محمد علوش

معد ومقدم برامج سياسية في قناة الميادين.

أبعد من العزوف عن الانتخابات في طرابلس

هذا التدّني في نسبة الاقتراع شيء يُبنى عليه. ونرجو أن يتمدَّد إلى جميع مدن وقرى لبنان في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، لخلق وعي عام كي يصبح للمواطن البسيط دور في رَسْمِ ووضع السياسات العامة للبلد الذي يعيش فيه. وحتى ذلك الحين نرجو أن يبقى هناك بلد.

صورة خلال انتخابات طرابلس الفرعية / المصدر: صحيفة الأخبار - هيثم الموسوي
صورة خلال انتخابات طرابلس الفرعية / المصدر: صحيفة الأخبار - هيثم الموسوي

الانتخابات الفرعية التي جرت في مدينة طرابلس كشفت عن مستوى عالٍ من القلق المجتمعي في مدينة هي الأشدّ فقراً والأكثر كثافة بين المدن اللبنانية. العزوف عن المشاركة في الانتخابات أفقَدَ الثقة لحدٍ ما بالطبقة السياسية النافِذة في المدينة وأسقطَ معها كلّ الخطاب التَعبَوي ومعه السرديات النمطية التي تكرَّر استعمالها عند الاستحقاقات الانتخابية.

ذهب أدراج الرياح ذاك الحشد الذي جمع على مدار شهرٍ كاملٍ أحزاب السلطة وتكتّلاتها وشبكاتها، إلى جانب تيار المستقبل الذي لم ينقطع حجّ قيادته إلى طرابلس مختوماً بزيارة الرئيس سعد الحريري بطوَّافة عسكرية تجنّباً للزِحام الذي يُكابده يومياً لساعاتٍ طوال أهل الشمال المتّجهين من وإلى بيروت.

هذا التحالف الواسع الذي لم يترك جمعية أهلية أو مؤسّسة روحية أو حزب مجهري إلاّ وضمّه إلى التحشيد العريض، لم يتمكَّن من رَفْعِ عدد المصوّتين في الانتخابات الفرعية أكثر من 11% في معركة وهمية أصلاً، ونتائجها مضمونة من دون جهدٍ مطلوب.

هذه الحصيلة المحسومة سلفاً، ليست نِتاج شعبية للتيار الرئيسي في أحزاب السلطة بقدر ما تعكس منظومة مُتشابِكة من النفعية والمحسوبية وحماية الامتيازات وإذكاء طموح الباحثين عن دورٍ أكبر لهم في المشهدين الاجتماعي والسياسي ممَّن يُعرَفون بقبضايات الأحياء والأزقَّة والشوارع.

ولا يغرّنك قول قائلٍ إن الشريحة الأكبر من المقترعين هم ممّن لبّوا نداء الوطن، ومارسوا حقّهم الديمقراطي عن قناعةٍ وحريةٍ تامة. لا ننكر إمكانية وجود بعض هؤلاء بين المقترعين لكن المؤكَّد أن نسبتهم لا تشكِّل فارِقاً يُذكَر ضمن منظومة المصالح والمحسوبيات.

وقد كان صادِقاً فعلاً أحد كبار القوم حين أشار إلى "البلوكات الانتخابية" التي تنتظر "الصفَّارة لتتحرّك"، إلاّ أنه أخطأ، وعن عَمْد، حين حصرَ المشهد في بيئة خصومه، مُفتقِداً شجاعة القول: إنها ظاهرة عامة في كل لبنان.

في الحقيقة "البلوكات الانتخابية" لا تنطبق على شريحةٍ اجتماعيةٍ أو مناطقيةٍ أو طائفيةٍ محدَّدة. هي واقع يصنعه دوماً منطق السلطة القائم على حَشْدِ الاتباع وتقديم الامتيازات ونَثْرِ الوعود وتخويف من فُقدان الهوية ، وتحذير من خطرٍ غير موجود أو مُضخَّم بشكلٍ مَرَضي عند كل استحقاق أو تهديد يطال مصالح "الزعيم". هذا النمط من العمل السياسي المكرَّس منذ التسعينات، خلقَ بيئةً موبوءة بالفساد والمحسوبيات والنَهْب المنظَّم، والاستغلال للمشاعر الدينية والتحكّم بأمزجة الناس وتشكيل وعيهم السياسي والاجتماعي بالشعارات والكليشيهات التي لا تصنع وطناً وإنما تصنع فرداً طائفياً حاقِداً.

وددّتُ شخصياً أن تكون نسبة الاقتراع في حدود 5% أو ما دونها. فعند تلك النِّسب تكون طرابلس لفظت القوى السياسية ولم تستثنِ أحداً. لكن للأسف لا زالت نسبه الاقتراع أعلى مما ينبغي أن تكون عليه لإحداثِ تغييرٍ شاملٍ. والنِّسبة، وإن كانت الأدنى منذ التسعينات في أيَّة انتخابات جرت، تظلّ مؤشّراً على تحصّن منظومة المصالح في ظلّ وجود بيئةٍ قادرةٍ فيها على التحرّك والسيطرة، وخاصة أن مَن ذهب للاقتراع هو شخص مُحزَّب أو مرتبط بشكلٍ ما بهذه المنظومة في الأساس.

ورغم ذلك يصحّ القول: العزوف عن الانتخابات في مدينة طرابلس شكَّل صفعةً حقيقيةً، لا يُغسَل عارُها للجمع التحالفي الانتخابي الذي خاضها. وهو يؤكِّد أن مساحة التملمُل والقَرَف السياسي من الخطاب أولاً، ومن السلوك ثانياً، أصبح سِمة عامة عند المواطن، أيّاً كانت درجة اهتمامه بالشأن العام.

الغضب الشعبي من الطبقة السياسية قد بلغ حدّاً حَرِجاً. وأسهل الطُرُق في التعبير عن الاستياء والاعتراض هو العزوف عن المشاركة. ومنه يبدأ التغيير حيث يُعاد تشكيل المجتمع بطريقةٍ أكثر فاعلية في التأثير وإنتاج قيادات سياسية غير تلك السائِدة حالياً.

كل ذلك لا يتمّ من دون الوعي العامّ. ذاك الوعي الاجتماعي المتراكِم، الذي يقدر على عبور الطوائف والمناطق، هو الوحيد الكفيل بخروج اللبنانيين من الدائرة المغلَقة وتخليصهم وبشكلٍ ناجزٍ من السلاسل التي تربطهم بمنظومة السلطة الحاكِمة، لأنه بالوعي المتراكِم يستطيع اللبنانيون الوصول إلى قناعةٍ شديدة البساطة والوضوح. وهو أن مصلحة الفرد الخاصة هي جزء لا يتجزَّأ من المصلحة العامة للمجتمع. ومن دون تقديم المصلحة العامة للمجتمع على المصلحة الفردية الخاصة المضادَّة لها، فإننا عملياً نقضي على مستقبلنا.

والمصلحة الفردية، على أية حال، تبقى مصلحة محدودة وآنيّة وقاصِرة، وتُقيِّد صاحبها، وتحكم ربطه بالجهة السياسية التي خدمته حتى يصبح مرهوناً لخياراتها السياسية مهما كانت ضارَّة وظالمة. ومعها يفقد كامل حريته في التعبير وفي ممارسه حقّه، وتنقله إلى مستوى جديدٍ من العبودية غير المنظورة، فتستمر باستثماره لصالح مشاريعها التي بالتأكيد لا تصبّ في صالح الخير العام بقدر انصبابها في جيوب حيتان المال وأصحاب الأجندات الخفيّة.

هذا التدّني في نسبة الاقتراع شيء يُبنى عليه. ونرجو أن يتمدَّد إلى جميع مدن وقرى لبنان في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، لخلق وعي عام كي يصبح للمواطن البسيط دور في رَسْمِ ووضع السياسات العامة للبلد الذي يعيش فيه. وحتى ذلك الحين نرجو أن يبقى هناك بلد.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً