قاسم عزالدين

كاتب لبناني وباحث في الشؤون الدولية والإقليمية

الجزائر بين وعي الجيش والشعب وانحطاط النخبة السياسية

الحراك يرفض بقاء الباءات الأربعة كما ترفضها الأحزاب والتيارات السياسية، وهي أسماء رؤساء الدولة والحكومة ومجلسي الدستوري والتشريعي. والتعويل في ذلك على أن يقوم الجيش بالضغط على الرؤساء لتقديم استقالاتهم وهو أمر بمتناول يده مع بعض العقبات، لكنه يرفض بدوره أن تتحمل المؤسسة العسكرية مسؤولية تنصيب القيادات السياسية في الدولة والحكومة للمرحلة الانتقالية.

من المظاهرات في الجزائر (أ ف ب)
من المظاهرات في الجزائر (أ ف ب)

يبدو الانتقال السلس في الجزائر عالقاً عند عقدة التقدّم من إنجاز المادة 102 من الدستور، إلى الدخول في تطبيق المادتين السابعة والثامنة المتعلقتين بمصدر الشعب للسلطة كما طلبت المؤسسة العسكرية. فالخطوة الأولى تم أنجازها تحت ضغط الشعب والجيش التي استجابت لها الرئاسة، لأنها خطوة إجرائية تجسدت بإعلان شغور منصب الرئاسة وانتقال صلاحياتها إلى رئيس مجلس النواب لفترة انتقالية لا تتعدى ثلاثة أشهر. لكن تطبيق المادتين التاليتين ليس إجرائياً فهما مسألة فلسفية مبدأيه يعوز تطبيقها التوافق السياسي بين الأحزاب والتيارات السياسية على اختيار شخصيات موثوقة لقيادة المرحلة الانتقالية في رئاسة الدولة والحكومة.

الحراك يرفض بقاء الباءات الأربعة كما ترفضها الأحزاب والتيارات السياسية، وهي أسماء رؤساء الدولة والحكومة ومجلسي الدستوري والتشريعي. والتعويل في ذلك على أن يقوم الجيش بالضغط على الرؤساء لتقديم استقالاتهم وهو أمر بمتناول يده مع بعض العقبات، لكنه يرفض بدوره أن تتحمل المؤسسة العسكرية مسؤولية تنصيب القيادات السياسية في الدولة والحكومة للمرحلة الانتقالية. ولعله يتمهّل بعض الشيء لكشف خواء الأحزاب والتيارات السياسية التي فقدت ثقة الشعب، في عجزها عن تحمّل مسؤولية التوافق فيما بينها على أسماء شخصيات وعلى حلول عملية ملائمة والطلب بعدها من المؤسسة العسكرية مواكبة الاجماع الوطني والمصلحة العليا.

لا نقاش في الجزائر وخارجها على أن الجيش الجزائري مؤسسة عسكرية وطنية. وهي الدرع الحصين للدولة تحرص على القيام بدورها على خير ما يرام في التصدي لأطماع الدول الغربية والإقليمية التي تهدّد الجزائر بتمدد التدخلات إليها من مواقع تلك الدول في ليبيا ومالي. وفي هذا الأمر تتمايز المؤسسة العسكرية الجزائرية عن مؤسسة الجيش في السودان مثلاً، التي يعوّل كبار ضباطها على "أفريكوم" وعلى الاتحاد الأوروبي والسعودية والامارات في نجاح الانقلاب. وتتمايز أيضاً رئاسة عبد العزيز بوتفليقة عن رئاسة عمر البشير، بأن الجزائر تعاني من البطالة والفساد ومن البيروقراطية الإدارية في نهب المال العام. لكنها لا تعاني من الجوع كالسودان على الرغم من وفرة المياه وخصوبة أراضيه التي باعها البشير بحفنة من الدولارات للدول الطامعة بثروات السودان. ولم يفتت بوتفليقة ولايات الجزائر بحروب دموية مصيرية، ولا تعاني الجزائر من التبعية السياسية للدول الغربية في القضايا الإقليمية والدولية، التي تستأجر الجيش السوداني لمؤازرة حرب الإبادة ضد الشعب اليمني.

لكن المؤسسة العسكرية الجزائرية طالها من الأحزاب والتيارات السياسية الجزائرية ما طال الشعب والدولة من غربة الأحزاب والنخبة عن الشعب ودولته، تحت تأثير الوصفات الفكرية الغربية السائدة بشأن السلطة والدولة والعسكر وما يسمى الانتقال إلى النظام الديمقراطي. فالنخبة السياسية المعارضة في الجزائر وفي البلاد العربية عامة أوقعت نفسها تحت هذا التأثير، أسيرة حرب مفتعلة بين المعتقدات الإسلامية والمعتقدات العلمانية خلافاً لإرث مجاهدي الجزائر وحركات التحرر من أجل الاستقلال. وفي هذا السياق تتسابق التيارات والنخبة السياسية على ندب حظها بتخلف الشعب عن تقديم الطاعة والولاء لنخبة افتراضية. بينما تتبنّى بمعظمها تفكيك دور الدولة الراعية المؤدية للاستبداد بحسب مقولة ما بعد الحداثة الغربية، وتعرِض عن دور الدولة القومي في التصدي لحل قضايا المحيط الإقليمي على نقيض إرث المجاهدين الجزائريين في الدفاع عن فلسطين والتحرر العربي والافريقي والطموح لتوحيد المغرب العربي.

في إطار التحريض لتهشيم ركائز الدولة الوطنية، تتلقى المؤسسة العسكرية الجزائرية نصيباً باتهامها أنها سند سلطة الاستبداد في الفترة السابقة. في حين أن المؤسسة تدخلت بناء على مطلب مظاهرات مليونية لدعم عبد العزيز بوتفليقة وتحقيق المصالحة بعد سنوات الجمر. وبينما يهتف الحراك الجزائري "الجيش والشعب خاوة خاوة"، يشكك بعض النخبة السياسية بالمؤسسة العسكرية لدرجة أن مؤسس التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية سعيد سعدي يدعو في رسالة للمؤسسة إلى رحيل الفريق أحمد قايد صالح مع "أقطاب النظام الاستبدادي".

ربما تتعمد المؤسسة العسكرية النأي بنفسها في الوقت الراهن عن الضغط والتدخل لعزل الباءات الأربعة، لمزيد من عزل التيارات والنخبة السياسية التي فقدت ثقة الشعب والحراك. وفقدت ثقة الجيش في عجزها عن الارتقاء إلى وعي الشعب والجيش لتغليب المصلحة العليا الراهنة على المصالح الحزبية الضيقة. ففي لحظة عزلها والاستغناء عن خدماتها في اعتماد الشعب على وعيه، تطمح الأحزاب والتيارات إلى النفوذ في السلطة والمحاصصة في الحكومة، وفق ما يجري تداوله سواء في اجتماعات اللقاء التشاوري بين الأحزاب، أم في لقاءات "فعاليات قوى التغيير" والأحزاب. ولا ريب أن المؤسسة العسكرية تواكب وعي الشعب للتوافق على قيادة موثوقة يؤيدها الحراك مثل الاستفتاء على شخصيات المرحلة الانتقالية.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً