محمد عبد الرحمن عريف

كاتب وباحث في تاريخ العلاقات الدولية والسياسة الخارجية

نحو إصلاح ما تخرّب في العراق.. إعمار ‏الآثار وإحياء التراث

لقد أدّى وقوع هذه المدن تحت نيران الحرب إلى التدمير، وخصوصاً مواقعها التاريخية والثقافية التي تشهد على روح التسامُح والتعايُش بين سكّانها، إذ أصبحت مواقع كموقع نمرود، ضريح النبي يونس، جامع النوري ومأذنته الحدباء أثراً بعد عين بسبب المعارك التي دارت في هذه المدن.

نحو إصلاح ما تخرّب في العراق.. إعمار ‏الآثار وإحياء التراث
نحو إصلاح ما تخرّب في العراق.. إعمار ‏الآثار وإحياء التراث

بين الموصل ونينوى وإربيل كنت مشاركاً هذه البلاد العريقة إعادة الإعمار، وإن جاءت البداية مع مناقشة أعضاء لجنة التراث العالمى، التابعة لمنظمة اليونسكو، إعادة الإحياء، بتنظيم مؤتمرات عالمية لحشد العالم لدعم إحياء الشمال المدمّر أثناء الحرب التي دارت فيه. جاءت المبادرة من لجنة التراث العالمي كي يقف الجميع على ما آلت إليه حال هذه المدن وتراثها الثقافى، كي يسمع العالم بأسره صرخة أبناء هذه الأرض ومَن يقفون بجانبهم حتى يتم محو الأثر المأساوى الذى لحق بالمدن ، وأن تستعيد جمال التراث الإنسانى الذى تشهد له آلاف السنين.
لقد أدّى وقوع هذه المدن تحت نيران الحرب إلى التدمير، وخصوصاً مواقعها التاريخية والثقافية التي تشهد على روح التسامُح والتعايُش بين سكّانها، إذ أصبحت مواقع كموقع نمرود، ضريح النبي يونس، جامع النوري ومأذنته الحدباء أثراً بعد عين بسبب المعارك التي دارت في هذه المدن. فمتحف الموصل تحطّمت معظم مُقتنياته وسُرِق أكثر من 121 قطعة أثرية منه. كذلك آلاف الكتب تعرّضت للحرق وفقدت المدينة أكثر من 10 آلاف كتاب ثمين.
هي أكبر حملة إعادة إعمار تقوم بها المنظمة في الآونة الأخيرة. منذ أن حشدت قواها بالكامل، في شباط/ فبراير 2018 من أجل إتمام مبادرة الموصل، سواء في مقرّها أو في مكاتبها الميدانية في بغداد والمنطقة. وتتماشى المبادرة مع خطة "إعادة الإعمار والتنمية في العراق" التي تقوم بها الحكومة العراقية، وبرنامج التعافي وبناء القدرة على الصمود في العراق، الذى استهلّ بمبادرة من الأمين العام للأمم المتحدة.
تطوّرت الأوضاع لتعاون بين الإتحاد الدولي للمؤرّخين وجامعتي الموصل والحمدانية، لبدء مشروع "الإعمار الآثاري والإحياء التراثي لنينوى"، نحو الشروع بخطوات أعمال مؤتمر دولي في عينكاوا، بعد خلاصة مجريات العديد من ثوابت ومحرّكات تعميق مسارات المشروع الحضاري الكبير، وتنفيذ سُبل النهوض بحملات الإعمار الآثاري والإحياء التراثي لنينوى وسهلها، وينضوي تحت مظلة فحوى "رسالة أمن وسلام". بأعمال المؤتمر التي جاءت في الجامعة الكاثوليكية في عينكاوا- إربيل.
نعم "أرى من الضروري مناشدة المنظمات الدولية كـ(اليونسكو) التي تعمل تحت عنوان (التراث العالمي وإعادة الإعمار لترميم الآثار المُدمّرة وتأهيلها)، لتكون الأولوية الآن لإعادة إحياء آثار نينوى بمشاركة الجامعتيّن المذكورتيّن، لدراسة الأوضاع التي عاشتها الموصل وسهل نينوى تحديداً تحت سطوة الإرهابيين على مختلف مسمّياتهم، وآثار التدمير الذي ألحق بالحياة الإجتماعيّة". هكذا تحدّث لنا الأمين العام للاتحاد الدولي للمؤرّخين عن جوانب من هذا الحراك الوطني.
هي مخطوطات ومتاحف لكل هذا الدمار الهائل، الذي أصاب ما أصاب من عناوين ثقافتها وتراث ما تضمّ وتحوي هذه المدن التاريخيّة العريقة، من ذخائر الوعي الفكري والنفسي والحضاري، وجلال ما تملك من ثراء كنوز ومخطوطات ومتاحف، فضلاً عن مرافق سياحية عظيمة وكثيرة، تزيد من هيبة حضورها وفخامة وجودها الشاخِص في عموم مفاصل الضمير الإنساني والعالمي.
بَيْدَ أن ما نريد قوله الآن، ونحرص على تحقيقه هو إعادة الثقة للنفس البشرية التي طالها ذلك العدوان الوبائي في فترات جثومه على أنفاس هذه المدن التاريخيّة، مع ما خلّف من سرقة أثار ومتاحف وتحطيم مرافق سياحيّة كان لها وقع في نفوس كل عشّاق الموصل الحدباء، أمّ الربيعيّن. ذلك نحو الحفاظ على روح الإنسان التي هي أساس الوجود، مع ترميم ما تأثّر في دواخل ونفوس الناس عبر برامج تأهيليّة، ترمي إلى إصلاح ما تخرّب، فالـ"إنسان بنيان الله ملعون من هدّمه".
سبق أن دعا رئيس صندوق إعادة إعمار المناطق المتضرّرة من العمليات الإرهابية، المجتمع الدولي للوقوف مع العراق في معركة إعادة إعمار المناطق التي تضرّرت من الحرب، "حيث أن تقرير الأضرار والخسائر كبير في المناطق قدرت بـ(88 مليار دولار)، والعراق لوحده لا يقدر. وعليه لا نريد أن تكون مرة ثانية أرض رخوة لرجوع الإرهاب إلى المنطقة، عندما لا تتغيّر الخدمات وعندما لا تُبنى المدن وعندما لا يُحترم الإنسان كمواطن"، نعم هذه كلها ممكن أن تكون أرضاً رخوة لإعادة الإرهاب، فالعراق دخل في معركة تاريخية وساعد المجتمع الدولي، ويبقى يحتاج المجتمع الدولي أن يدعمه في هذا الاتجاه من الناحية اللوجستية والمادية.
في الوسط هي مسألة الألغام المزروعة في منطقة الموصل وإعاقتها لأعمال إعادة الإعمار، فهناك حسب التقديرات الدولية يوجد (6 ملايين مادة متفجرة) من صغيرة إلى لغم كبير، إلى الآن (6 بالمائة) تمّ تنظيفها في هذه المناطق. لقد أضحى اليوم الموصل حتى 2018 بحدود (42 مشروعاً) في داخل الموصل القديم، وحقيقة لديهم مشاكل مع الألغام، رغم أن العراق والمنظمات الدولية تعمل بجدية بعملية إزالة الألغام تدريجاً من المشاريع التي ستبدأ بها على شكل شعاعي من أجل تنظيف هذه المناطق. وهنا مطالبة للمنظمات الدولية بدعم العراق في عملية إزالة الألغام، لأنه يملك أهمية كبرى بالنسبة لأنه لا يستطيع إعادة الإعمار من دون تنظيف هذه المناطق.
يبقى في النهاية أن النقاش مع المنظمات المعنية ما زال قائماً حول المناطق الأثرية المراد إعادة إعمارها، وبالتالي فالمهم أن لا تفقد هذه المدن روحها، حيث التجمّع الثقافي فلا تستطيع التمييز كثيراً فيها بين "الكنيسة والجامع". هنا لا بد من التأكيد على أهمية البُعد الإنساني والثقافي في عملية التعافي والتطوير المستدام لمدن العراق التي تمثل رمزاً للتعدّدية فى المجتمع العراقي ، وهي ملتقى للثقافات في الشرق الأوسط كونها شكلت معبراً للحضارات على مر القرون. لتكن خطوة "نحو إصلاح ما تخرّب في العراق.. بإعمار ‏الآثار وإحياء التراث".

 


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً