علي أبو الخير

كاتب مصري.

الخيارات الإيرانية في الرد على العقوبات الأميركية المتواصلة

لقد جاء الرد الإيراني سريعاً ومباشراً، فقد صنّف "المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني"، في نفس يوم صدور القرار الأميركي، القوات المسلّحة الأميركية كمنظّمةٍ إرهابية، وهي خطوة محسوبة من قبل، هذا فضلاً عن تصريحات القادة الإيرانيين، من أول المرشد الإمام الخامنئي، وحتى أصغر جندي في الحرس الثوري.

الخيارات الإيرانية في الرد على العقوبات الأميركية المتواصلة
الخيارات الإيرانية في الرد على العقوبات الأميركية المتواصلة

لم يُفاجأ أحد بالقرار الذي اتخذته الولايات المتحدة الأميركية، يوم 8 آذار|إبريل 2019 بتصنيف "الحرس الثوري" الإيراني كمنظمةٍ إرهابية، لا توجد مفاجأة، سواء لإيران أو للقوى الإقليمية والدولية أو للشعوب، ولن تكون الخطوة الأميركية الأخيرة، لأن ذلك القرار يتّسق مع ما أعلنه الرئيس "دونالد ترامب"، منذ وصوله إلى البيت الأبيض في 20 كانون الثاني|يناير2017، فقد انسحب منفرداً من الاتفاق النووي في 8 أيار|مايو 2018، كما فرض عقوبات أميركية على إيران عبر مرحلتين، الأولى في 7 آب|أغسطس 2018 والثانية في 5 تشرين الثاني|نوفمبر من نفس العام، ثم جاء القرار الأخير قبل شهر واحد بالضبط من حلول الذكرى الأولى لقرار الرئيس ترامب بالانسحاب من الاتفاق النووي، وقبل أسابيع من انتهاء مهلة الأشهر الستة في 5 أيار|مايو 2019، وهي المهلة التي منحتها الإدارة الأميركية لدول مستوردة للنفط الإيراني من أجل التوقّف عن شرائه، والبحث عن مصدرين آخرين.
إدارة ترامب إذن تحاول من خلال ذلك كَسْر الجهود التي بذلتها الدول الأوروبية لتحييد آثار الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي، وذلك بعد أن تبنّت الأخيرة ما يُسمّى بـ"آلية الأغراض الخاصة" التي تقوم على نظام المقاصّة في التعاملات التجارية مع إيران لتجنّب إجراء معاملات بالدولار وتشجيع إيران على الالتزام بتعهداتها في الاتفاق النووي، كما أن "ترامب" أعطى قبلة النجاح للصهيوني "بنيامين نتينياهو" للفوز برئاسة الوزارة الإسرائيلية للمرة الخامسة، فترامب يعتقد أن توقيت قرار اعتبار"الحرس الثوري" منظمة إرهابية، ضرب عدّة عصافير بحجر واحد، وفي النهاية كل هذا يتّفق مع خدمة المشروع الصهيوني|الاستعماري|السعودي الإماراتي، فتلك الدول الخليجية، أول مَن فرحت بالقرار الأميركي الأخير، وهي مَن أدرجت من قبل "حزب الله" و"حركة حماس" كمنظّمتين إرهابيتين، وهي الدول التي يعتمد عليها ترامب في تمويل اقتصاده وإدارة حصاره على الجمهورية الإسلامية، هذا على المستوى الأميركي، وهو ما يعرفه الجميع، فماذا عن الخيارات الإيرانية تجاه تلك الضغوط التي لا تنتهي إلا لتبدأ.
لقد جاء الرد الإيراني سريعاً ومباشراً، فقد صنّف "المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني"، في نفس يوم صدور القرار الأميركي، القوات المسلّحة الأميركية كمنظّمةٍ إرهابية، وهي خطوة محسوبة من قبل، هذا فضلاً عن تصريحات القادة الإيرانيين، من أول المرشد الإمام الخامنئي، وحتى أصغر جندي في الحرس الثوري.
عندما نكتب حول الخيارات الإيرانية ضد العقوبات الأميركية المتّصلة، لابد من الإشارة إلى أن الجمهورية الإسلامية والشعب الإيراني تعوّدا على الحصار المفروض عليهما منذ نجاح الثورة عام 1979، أي منذ أربعين عاماً، فقد خاضت إيران حرباً ضارية شنّها "صدّام حسين" (1980 – 1988) بدعمٍ كامل من أميركا – الاتحاد السوفياتي السابق – الدول الأوروبية – دول الخليج بالمال السخّي، أي أن إيران حاربت العالم بأسره، وأثناء تلك الحرب الضروس، ساعدت إيران المقاومة في لبنان وفلسطين، ولكنها خرجت من الحرب غير مُدينة لأحد ولو بدولار واحد، هذا في الوقت الذي خرج فيه "صدّام حسين" مديناً بمليارات الدولارات، وكان أحد الأسباب التي دفعته لغزو واحتلال الكويت عام 1990 ، وخلال الأربعين عاماً تمكّن الإيرانيون من الاكتفاء الذاتي في كثير من المحاصيل خاصة القمح، ولم تحاول أو حتى تفكّر في الحصول على قرضٍ من "البنك الدولي" أو "صندوق النقد الدولي"، ولكنها وبمجهودها الشعبي الذاتي تمكّنت من الصناعات العسكرية بمواد خام أكثرها محلية، ولم يمنعها كل هذا عن دعم المقاومة في لبنان وفلسطين والدفاع عن الدولة السورية، حتى انتصرت على قوى الإرهاب والشر في العالم، ويمكن القول إن إيران كانت من أسباب الانكماش الصهيوني جغرافياً، رغم أنه يتمدّد سياسياً في المنطقة العربية، فإسرائيل لم تعد تفكّر في التوسّع الجغرافي كعادتها، أو حسب رؤيتها "من النيل إلى الفرات"، وتحاول فقط أن تحافظ على حدودها الاستعمارية، وهذا كله بسبب المقاومة في غزّة ولبنان وسوريا وإيران، أي الدول التي ترفع شعار المقاومة هي مَن تمنع التوسّع الصهيوني الجغرافي.
ومن ثمّ يحاول "دونالد ترامب" في إفادة إسرائيل من التمزّق العربي، ثم الضغط على إيران، وهو ما لا يمكن تحقيقه، لأسبابٍ متعدّدة، منها أن الولايات المتحدة، لا يمكن لها أن تحارب إيران، ونلاحظ أن المسؤولين الأميركيين وأولهم وزير الخارجية الأميركي، "مايك بومبيو" حرصوا، عقب الإعلان عن قرار ترامب الأخير، على تأكيد أن التعامل مع "الحرس الثوري"، سيكون مثل التعامل مع "حزب الله" وحركتي "حماس والجهاد الإسلامي" الفلسطينيتين، وهو يعني أن واشنطن لا تسعى إلى الدخول في مواجهة عسكرية مع إيران، وكل ما تريده هو إجبار القيادة الإيرانية على الدخول في مفاوضات تفرض فيها أميركا شروطها، كما فعلته مع دولة "كوريا الشمالية"، ولكن هذا هو ما لن تقبله إيران من الأساس، كما أن الولايات المتحدة تدري أن الحرب ضد إيران، يعني وضع قواتها في العراق وأفغانستان والخليج تحت مرمى النيران الإيرانية، ولا تستطيع الولايات المتحدة تشكيل تحالف دولي للحرب ضد الجمهورية الإسلامية، على غرار ما فعلته ضد العراق، ولو حدثت حرب، فإن أميركا لن تخرج منها إلا بخسائر فادحة، وتجربة العراق لا يمكن تكرارها، فالدول المنافسة لأميركا لن تسمح به، وأميركا لن تذهب وحدها، أو مع دول خليجية، هي التي تحميها وتدافع عنها، والقيادة الإيرانية تدرك أنه قد انقضى ذاك الزمن الذي كانت فيه أميركا تأمر فتُطاع، صحيح قد تخرج بعض الشركات النفطية الأميركية والغربية نتيجة الضغط على إيران، لكنه سيكون فرصة متاحة لدخول الشركات الصينية والهندية والروسية الأسواق الإيرانية، هذا بالإضافة إلى أن أميركا لا يمكن لها التكهّن بردّ فعل الدولة العراقية شعباً وحكومة، في حال الحرب ضد الجمهورية الإسلامية، ولذلك فقد حرص ترامب مثلاً على استثناء العراق من التعامل مع إيران عند فرض الحظر على النفط الإيراني.
لقد دخل ترامب في مشاكل مع الجميع، مع الاتحاد الأوروبي، بسبب تكاليف تمويل حلف شمال الأطلسي "الناتو"، ومع تركيا رغم دورها التآمري المُشين في الحرب ضد الدولة السورية، وكذلك مع الكرد في سوريا بعد أن تخلّت عن جيشهم المهزوم، فضلاً عن مشاكلها مع روسيا والصين، وبالتالي لا طريق أمامها لحصار إيران سوى إسرائيل والسعودية ودولة الإمارات وباقي دول الخليج، من خلال تشكيل ما يُسمّى بحلف "الناتو" العربي الجديد، وهو حلف بائِس لا يمكنه خوض حرب نيابة عن إسرائيل وأميركا، ولكل هذا، تبقى كل الخيارات مُتاحة لإيران في التصدّي لقرارات ترامب، ويمكن لنا التنبّؤ بهزيمة أميركية جديدة في المنطقة، ولكنها ربما تكون الهزيمة الأخيرة لقوى الاستعمار العالمي الصهيوني.

 


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً