صالح محروس محمد

باحث وكاتب مصري

مخاوف الغرب من الإسلام في فكر علي محسن البرواني

علي محسن البرواني عاش هموم الأمّة الإسلامية والمسلمين بشكل عام وزنجبار بشكل خاص. يوضح هذا المفكّر بثاقب فكره نظرة الغرب الأوروبي للمسلمين ، فيقول أصبح المسلمون الآن محل كراهية الغرب واتخذت اللاسامية صورة جديدة. ولكن الضحية هذه المرة هي المسلمون ، الذين ينظر إليهم فى الغرب على أنهم غرباء غير قادرين على التكيّف مع طبيعة الأمور وأنهم هم وليس اليهود هم الإرهابيون. ومنطق هذا العداء أن المسلمين أقليّة قابلة للبقاء وتنمو بشكل خطر ويتعيّن بالتالي سحقها.

مخاوف الغرب من الإسلام  في فكر علي محسن البرواني
مخاوف الغرب من الإسلام في فكر علي محسن البرواني

وبما أنه قد ثبت استحالة تحويلهم عن دينهم فإن البديل هو علمَنتهم لبثّ الشكوك في أذهانهم في قداسة دينهم وقرآنهم، وإذا فشل ذلك البديل كما حدث فى البوسنة والهرسك والشيشان وكل البلدان التي كانت تحت نَيْر القياصرة والشيوعيين لعقود عديدة ، فلا يبقى إلا حل إبادتهم، ويوضح علي محسن البروانى أن الغرب حينما فشل في القضاء على الإسلام بدأ فى محاربته في عقر داره ، فقام بتصدير العلمانية إلى الدول الإسلامية ، وفي خلال لقاءاته مع الأسقف النرويجي والأسقف الإنكليزى والدكتور جون ب تايلور ناقش قضية فصل الدين عن الدولة ، وقالوا له أن الإسلام لا يعرف فصل الدين عن الدولة وهو السبب في إعاقة التقدّم، ويؤكّد الشيخ علي محسن على حقائق هامة إن العلمانية ليس مردّها البحث عن أية فضيلة وإنما من أجل زحزحة المسلم عن الولاء لدينه على أمل أن يصير ضحية سهلة للتنصير. إنهم يريدون أن يجرّدوه من أساسه وميزانه ليفقد الدفّة ويصير ليّن العريكة وسهل الانقياد.

ويوضح أن الغرب الذي يتغنّى بفصل الدين عن السياسة هو نفسه غارق فيها ، وأكّد أن الأحزاب الديمقراطية المسيحية في الغرب تحظى بنفوذ سياسي واسع، وليس بالأمر الغريب أن تكون هي الأحزاب الحاكمة مثلما في ألمانيا وإيطاليا ، وأن الأسماء تبيّن جوهر هذه الأحزاب.، ويوضح أن اللقب الرسمى للعاهل البريطانى هو حامي الدين فأيّ دين يحميه؟

إنها الكنيسة الإنكليزية بالطبع ، والعاهل البريطاني ينتميان دستورياً إلى الكنيسة الرسمية وأساقفة تلك الكنيسة هم بحكم مناصبهم الرفيعة أعضاء في مجلس اللوردات الذي هو أحد مجلسي البرلمان البريطاني، بل هو المجلس التشريعي الأعلى . وحتى عام 1858 م لم يكن من المسموح به لغير المسيحى المُعمّد أن يكون عضواً فى البرلمان ، ومنع روتشلد ثلاث مرات من أن يتبوّأ مقعداً في البرلمان لكونه يهودياً رغم فوزه بالمقعد في الانتخابات.

ويخضع الملك في المملكة المتحدة لسلطة الكنيسة كما تجلّى فى إجبار الملك إدوارد الثامن على التخلّي عن العرش فلم تجز أسقفية كانتربري زواجه من سيّدة مطلّقة رغم أن القوانين العلمانية تجيز الطلاق ولا تمانع فى زواج المطلّقة، والكنيسة في هذا المثال نقضت السلطة العلمانية والسلطة الملكية وفي حين تحظى الأحزاب المسيحية بالقبول ، وتمنح تراخيص غير مشروطة للعمل والإمساك بمقاليد السلطة ، فإن ضغوطاً دولية تمارس من أجل منع وصول أي حزب في أي بلد إسلامي له ميول إسلامية صريحة أو محتملة إلى السلطة ، ومثل هذه الأحزاب تُطارَد وتُقمَع في أي مكان تحاول أن ترفع رأسها فيه.

فالمسألة في الغرب ليست مسألة المسيحية في مقابل الأديان الأخرى ، بل هي مسألة الكنيسة الرسمية التي تُهيمن على كل ما عداها. ولقد شهدت إنكلترا قبل مؤتمر جنيف 1976 جدلاً بشأن إمكانية تعيين كاثوليكى نائباً لرئيس هيئة الإذاعة البريطانية ، واتّخذت كل الاحتياطات لمنع حدوث مثل هذه السابقة . وهو ما دفع الآباء المهاجرين إلى الرحيل من ديارهم الإنكليزية إلى هولندا ثم الولايات المتحدة بوصفهم بروتستان مستقلّين لممارسة شعائرهم الدينية من دون القمع والاضطهاد الذي تعرّضوا له من جانب كنيسة إنكلترا. فصلوات الكنيسة كان يلزم إجازتها من البرلمان ويُهيمن الصليب على أعلام كل من بريطانيا وأيسلندا والنرويج والدنمارك والسويد وسويسرا.

ويمثل الكرسي البابوي بمجمل وزرائه وسفاراته ونفوذه الواسع واللامحدود على الدول الكاثولكية وغير الكاثولكية حكومة أعلى من الحكومات، يعلو نفوذها وسلطانها بشكل مباشر وغير مباشر على نفوذ القوى العُظمى وسلطتها بشكل مباشر أو غير مباشر، وهذا يؤكّد أن العلاقة بين الكنيسة والدولة في كل بلد أوروبي وأميركي ومَن يحذو حذوهم قوية ولا انفصام لها. ومع ذلك ففي الدول التي تسمّى علمانية مثل فرنسا وبريطانيا تتعرّض البنات المسلمات للإكراه على نزع حجابهن ، بينما لا ينطق أحد بكلمة واحدة أمام لباس الراهبات المشابه له.

وينعت المسلم بالأصولي الذي يعني حالياً الشخص المتعصّب وأو ما هو أسوأ الإرهابي لا لشيء إلا بسبب ملبسه أو بسبب ملبسها، ولكن ذلك الحكم لا يطول الراهبات أو أي رجل دين مسيحي بلباسه الديني وبالصليب الكبير. ولا ننسى قرنين من الحروب الصليبية ومحاكم التفتيش الإسبانية وغزو الفليبين وأميركا الجنوبية ، وتحويل سكانها الأصليين عن دينهم بالقوّة ، والاحتلال البرتغالى القمعى لشرق أفريقيا وعُمان على مدى قرنين من الزمان ، والمؤامرة ضد تركيا وما تمخّض عنها من إزالة الخلافة العثمانية. ونرى بأمّ أعيننا ما يجرى في أفغانستان وزنجبار والشيشان والبوسنة والهرسك وفلسطين ، وما يُحاك من مؤمرات لألبانيا . وبذلك وضّح لنا البرواني الأسباب الحقيقية لمخاوف الغرب من الإسلام ولماذا يحاربونه .


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً