بما يجرى بين (كارتر والسادات وبيغين) في تلك الساعات الأخيرة".

في حوار إبراهيم كامل مع نبيل العربي بعد لقاء الثاني بالسادات منفرداً، ليعرض عليه الرأي القانوني في ما يتعلق بالخطابات المُتبادلة حول القدس، فقال له السادات "أعلم أن كل ما قلته لي قد دخل من أذني اليمنى وخرج من أذني اليسرى، إنكم فى وزارة الخارجية تظّنون أنكم تفهمون في السياسة ولكنكم لا تفهمون شيئاً على الإطلاق ولن أعير كلامكم أو مذكّراتكم أيّ التفات بعد ذلك. إنني رجل أعمل وفقاً لاستراتيجية عُليا لا تستطيعون إدراكها أو فهمها ولست في حاجة إلى تقاريركم السفسطائية الهائفة".

في الـ25 من كانون الأول/ ديسمبر 2018، يكون قد مرّ على ميلاد السادات 100 عام، وهو من وصفه البعض بالعبقري! من دون أن يعرفوا أيضاً المسكوت عنه سواء في التاريخ العام أو تاريخ الرؤساء. وفي القلب منها المقالات السبع التي كتبها الأديب يوسف إدريس أوائل الثمانينات، ولم يستطع نشرها في مصر، فنشرت خارجها بعنوان "البحث عن السادات". جاء ضمنها أسباب استقالة إبراهيم كامل، من واقع مذكّراته السالفة، والتي كشفت عورات سياسية كبرى لواقع عربي مرير. حيث تمخّض جبل كامب ديفيد فولَد "صفقة العصر" بعد 40 عاماً!

يبقى أن السادات سيحصل على واحدة من أرفع جائزتين أميركيتين، هي "الميدالية الذهبية" التي يمنحه إياها الكونغرس لـ"الإنجازات البطولية والإسهام الجريء في السلام في الشرق الأوسط". وسبق أن احتفت السفارة المصرية في واشنطن، في آب/ أغسطس الماضي، بتمرير مجلس الشيوخ الأميركي القانون الذي سيمنح السادات ميدالية الكونغرس الذهبية. والذي تمّ تمريره الصيف الماضي، كذلك يبقى رغم كل ذلك أن السادات حصل عام 1978 على جائزة "نوبل للسلام" مُناصفة مع مناحم بيغين، إثر توقيع هذه الكارثة، وهو ما تسبّب في ردود فعل معارِضة داخل مصر والدول العربية، تعاني منها المنطقة وستظل. هنا تأتي الإجابة عن دواعي استقالة السياسي المصري"محمّد إبراهيم كامل" السابق لعصره بـ40 عاماً. حيث تنبّأ بكارثة تأتي على المنطقة، وإن تأخّرت. إنه "السلام الضائع في اتفاقات كامب ديفيد". فحقاً "ما قَبِل به السادات بعيد جداً عن السلام العادل".


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً