أحمد فال السباعي

باحث متخصص في الدراسات الاستراتيجية في المغرب

بدائل حماس

تمارس الدوائر الأميركية الإسرائيلية أشكالاً متعدّدة من الضغط على حركة حماس لكي لا تصبح حجر عثرة أمام الصفقة التي يُراد لها أن تحقق حلاً دائماً وغير نهائي للقضية الفلسطينية، وبسبب التصلّب الذي يميّز خطاب المقاومة تجاه قضايا الثوابت تم تحريك عدّة قضايا داخلية وخارجية لتمرير الصفقة.

تواجه حماس اليوم خيارات صعبة وتحديات جديدة ارتبطت بتحوّلات المنطقة وآثار الربيع العربي
تواجه حماس اليوم خيارات صعبة وتحديات جديدة ارتبطت بتحوّلات المنطقة وآثار الربيع العربي

وضع صعب:

تواجه حماس اليوم خيارات صعبة وتحديات جديدة ارتبطت بتحوّلات المنطقة وآثار الربيع العربي من جهة، وبالتحوّلات الداخلية التي عرفتها الحركة بعد اختيارها التعاطي مع الشأن السياسي والتحوّل نحو الحكم منذ دخولها الانتخابات من جهة ثانية.

تهيّأ الوضع العربي غير المستقر لتحوّلات جديدة في بنية الحركات الإسلامية ومقوّمات وجودها الاستراتيجي، وفي سياق صفقة القرن الأخيرة تجد حماس  كحركة مقاومة وكحكومة قائمة نفسها تحت تأثير عوامل عدّة:

  • الضغط المالي الاقتصادي:

حلفاء أميركا الخليجيون لم يعد باستطاعتهم أو لم يعد يناسبهم أن يدعموا حماس. الخلافات القطرية مع حماس ارتبطت إلى حد كبير بهذا الوضع. أصبح الدور القطري ذا تأثير عكسي على الحركة في الوقت الذي كان فيه يلعب دوراً مهماً في دعمها.

أزمة التسيير المالي والإقتصادي في منطقة محاصرة يجعل من الصعب على "حكومة حماس" توزيع القيم والأشياء.

  • الضغط السياسي الداخلي والخارجي:

بعد أن أصبحت حماس حكومة زادت مسؤوليتها. مسؤولية المقاومة ومسؤولية تسيير الدولة. ورغم الطابع المقاوم للثقافة السياسية لأهل غزّة، إلا أن محاولات الاستقطاب المختلفة بدأت منذ الأيام الأولى للحكومة. الاستقطاب الديني ( الوهّابية - السلفية)  والاستقطاب السياسي ( جناح دحلان- فتح)  والاستقطاب الاقتصادي ( مشروع الإعمار( .

لقد دخل المقاومون ساحة جديدة أصعب من الأولى. كانت تجربة حزب الله عصيّة على هذا الاستقطاب رغم الكثير من المحاولات، بسبب طبيعة الدور السياسي للحزب الذي اعتمد على التوافق العام حول اتفاق الطائف حيث يشترك الجميع في تبعات تسيير الشأن السياسي، بمقابل هذا تفاجأت حماس بالحكم كما تفاجأ به بعد ذلك  الإخوان المسلمون في مصر.

حين انحسر الربيع العربي عن مشروعه التغييري، وجدت حماس نفسها في وضع استراتيجي صعب تجاه داعميها الذين لا يرجمون الشيطان نفسه. الموقف من سوريا ومصر ومن قضايا الربيع العربي أسهم في محاولة توظيف شرعية المقاومة في القضايا الداخلية. لقد لعب الترابط الأيديولوجي للإسلاميين دوراً كبيراً في إحراج حماس خارجياً وفي توريطها داخلياً في مسألة الحكم السياسي قبل تحرير فلسطين كاملة.

  • الضغط العسكري:

في وضع اقتصادي  هشّ تمتلك فيه إسرائيل قدرة كبيرة على توزيع القيم والأشياء، وفي مناخ يعجّ ويمجّ بألوان البروبغندا السياسية المركزة على المظلمة الاقتصادية، وجدت حماس نفسها في وضع صعب.

واقع الحصار الاقتصادي والمالي لا يسمح بقيام مشروع اقتصادي مقاوِم ومستقل. من جهة أخرى تمارس الآلة العسكرية الصهيونية دوراً جديداً بإنهاك غزّة وتدمير بنيتها التحتية كي تظل دوماً تحت رحمة المساعدات الخارجية.

الضغط على الحركة عسكرياً واقتصادياً وسياسياً في وقت واحد يوضح بجلاء مركزية موقفها في مشروع صفقة القرن الذي سيكون من الصعب تمريره من دون الموافقة الصريحة أو الضمنية لحماس.

 

بدائل جديدة:

يكشف الوضع الجديد رغم صعوبته عن بدائل جديدة أمام حماس تتطلّب البحث عن خيارات جديدة. بعد نكوص القطريين، وتوجّهات السعوديين الواضحة، يمكن أن يجد الفلسطينيون المقاومون حلولاً جديدة:

  • حماس والأردن: ( حلف المتضرّرين)

أسفرت الملامح الأولى لصفقة القرن عن وضع أردني ضعيف، في نظر الكثير من مهندسيها ، فالأردن الفاقد للموارد الاقتصادية المتردّد  في التفريط في وضعه الاستراتيجي التاريخي الذي انفتل مع نظام الحكم الهاشمي أصبح يمثل الخاصرة الأضعف بين حلفاء إسرائيل الجدد.

ينظر الإسرائيليون اليوم للاتفاق مع الأردن كعقبة حقيقية أمام المشروع الجديد، ما يجعله مناسباً إلى حد كبير لتأسيس حلف المتضرّرين من الصفقة. الهاشميون اليوم معنيون أكثر من أي وقت مضى بوضع حماس وقدرتها على الصمود. من جهة أخرى ستؤدّي تقوية العلاقات الأردنية مع حماس إلى تعضيد موقف الطرفين في صراع المحاور.

  • الدعم التركي:

لن يكون من السهل على الرأي العام التركي تقبّل وجود خلافات حقيقية مع حماس. الطابع الإسلامي لخطاب أردوغان قد يقلّص من برغماتية حزب العدالة والتنمية تجاه القضية الفلسطينية خصوصاً مع تحوّل تركيا نحو توثيق علاقاتها مع خصوم أميركا ومنافسيها  (روسيا- إيران).

  • الوضع الداخلي العربي:

الوضع العربي الداخلي لا زال غير قادر على تشكيل ملامح حقيقية لمعالم الدولة الجديدة. لقد أطلق الربيع العربي رصاصة الرحمة على الدولة العربية التي نشأت على يد حركات التحرّر الوطني، ليؤسّس مخاضاً تبدو البدائل فيه غير واضحة تماماً.

الإسلاميون لم يقدّموا برنامجاً سياسياً ناجحاً، والمؤسّسات العسكرية العربية لا زالت غير قادرة على كبح جماحها السياسي وتحديد دورها داخل هذه الدولة الجديدة التي تتشكّل تحت تأثيرات الدول الكبرى و الشركات المتعدّدة الجنسية.

رغم هذا لازالت القضية الفلسطينية قضية رأي عام عربي تتوحّد حولها المعارضات والموالاة، ورغم البروبغندا التي تروّج لها دول الحلف الإسرائيلي الأميركي الجديد لا زال منسوب التعاطف مع القضية العربية الأولى واضحاً وقوياً.

بين هؤلاء وهؤلاء لا ينبغي أن تكون حركة  أداة في يد النخب الحاكمة أو طرفاً في الصراعات الوطنية. انحياز المقاومين لطرف من دون الآخر يهدّد في الحقيقة طبيعة الصراع مع إسرائيل، وقضايا المقاومة لا زالت تحتل لدى القوميين واليساريين والإسلاميين إحدى أهم المشتركات في زمن الإختلافات.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً