أحمد فال السباعي

باحث متخصص في الدراسات الاستراتيجية في المغرب

في مناخ متحول -أزمة الكاريزما القيادية

في عالم الصراع وهيمنة المؤسسات المالية الأخطبوطية وتقلص مفهوم السيادة الوطنية والحرب على الإقتصادات القومية والإشتراكية التي لازالت تتمنع عن ركب النظام الدولي الجديد، أصبح دور القيادة السياسية يتقلص شيئا فشيئا في بعض الدول بينما يتقوى في أخرى. أين هي منطقتنا وسط هذه التحولات؟ وأي نظام قيادي هو الأصلح لها؟

  • في أميركا تُصنع الكاريزما صناعة

"أعتقد أن ماكرون سيكون رئيساً لفرنسا، لكن لم يعد لمنصب الرئيس المنتخب في الحقيقة سلطة فعلية إلا اعتقاده هو والشعب الفرنسي أنه يمتلك فعلا تلك السلطة، لقد تقلصت صلاحياته بشكل لافت في السنين الأخيرة وأصبحت الكثير من المؤسسات الدولية والمالية متحكمة تماما في القرار بشكل مباشر وحصري". من حوار مع جاك أتالي Jacques Attali المفكر الإقتصادي ومستشار الرئيس ماكرون.
في عالم الصراع وهيمنة المؤسسات المالية الأخطبوطية وتقلص مفهوم السيادة الوطنية والحرب على الإقتصادات القومية والإشتراكية التي لازالت  تتمنع عن ركب النظام الدولي الجديد، أصبح دور القيادة السياسية يتقلص شيئاً فشيئاً في بعض الدول بينما يتقوى في أخرى. أين هي منطقتنا وسط هذه التحولات؟ وأي نظام قيادي هو الأصلح لها؟
كارزمية المؤسسات: (أميركا وإيران)
بعد القائد المحارب المتلبس بلبوس الأنجليكانية الصهيونية جورج بوش الإبن، إنتقلت صورة القائد في أميركا إلى رجل الأقليات الأسود القادم من نضال الحركة الحقوقية المدنية. لقد إستبدلت أميركا قائدها المحافظ بقائدها "الحقوقي"، وفيما إحتل الأول العراق وأفغانستان، ساند أوباما ثورات الربيع في العالم العربي، وبعد فشل الثورات، إختارت أمريكا رجل الأعمال ليقودها في زمن الصراع الإقتصادي مع الصين وروسيا. في زمن أمريكا الجديد يدير رجل البيزنس بوسائل المناجمنت managment ومفاوضات اللحظة الأخيرة سياسة بلاده تجاه خصومه في كوريا الشمالية وإيران وفينيزويلا.
في أميركا تُصنع الكاريزما صناعة، وفي مجتمع المشهد السياسي political-show، يبدو الخطاب السياسي منسجماً ومقنعاً للجمهور الذي يخضع لنفير الإعلام والدعاية بشكل كبير. شركات التسويق السياسي تبحث بخبرائها عن صورة القائد، وتبحث لوبيات التفكير عن النساء وعن الرجال المناسبين لكل مرحلة.
يظهر ترامب كالفتى الأميركي الجامح الباحث عن المصلحة الإقتصادية الأميركية، لكنه يرسم كاريزما المفاوض الذي لا يمكن أن تتوقع سلوكاته ليغير الوضع الأمريكي في سياق التغيرات الإستراتيجية الدولية.
غير بعيد عن أميركا، تبحث إيران بين محافظيها وإصلاحييها عن الرجال المناسبين لكل سياق دولي جديد، لكن المؤسساتية الدعائية المرتبطة بلوبيات الضغط في بلاد العم سام تقابلها على أرض إيران كاريزمية مؤسساتية يترأسها الولي المرشد الذي يجمع رئاسة الدولة وزعامة المراجع الدينيين، والتي أسس لها قائد الثورة الخميني، لكن بإزائها وخصوصاً في السياسة الخارجية تتنازع إيران كاريزما الديبلوماسيين والعسكريين.
بعد الامام الخميني، تحولت الثورة من قيادة وحيدة إلى قيادات عديدة تفرزها مؤسسات الدولة (الرئاسة-الخارجية) ومؤسسات الثورة( مجلس الخبراء- قادة الحرس الثوري). أخرجت معارك الديبلوماسية وحروب إيران قادة جدد متنافسين حول السياسة والرياسة.

قادة روسيا وتركيا (جمهوريات القيصر والسلطان):
في روسيا تحول الحكم إلى رجل الإستخبارات العسكري القوي. لقد أبرزت روسيا نظاماً سياسياً قيصرياً قوياً. نجح النموذج الروسي في إبراز محاسن بقاء الحاكم لمدد طويلة في الحكم عن طريق التناوب الشكلي بين بوتين وصديقه الحميم.
على أثر جمهورية القيصر الروسي يحث أردوغان الخطى نحو بناء كارزمية أخرى لا تقل قوة عن حليفه القلق في موسكو. ولقد مكنت شخصية الإسلامي المعتدل، ورجل الإقتصاد القوي من تثبيت نموذج جديد في جمهورية تركيا الثانية حيث أصبح نموذج السلطان عبد الحميد أقرب إلى حاكم إسطنبول من كمال أتاتورك وتحولت تركيا معه نحو جمهورية سلطانية جديدة.
يهاجم الخطاب السياسي الأميركي هذه النماذج السياسية الصاعدة التي يقودها الحاكم الوحيد، في الصين وفينيزويلا وروسيا لأنها تمثل حجرة عثرة حقيقي أمام مشاريع السيطرة المالية والإقتصادية والثقافية على العالم اليوم. الأنظم الدستورية الرئاسية القوية تفرض رؤى إستراتيجية بديلة لهذا النظام الدولي الجديد الذي يخترق مبدأ سيادة الدول على أراضيها، لذلك لم تجد المصالح التركية الروسية غضاضة في توطيد علاقات البلدين بعد المحاولة الإنقلابية الأخيرة.
قادة العرب وأزمة الكاريزما:
في مصر وموريتانيا، يبحث القادة الجدد للمؤسسات العسكرية عن هذا النموذج الجديد في القيادة المستبدة المستنيرة شكلا للحكم. في مصر أبرزت مؤسسات العسكر والإخوان على حد سواء قادة جدد إختلفوا كثيرا عن سمات قادتهم الأوائل: حسن البنا وجمال عبد الناصر.
بسبب التدخلات الأجنبية وطابع التحالفات التاريخي وشيخوخة النخبة العسكرية والسياسية، لم تستطع المؤسسة العسكرية المصرية ولا جماعة الإخوان المسلمين على حد سواء أن تقدما شخصيات جامعة، فالقادة الجدد مؤسساتيون بطبعهم، أفرزتهم الآلة البيروقراطية الداخلية فافتقدوا سحر الزعامة وفصل الخطاب والقدرة على بناء تحالفات سياسية مع الفرقاء والمخالفين.
في الملكيات العربية حكام غائبون. بنظام السعودية والإمارات يتحكم ولاة العهد بمقاليد الأمور، وتحاول ماكينات البروبغندا السياسية النشيطة توطيد هذا النظام السياسي المريج الهجين، الذي لا يمتلك مقومات إستراتيجية حقيقية لإستقلال قراره السياسي أو وجوده السيادي. غابت عن المشهد السياسي العربي القيادات الكارزمية لتحل محلها تلك المؤسساتية التي لا تملك في زمن ترامب إلا منطق "الصفقات" للوصول إلى الحكم بدل الإعتماد على الجماهير وعلى سحر القائد ووجوده وهالته.
لازال قادة المقاومة ضد إسرائيل يتمتعون بمصداقيتهم ومكانتهم داخل المجتمعات العربية، ورغم التأثيرات السلبية التي خلفتها إصطفافات الربيع العربي، إلا أن حركات المقاومة والفلسطينية واللبنانية لا زالت وفية إلى حد بعيد لنهج قادتها المؤسسين في ظل استماتتها على المبادئ الوطنية والعقائدية والقومية، لكن بمقابل ذلك فإن الفقر في وجود القادة الزعماء في المجتمعات السياسية ينذر بهيمنة المؤسسات الدولية الكبرى على المشهد العربي وعلى حكامه وعلى ثوراته وعلى المعارضة وعلى الموالاة في زمن الشرعية المفقودة.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً