حسام الدين آلا

مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة في جنيف

التدابير القسرية الغربية: بين الذرائع الإنسانية والدوافع الحقيقية

التدابير الأميركية التي تسعى لتطبيق قوانين محلية متخذة من جانب واحد خارج إقليمها وتمد نطاق عقوباتها لتشمل أطرافاً ثالثة، هي تدابير منافية للقانون الدولي وتشكل انتهاكاً لسيادة الدول الأخرى ولميثاق الأمم المتحدة وللقواعد والمعايير الدولية، بما فيها إعلان مبادئ القانون الدولي المتعلقة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول وفقاً لميثاق الأمم المتحدة، وانتهاكاً للقوانين الناظمة لعلاقات التجارة الحرة بين الدول ذات السيادة. وتتقاطع الإستراتيجية الأميركية الجديدة ضد سوريا مع الحصار الذي تسعى الولايات المتحدة لفرضه على إيران وفنزويلا لحرمان الشعبين من عائدات بلادهما النفطية، وتشابه سيناريو الحصار الإقتصادي والمالي والتجاري المفروض على كوبا منذ ستين عاماً والذي يرقى لأعمال الإبادة الجماعية والجريمة الدولية.

باتت شعوب الدول التي تفرض عليها أميركا عقوبات الضحية الرئيسية للتدابير التي تفرضها الولايات المتحدة وحلفاءها الغربيين دونما اهتمام بمشروعيتها أو بتأثيراتها
باتت شعوب الدول التي تفرض عليها أميركا عقوبات الضحية الرئيسية للتدابير التي تفرضها الولايات المتحدة وحلفاءها الغربيين دونما اهتمام بمشروعيتها أو بتأثيراتها

مع تصاعد اللجوء إلى فرض العقوبات في العلاقات الدولية واتخاذها أشكالاً متعددة بعد انتهاء الحرب الباردة، تثير قضية الإجراءات القسرية، سواء الجماعية منها التي يتم فرضها بقرارات من مجلس الأمن أو التدابير الأحادية التي تفرضها دول أو تكتلات سياسية على دول أخرى، نقاشاً واسعاً حول أبعادها القانونية والأخلاقية وآثارها السلبية على تمتع مواطني البلدان المستهدفة بحقوق الإنسان. وقد اتفقت الآراء على أن وسائل الإكراه التي تستطيع الدول تطبيقها يمكن أن تكون مشروعة فقط إذا كانت منسجمة مع القانون الدولي وحازت على تفويض مسبق وصريح من مجلس الأمن، وعلى أن أية اجراءات أخرى خارج هذا الإطار هي تدابير غير مشروعة، بل ومحرمة.

وفيما يُنظر تقليدياً إلى التدابير العقابية المفروضة بقرارات من مجلس الأمن بوصفها تدابير قانونية، فإن تطبيقها في بعض الدول كشف آثارها السلبية المدمرة وانتهاكها لحقوق الإنسان، وخصوصاً لحقوق الفئات الأضعف كالأطفال والنساء وكبار السن والمعوقين، في البلدان المستهدفة.

العقوبات الدولية الشاملة على العراق، التي تسببت بمقتل مئات الآلاف من العراقيين نتيجة نقص الطعام وغياب الدواء ولامست مستوى الجريمة ضد الإنسانية التي يتوجب محاسبة المسؤولين عنها، أطلقت النقاش حول التناقض الأخلاقي بين "قانونية العقوبات" ونتائجها الإنسانية الكارثية، وأدت للتوافق على أن السلع الأساسية كالغذاء والدواء لا ينبغي أن تُستخدم كأدواتٍ للإكراه السياسي.

ورغم أزمة الضمير التي أثارتها العقوبات على العراق، والمطالبات الدولية، وهي مطالبات اختزلها قرار الجمعية العامة 39/210 الذي اعتبر فرض الجزاءات الاقتصادية ضد البلدان النامية أو التهديد بفرضها شكلاً من أشكال القسر السياسي والاقتصادي الذي يضر بالتنمية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية فيها، فقد استمرت الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي في اللجوء دون رادع إلى فرض التدابير القسرية الأحادية التي تخالف القانون الدولي بذرائع متعددة.

ومع ازدياد عدد التدابير التي تستهدف الدول النامية خلال السنوات الماضية، باتت شعوب تلك الدول الضحية الرئيسية لتدابير تفرضها الولايات المتحدة وحلفاءها الغربيين دونما اهتمام بمشروعيتها أو بتأثيراتها على تمتع مواطني الدول المستهدفة بحقوقهم الأساسية، لاسيما الحق في الحياة الكريمة والحق في التنمية، وذلك خلافاً للمزاعم التي تحاول تبرير فرض الإجراءات القسرية بالضغط لاحترام حقوق الإنسان.

ورغم محاولات الدول الغربية لإخفاء طبيعة تدابيرها القسرية وغاياتها الحقيقية، ووصفها تارة بالعقوبات المستهدفة وتارة بالعقوبات الذكية، فإن تلك الوصفات التجميلية لم تتمكن من إنكار عدم شرعيتها بموجب القانون الدولي ومن إخفاء أهدافها الحقيقية باعتبارها أداة رئيسية في افتعال أزمات إنسانية مصطنعة توفر الذرائع لدول الغرب الأميركي للتدخل في الدول المستهدفة تحت شعارات إنسانية زائفة ولخدمة سياسة تغيير الأنظمة التي تنتهجها الدول الغربية.

ومع التصاعد غير المسبوق في لجوء الولايات المتحدة في الأشهر الأخيرة لفرض إجراءات اقتصادية أحادية جديدة ضد كل من سوريا وروسيا الإتحادية وإيران وفنزويلا وكوبا، بات واضحاً أن الهدف هو فرض مفاهيمها المتعلقة بالتنمية والديمقراطية والحوكمة وحقوق الإنسان وإخضاع الشعوب المتمردة على الإرادة الأمريكية لحروب التركيع والتجويع والإنتقام.

تتعرض سوريا منذ العام 2011 لطائفة واسعة من التدابير العقابية فرضتها الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي، وزعمت بأن تدابيرها "الذكية" مصممة لحماية المدنيين ولا تشمل القطاعات الأساسية المتعلقة بالحياة اليومية للسوريين، وأنها تتضمن "استثناءات" تكفل الأهداف "الإنسانية" التي تتوخاها، لكن هذه المزاعم تناقضت مع آراء خبراء مستقلين أكدوا عدم صحتها.

ومن المؤسف أن بعض الدراسات المستقلة التي وضعت بهذا الشأن لم تر النور بسبب الضغوط التي مورست على الأمم المتحدة لمنع نشرها، ومنها دراسة رعتها عام 2016 اللجنة الإقتصادية والإجتماعية لغربي آسيا (ESCWA) والممثل المقيم للأمم المتحدة حملت عنوان الأثر "الإنساني للإجراءات الأحادية التقييدية المتعلقة بسوريا" وتم حجب إصدارها بشكل رسمي.

أما المقرر الخاص المعني بالتأثير السلبي للإجراءات القسرية الأحادية على التمتع بحقوق الإنسان إدريس الجزائري فقد أكد في تقرير قدمه إلى مجلس حقوق الإنسان في أيلول 2018 حول زيارته للجمهورية العربية السورية أن تدابير الحظر الأميركي والأوروبي أضرَّت بقدرة سوريا على شراء الأغذية في السوق الدولية وعلى سداد تكاليف الاستيراد بسبب القيود المالية، وأدت إلى عرقلة إمكانية شراء الأدوية والمعدات الطبية وقطع الغيار والبرمجيات الحاسوبية.

وأشار الجزائري إلى التأثيرات السلبية للجزاءات على المجالات الإقتصادية والمعيشية الحيوية، بما فيها على إنتاج الأدوية والمنتجات الصيدلانية وإلى الصعوبات التي تواجه استيراد الأدوية غير المنتجة محلياً، من قبيل أدوية علاج السرطان، نتيجة التدابير التي تستهدف القطاع المصرفي. كما تناول التدابير المفروضة على قطاع النقل التي تجعل من نقل بعض اللقاحات والأدوية الحساسة أمراً في غاية الصعوبة من حيث التوقيت ودرجة الحرارة المطلوبة للحفاظ عليها. وعرض لآثار الحظر على القطاع النفطي الذي انعكس سلباً على الأوضاع المعيشية وأدى إلى زيادة كبيرة في تكاليف وقود التدفئة ووقود توليد الطاقة وتحريك وسائل النقل، وإلى إنخفاض تدريجي للدعم الحكومي لقطاع الطاقة، وأدى بالتالي لتفاقم معاناة إنسانية واسعة وضعت السوريين في مواجهة صعوبات غير مبررة في التمتع بحقوقهم الأساسية نتيجةً لتراكم نظم مختلفة ومتداخلة من التدابير القسرية الإنفرادية.

ومع تأكيد المقرر الخاص عدم إمكانية تبرير التدابير المفروضة على المنتجات الغذائية والزراعية والأدوية والمواد ذات الإستعمال المزدوج المتعلقة بالمياه والصرف الصحي وبالخدمات العامة المتصلة بالكهرباء والنقل، التي تعيق بالمحصلة إعادة إعمار المدارس والمستشفيات وسائر المباني العامة وإعادة الخدمات الأساسية للسكان، وعدم فعالية الإستثناءات الإنسانية المزعومة، طالب برفع كافة التدابير التي تسفر عن أثر سلبي على التمتع بحقوق الإنسان لأبناء الشعب السوري.

وبعد انتصار سوريا على الإرهاب واستعادة سلطة الدولة على معظم الأراضي السورية، انتقلت الولايات المتحدة مؤخراً من حرب الإرهاب التي قادتها ضد الدولة السورية إلى ممارسة الإرهاب الإقتصادي بهدف عرقلة إعادة الإعمار ومنع عودة المهجرين إلى ديارهم، وبالنتيجة عرقلة الحل السياسي للأزمة في سوريا.

ومع قيام مسؤولين كبار في الإدارة الأميركية بزيارات إلى عدد من دول المنطقة والضغط على حكومات تلك الدول لإلزامها بتطبيق الحصار الاقتصادي الذي تريد الولايات المتحدة فرضه خارج حدودها الإقليمية، انتقلت إدارة ترامب من مرحلة فرض الإجراءات الإقتصادية الأحادية على قطاعات حيوية أساسية ترتبط بالحياة اليومية للسوريين وسبل عيشهم إلى مرحلة ممارسة الحصار الإقتصادي عبر إحياء وتوسيع قوانين تتيح للإدارة الأميركية معاقبة كل من يتعامل مع الحكومة السورية اقتصادياً أو يقدم طائرات أو قطع تغيير لمؤسسة الطيران السورية أو يساهم في مشاريع البناء والإعمار أو يوفر الدعم لقطاع الطاقة أويتعامل مع المصرف المركزي السوري.

وغني عن القول أن هذه التدابير الأميركية التي تسعى لتطبيق قوانين محلية متخذة من جانب واحد خارج إقليمها وتمد نطاق عقوباتها لتشمل أطرافاً ثالثة، هي تدابير منافية للقانون الدولي وتشكل انتهاكاً لسيادة الدول الأخرى ولميثاق الأمم المتحدة وللقواعد والمعايير الدولية، بما فيها إعلان مبادئ القانون الدولي المتعلقة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول وفقاً لميثاق الأمم المتحدة، وانتهاكاً للقوانين الناظمة لعلاقات التجارة الحرة بين الدول ذات السيادة. وتتقاطع الإستراتيجية الأميركية الجديدة ضد سوريا مع الحصار الذي تسعى الولايات المتحدة لفرضه على إيران وفنزويلا لحرمان الشعبين من عائدات بلادهما النفطية، وتشابه سيناريو الحصار الإقتصادي والمالي والتجاري المفروض على كوبا منذ ستين عاماً والذي يرقى لأعمال الإبادة الجماعية والجريمة الدولية.

لقد أدانت الكثير من القرارات والمقررات الصادرة عن الجمعية العامة وعن مجلس حقوق الإنسان وعن مؤتمرات دولية، ومنها إعلان وبرنامج عمل فيينا اللذان اعتمدهما المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان عام 1993 وتضمنا دعوة الدول إلى الامتناع عن أي تدبير انفرادي من شأنه أن يوجِد عقبات أمام العلاقات التجارية بين الدول ويعرقل الإعمال التام لحقوق الإنسان المنصوص عليها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وصكوك حقوق الإنسان الدولية، لا سيما حق كل شخص في مستوى معيشي ملائم لصحته ورفاهه، بما في ذلك الغذاء والرعاية الطبية والسكن وما يلزم من الخدمات الاجتماعية.

ورغم هذه المواقف الدولية الواضحة، فإن إدارة ترامب، التي يهيمن أنصار الحروب المتطرفين والجهلة والمستهترين بالقانون الدولي على ناصية قرارها، مستمرة في تبني سياسات متهورة تثير نذر الحروب الباردة والساخنة في العالم وتثير مخاوف أصدقائها وحلفائها قبل خصومها وأعدائها، باستثناء حكومة نتنياهو التي باتت تقود السياسة الأميركية وتدفع العالم من خلالها إلى الهاوية. ومن المؤسف أن حركة عدم الإنحياز، التي قادت مبادرات نزع الشرعية عن العقوبات الجماعية والفردية غير الإنسانية في الأمم المتحدة، منشغلة اليوم بصراعاتها الداخلية التي دفعت بعض دولها الأعضاء لتبني وفرض التدابير نفسها التي لطالما أدانتها الحركة وعارضتها لعقود خلت، وعاجزة عن فرض محاسبة مروجي التدابير القسرية التي تتسبب بمقتل الآلاف وتحميلهم المسؤولية عن الإنتهاكات والجرائم التي ارتبطت بها.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً