رفعت سيد أحمد

كاتب ومفكر قومى من مصر. رئيس مركز يافا للدراسات والأبحاث القاهرة. دكتوراه فى فلسفة العلوم السياسية من جامعة القاهرة – 1987. صدر له ثلاثون مؤلفاً وموسوعة عن الإسلام السياسى والصراع العربى الصهيونى

نحو فقه للتجاوز يرفض الغلوّ الديني

إنّ الهيمنة قائمة ولا تزال. ومع ذلك لم تنتبه الأمّة العربية والإسلامية لذلك أو تعيه رغم تكرار الآيات والشواهد المؤكّدة لتلك الهيمنة.

إن التعصّب هو ردّة فكرية، وهو لا يحمي المقدّسات بل يؤدّي إلى التفريط فيها
إن التعصّب هو ردّة فكرية، وهو لا يحمي المقدّسات بل يؤدّي إلى التفريط فيها

لا يختلف إثنان على أن الأمّة بمقدّساتها وقضاياها عاشت خلال السنوات السبع العجاف الماضية (2011-2018) سنوات إرهاب داعش والقاعدة وأخواتهما؛ مرحلة قاسية تحتاج اليوم، إلى فقه وفكر جديد، يدفع في إتجاه المقاومة القائمة على الوحدة والتقارُب المذهبي والبعيدة عن الفرقة والتعصّب الذي يضرب في قلب الأمّة بلا هوادة ويهدّد وجودها ذاته وليس فحسب مقدّساتها، إن الأمّة العربية والإسلامية تتعرّض لهجمة شرسة تستهدف مصالحها ومقدّساتها، ولهذه الهجمة مظاهر وتجلّيات واضحة في نقاط وبؤر السخونة الرئيسية وبالتحديد في سوريا وفلسطين والعراق وشمال سيناء وليبيا، حيث تتوسّل قوى الإرهاب مدعومة من الخارج لتحقيق تلك الاستراتيجية العدوانية، استراتيجية الهيمنة بوسائل عدّة لعلّ أبرزها إثارة الفتنة السياسية والمذهبية والطائفية.

السياسية نلحظها بين اتجاهات وطنية سياسية مختلفة سواء يسارية، إسلامية، قومية، وغيرها.

أمّا الفتنة الدينية أو الطائفية فنجدها بين أصحاب أديان مختلفة أو متعدّدة، وأوضح مثال على ذلك هو بين المسيحيين والمسلمين في أكثر من بلد عربي ومنه مصر ولبنان ومذهبية أي ما يحدث بين أبناء الدين الواحد مثلما يحدث الآن بين السنّة والشيعة.

والأدوات الخارجية تُعلي من كل متغيّر وذلك حسب البلد الذي تتعامل معه. ففي العراق مثلاً نجد أن الأمر واضح وجلي بين السنّة والشيعة، بينما في فلسطين يتّخذ الأمر الشكل السياسي مثلما بين حماس وفتح، أما في لبنان ومصر فهو طائفي وديني بين المسلمين والمسيحيين.

إلا أنه يمكن القول إن هذه الإستراتيجية من الهيمنة ينظّمها محوران أو مفرقان أساسيان:

الأوّل: هو أن الذين يسيرون في ركب الاحتلال وضد المقاومة يمثّلون محوراً رئيسياً تنتظم فيه الطوائف والمِلل والنِحل والمذاهب مع المشروع الأجنبي العدواني.

والثاني: نجد المقاومين وبداخلهم أيضاً سنجد مسلمين ومسيحيين، اتجاهات سياسية متعدّدة. وبالتالي يمكن القول إن هذه الاستراتيجية الغربية العدوانية قسّمت الأمّة إلي شطرين رئيسيين، ولعبت في الشطرين على محاور الفتنة المذهبية والسياسية والدينية وهذه هي القضية الأولى. ولكن إن جزءاً من مشكلاتنا الداخلية سببه يعود إلى الاستبداد وغياب الديمقراطية في بعض بلادنا العربية، ولا يمكن لأمّة فيها استبداد سياسي أن تقاوم. فالدول التي تعاني من استبداد أو فساد لا يمكنها أن تحمي المقدّسات، ولا يمكنها أن تقاوم المشروع الغربي. وفي تقديرنا أن هذا الاستبداد وتلك الأنظمة تمثل عقبة كبيرة في وجه التسامُح المذهبي وفي وجه حماية المقدّسات وكذلك في وجه المقاومة.

إن التاريخ يحدّثنا عن أن الهيمنة الغربية تأصّلت منذ القِدَم، فمنذ الحروب الصليبية وحملاتها الثماني التي اجتاحت الشرق وإلى الآن، ما زال الاستعمار يعمل في المجتمعات الإسلامية. ورغم القول بأن الشعوب الإسلامية والعربية نالت استقلالها فإن البحث العلمي يقول إنها لم تستقل بعد طالما ظلّت تابعة. ويمكن القول إن الثقل انتقل من أوروبا إلى الولايات المتحدة والتي أصبحت هي المُشرفة على استعمار الدول الإسلامية والعربية والمُهيمنة عليها.

إنّ الهيمنة قائمة ولا تزال. ومع ذلك لم تنتبه الأمّة العربية والإسلامية لذلك أو تعيه رغم تكرار الآيات والشواهد المؤكّدة لتلك الهيمنة. ومما يؤسَف له أن المذهبية عندنا مذاهب متجمّدة حول نصوص القرآن وأحاديث الرسول، وكأن نصوص القرآن متجمّدة أيضاً وهذا غير صحيح. لأن الإسلام مَرِن، وكذلك يجب أن يكون المؤمن سمحاً ومرناً في تصرّفاته كلها ولديه الوعي. وينبغي أن يكون لدى الشعوب الإسلامية الوعي لا أن تكون "مُغيّبة" وهو ما يفتح الباب واسعاً أمام الهيمنة الأميركية والتي زرعت على خلفية هذا اللا وعي، وانتجت مسؤولين ليتحكّموا في شعوبهم فيحقّقوا ما يريده الاستعمار، وبالتالي صارت الشعوب بعيدة عن حركة الحياة.

وكما نعلم فإن ثمّة هيمنة أجنبية تسيطر على غالب المجتمعات الإسلامية، وعلى النخبة بكافة مستوياتها، عبء ورسالة تنطلق من الوعي والمسؤولية، ونشر الثقافة الصحيحة وتنبيه الناس إلى الأخطار الحقيقية التي تُحيق بنا. غير أن المؤسف هو أن كثيراً من علمائنا ومثقفينا دون هكذا موقف وسياسة.

إن التعصّب هو ردّة فكرية، وهو لا يحمي المقدّسات بل يؤدّي إلى التفريط فيها، ففي الفكر الإسلامي النظرة إلى التعصّب وعدم التسامح ،ردّة فكرية، لأن الفكر الإسلامي بطبيعته يقوم على التسامُح. وإذا كان الإسلام قد سمح بوجود اختلاف فإنه أمر باحترام مَن يختلف معنا. فالاختلاف في الإسلام هو للوصول إلى الرأي الأفضل والأنضج. وليس اختلاف العداوة أو التضاد.

ومن هنا فالتعدّدية سنّة من سنن الله في كونه. والتسامُح المذهبي سِمة العلماء الكبار. فمثلاً الإمام مالك حينما طلب منه وليّ الأمر أن يضع للناس كتاباً سهلاً تتجنّب فيه الرخص والمشدّدات، وضع كتابه "الموطأ" والذي نال إعجاب العلماء في عصره. ولكن عندما أراد الخليفة المنصور أن يفرض العمل بهذا الكتاب في جميع الأمصار رفض الإمام مالك رعاية لأحوال المخالفين له في الرأي.

كذلك فإن الرسول (صلّى الله عليه وسلّم) سمح بالرؤى المتعدّدة والفَهْم الواعي. فسمح بأن يكون هناك تأويل وعمل بالنصّ في الحديث المشهور الذي أخرجه الإمام البخاري في صحيحه الخاص بصلاة العصر في بني قريظة. فهناك من الصحابة من أخذ بنص الحديث ولم يصل العصر إلا في بني قريظة رغم مرور وقته. بينما فَهِم البعض الآخر أن المقصود هو الإسراع ولهذا صلّوا العصر قبل أن يصلّوا بني قريظة وعندما اختلف الفريقان وذهبا للرسول أقر تصرّف كليهما. فهو بهذا سمح بأكثر من رأي وفَهْم. والإمام النووي في شرحه الصحيح مسلم يقول (اجتمعت كلمة أهل العلم على أن المختلف فيه لا إنكار فيه).

إن تنوّع الآراء وتعدّد أطياف البنية الفقهية هي سِمة الأمّة الإسلامية يوم كانت لها شوكة. واليوم وفي زمن داعش وأخواتها، وفي أجواء المؤامرات الواضحة لتفكيك الأوطان بإسم ثورات الربيع العربي، باتت الأمّة أحوج ما تكون إلى فقه وفكر جديد يرسخ قِيَم الحوار والتسامُح والعدل بعيداً عن التعصّب وفقه المُغالاة نحن باختصار بحاجة إلى تأسيس فقه جديد بعيداً عن فقه داعش والقاعدة، بل وعلى أنقاضهما، نسميه بفقه التجاوز، فمَن يبدأ؟.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً