محمد عبد الرحمن عريف

كاتب وباحث في تاريخ العلاقات الدولية والسياسة الخارجية

السنغال بين ذكرى رحيل فرنسي.. وطموح تركي في الغرب الأفريقي

رحل المحتل الفرنسي وعاد كـ"مستثمر"، ففي 2015، بلغت القيمة الإجمالية للتجارة بين السنغال وفرنسا 853 مليون يورو. وتعتبر السنغال سابع أكبر شريك تجاري عالمي لفرنسا وثالث أكبر شريك تجاري لها في أفريقيا. وأكبر مستثمر أجنبي في السنغال بإجمالي استثمارات يبلغ 1.7 بليون يورو. وهناك عدد من الشركات الفرنسية متعدّدة الجنسيات العاملة في السنغال، الأمر الذي جعل البعض يشبّه السنغال بـ"فرنسا الصغيرة".

السنغال بين ذكرى رحيل فرنسي.. وطموح تركي في الغرب الأفريقي
السنغال بين ذكرى رحيل فرنسي.. وطموح تركي في الغرب الأفريقي

نعم هي القوّة الاقتصادية السنغالية صاحبة المرتبة الثانية في الغرب الأفريقي والثالثة ضمن دول المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (C-E-D-E-A-O) 2017. وفي مستوى قياس المخاطر الائتمانية تأتي في المرتبة الأولى لدول الغرب الأفريقي، وضمن عشر دول أفريقية الأكثر استقراراً في مستوى التنافس الاستثماري حسب تقرير دافوس 2013، ومن ضمن الدول الـ27 الأكثر تحسّناً في مستوى النشاط الاستثماري للعشر السنوات الأخيرة حسب إحصاء مؤسّسة قياس أنشطة الأعمال التجارية العالمية، وواحدة من ضمن الدول الأربع لأفريقيا جنوب الصحراء التي تدخل في المعيار الخاص لنشر البيانات للبنك الدولي.
لذلك تنافست عليها مختلف القوى الأوروبية (البرتغال وهولندا وبريطانيا) للتجارة في المنطقة من القرن 15 فصاعداً. وصولاً لعام 1677، حيث استحوذت فرنسا على السيطرة على ما أصبح نقطة انطلاق صغيرة في تجارة الرقيق الأطلسي "جزيرة جوريه" -بجوار داكار الحديثة-، لتستخدم كقاعدة لشراء العبيد من الممالك المُتحارِبة. وفي الخمسينات من القرن التاسع عشر فقط بدأ الفرنسيون في التوسّع في البر الرئيسي السنغالي، قادت المقاومة السنغالية التوسّع الفرنسي، ما أدّى إلى السعي نحو الاستقلال التام 1960، وانضمّت للأمم المتحدة في ذات العام.
رحل المحتل الفرنسي وعاد كـ"مستثمر"، ففي 2015، بلغت القيمة الإجمالية للتجارة بين السنغال وفرنسا 853 مليون يورو. وتعتبر السنغال سابع أكبر شريك تجاري عالمي لفرنسا وثالث أكبر شريك تجاري لها في أفريقيا. وأكبر مستثمر أجنبي في السنغال بإجمالي استثمارات يبلغ 1.7 بليون يورو. وهناك عدد من الشركات الفرنسية متعدّدة الجنسيات العاملة في السنغال، الأمر الذي جعل البعض يشبّه السنغال بـ"فرنسا الصغيرة".
ليست فرنسا وحدها، فظهر الحضور التركي الواضح هناك، فلا يمكن وصف الجولات التركية في عموم الغرب الأفريقي، بالرمزيّةٌّ أو العفويّةٌ، فالمُلاحَظ أن السياسة الخارجية التركية تجاه أفريقيا تُنفَّذ وفق خطةٍ واضحة المعالم، ومبنيةٍ على رؤيةٍ واضحةٍ وفَّرت لها تركيا كل الوسائل، وراهنت عليها الكثير من أجل إنجاحها. فتضاعفت السفارات التركية في أفريقيا لتصل إلى 41 سفارة في ربوع القارة، كما قفز مستوى تبادلها التجاري مع أفريقيا إلى رقم قياسي يزيد على 20 مليار دولار، فيما وجدت الشركات التركية نشاطاتٍ واسعةً في عدّة دول في القارة، ويمثل معدّل أرباح الشركات التركية في أفريقيا عامة ما يقرب من 21% من جملة الاستثمارات التركية في الخارج.
إسطنبول سبق أن استضافت المؤتمر الوزاري الثاني بشأن التعاون بين تركيا وأفريقيا العام الماضي؛ حيث نظّم المؤتمر الاتحاد الأفريقي ووزارة الخارجية التركية بهدف عقد قمّة الشراكة الثالثة بين تركيا والاتحاد الأفريقي في 2019، كما أن هناك جولات في غرب أفريقيا بعد المنتدى الاقتصادي الأول الذي جمع بين تركيا والجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس)، وانعقد في إسطنبول.
الواقع أن السنغال "تمتلك الأرضية اللازمة التي تجعل منها مركزاً للعلاقات الاقتصادية التي سيجريها رجال الأعمال الأتراك في غربي أفريقيا وشمالها". هكذا صرّح رئيس مجلس الأعمال التركي السنغالي، التابع لمجلس الاقتصاد والعلاقات الخارجية التركية (DEİK). وعليه فالتركيز التركي على السنغال كبوابةٍ لتوسيع نفوذها الاستثماري والاقتصادي في الغرب الأفريقي يرجع إلى جملة مبرّرات رئيسة.
لقد شكَّلت القناعة التركية للمُراهنة على هذه العلاقة لتحقيق طموحاتها في منطقة الغرب الأفريقي ومنها الموقع الاستراتيجي للسنغال، البوابةٌ المتميّزة في عمق الغرب الأفريقي؛ ما سهَّل العلاقات التجارية، والوصول إلى الأسواق الإقليمية والدولية، بالإضافة إلى كونها عضواً في مؤسّساتٍ إقليميةٍ ودوليةٍ تُسهل تكاملها الإقليمي والدولي. ويوفِّر ميناء دكار ظروفاً مثاليةً لوصول وبقاء السفن؛ حيث تستغرق السفن أقل من 6 أيام من أوروبا و7 أيام من أميركا عن طريق البحر، ما يعزِّز تحسين الأنشطة اللوجستية، وتحسين أرباح الجهات الفاعِلة الاقتصادية.
غفل البعض عن التنافس والتوغّل التركي هناك، حيث عديد الاجتماعات والتحضيرات التي تمّت بعد التوقيع على "اتفاقية التجارة والتعاون الاقتصادي والفني" بين البلدين منذ 1992، حيث انعقد الاجتماع الأول للجنة الاقتصادية المشتركة التي تمّ إنشاؤها بموجب الاتفاق المذكور في أنقرة 2006، والثاني في داكار 2017. وعقدت اللجنة المشتركة اجتماعها الرابع في دكار بحضور وزيري الداخلية التركي والسنغالي. كما تمّ التوقيع على بروتوكول التعاون في مجالات التجارة والصناعة والزراعة والأشغال العامة، ومن أجل رَصْد تنفيذ البروتوكول أعلنت وزارة الشؤون الخارجية السنغالية إنشاء لجنة رَصْد مختلطة بين البلدين في داكار.
لقد مهَّدت هذه الإجراءات الطريق للاستثمارات التركية في غرب أفريقيا، فبدأت الشركات التركية تداعُب الحكومات. ورغم كل المساعي التركية السالفة، ستبقى التحديات عائقاً أمام هذا الطموح نحو استعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية، خصوصاً وأنّ النخبة الحاكمة في أنقرة، ممَن يوصفون في الدوائر الغربية بـ"العثمانيين الجُدُد"، يتحرّكون خارجيّاً نحو بناء تركيا الدولة المركزية الجديدة. ومن ثمّ؛ فإنّ تلك التحديات ربما تضع صانِع القرار التركي لاتّخاذ استراتيجيات للحفاظ على المكاسب التي تحقّقت خلال العقدَيْن الماضيين في العلاقات التركية الأفريقية، والبناء على تلك المكاسب لتحقيق وإنجاز المزيد من تلك النجاحات التي تؤسّس لتركيا وسط نظامٍ عالميٍّ بات معقّداً، في ظلّ مناخٍ من الصراع التنافسيّ بين وحداته الدولية الكبرى والمتوسّطة، بل الصغرى كذلك.
في الوسط يبقى هناك وجود نفوذٍ رسميٍّ ومجتمعيٍّ لـ"جماعة فتح الله كولن"، المعارضة لأردوغان في بعض الدول الأفريقية، ويمكن أن يلقي بظلالٍ سلبيةٍ على العلاقات بين أنقرة وتلك الدول الأفريقية التي تنشط فيها مؤسّسات هذه الجماعة. كذلك فثمة تهديدات مُتنامية من قِبَل التنظيمات الإرهابية التي تتبع القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية في أفريقيا، فكريّاً أو تنظيميّاً، والتي ترفض الوجود التركي في القارة الأفريقية، حيث تبقى هذه التهديدات مُرشّحة لمزيدٍ من التصاعد.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً