نجاح عبدالله سليمان

كاتبة وإعلامية مصرية

موقع إقليم دارفور في ضوء المُتغيّرات السودانية الجديدة

السودان له سابقة مع المنظمات الإنسانية، فعقب صدور مذكرة توقيف البشير منذ 2009، تطوّرت الأوضاع، فالأمم المتحدة كانت تعتمد بشدّة على منظمات خارجية في نقل المساعدات في دارفور، حتى قيام السلطات السودانية بطرد 16 منظمة غير حكومية أصاب بالشلل نصف برنامجها الخاص بالمساعدات، وطردت السلطات السودانية عدداً من المنظمات الإنسانية يعمل فيها 6500 موظف مساعدات في دارفور، وصادرت السيارات وأجهزة الحاسوب والمعدّات الخاصة بها.

موقع إقليم دارفور في ضوء المُتغيّرات السودانية الجديدة
موقع إقليم دارفور في ضوء المُتغيّرات السودانية الجديدة

هو إقليم دارفور صاحب سِمة رئيسة ميّزته عن باقي أقاليم السودان الأخرى، منها النشأة المستقلة للسلطنة، بحيث يمكن القول إن تاريخ دارفور هو تاريخ الاستقلال والسيادة الوطنية، فنلاحظ أن سلطنة دارفور لم يتم ضمّها لبقية أنحاء السودان في العهد التركي إلا في عام 1874، أي أنها عاشت حوالى عشر سنوات في ظل ذلك الاحتلال وبعدها اندلعت الثورة المهدية التي ضربت فيها قبائل دارفور بسهم وافر. وظلت دارفور مستقلّة في عهد المهدية مع بقية أنحاء السودان لمدة 13عاماً .

تمرّ السنوات سريعة لتأتي انتفاضة (آذار/مارس– نيسان/أبريل 1985)، كانت الصراعات القبلية في دارفور قد وصلت إلى ذروتها وخاصة في الفترة (1986-1989)، ما أدّى إلى قيام مؤتمر الصلح القبلي بين الفور وبعض القبائل العربية في الفترة (15/4/1989– 8/7/1989). وتوصّل إلى توصيات وقرارات سليمة، وبعد 1989، عُقِدَت مؤتمرات صلح لو نُفّذ جزء من التوصيات والقرارات لما تدهور الوضع الأمني والسياسي والاجتماعي في دارفور وأدّى إلى بروز معارضة مسلحة انفجرت من جبل مرة.

تبع ذلك مُلتقى الفاشر في شباط/فبراير 2003، بعد انفجار الأحداث وتوصّل إلى توصيات وقرارات في مجملها سليمة مثل الإسراع بتكميل طريق الإنقاذ الغربي مع توفير تمويل أجنبي ومكوّن محلي له، وإنشاء مفوضية لتنمية ولايات دارفور، وكان مدخل المُلتقى سليماً في حل المشكلة سلمياً عن طريق التفاوض، ولكن الوضع تفاقم بعد محاولات الحل العسكري، ما أدّى إليه من خسائر في الأرواح والمعدّات ونزوح الآلاف من المواطنين داخل وخارج البلاد وحدث التدخّل الدولي.

السودان له سابقة مع المنظمات الإنسانية، فعقب صدور مذكرة توقيف البشير منذ 2009، تطوّرت الأوضاع، فالأمم المتحدة كانت تعتمد بشدّة على منظمات خارجية في نقل المساعدات في دارفور، حتى قيام السلطات السودانية بطرد 16منظمة غير حكومية أصاب بالشلل نصف برنامجها الخاص بالمساعدات، وطردت السلطات السودانية عدداً من المنظمات الإنسانية يعمل فيها 6500 موظف مساعدات في دارفور، وصادرت السيارات وأجهزة الحاسوب والمعدّات الخاصة بها. وتلك المنظمات إضافة لمنظمات أخرى يعتمد 4.7 ملايين نسمة من سكان دارفور على مساعداتهم في المأوى والغذاء والحماية من القتال. كما كانت أربع من المنظمات غير الحكومية تتولّى توزيع ثلث مساعدات برنامج الأغذية العالمي في دارفور التي تصل بانتظام إلى نحو 1.1 مليون نسمة في 130 موقعاً.

تطوّرت أوضاع الاقليم عقب أحداث السودان الأخيرة في نيسان/أبريل، وتم اقتحام حشد من الناس، بالقوّة، مقر بعثة الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة في دارفور (يوناميد) الرئيسي، وتمّ نهب الممتلكات ومعدّات القوات وتخريب المباني وتعريض حياة موظّفي وأفراد الأمم المتحدة للخطر الشديد. وواقع الأمر أن هذه الأعمال شكّلت انتهاكاً صارِخاً للمعايير الدولية، التي تحكم وجود قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في جميع أنحاء العالم؛ وإن أعربت المنظمة عن أسفها الشديد لهذه الأعمال التي تتعارض مع السلوك السلمي. وقالت في البيان، "ما يؤسَف له بشكلٍ خاص هو انضمام أفراد الجيش والشرطة السودانية الذين تم استدعاؤهم لمساعدة قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في تأمين المعسكر لأعمال النهب والتخريب هذه".

نعم دعا الممثل الخاص المشترك للبعثة السلطات المعنية إلى اتخاذ كافة الخطوات الممكنة لمحاسبة أفراد القوات النظامية، الذين زعم أنهم شاركوا في عمليات النهب. وأشادت اليوناميد بقائد وقوات الكتيبة الإثيوبية المسؤولة عن تأمين المعسكر لتصرّفهم السريع وتجنّب المواجهة مع العناصر النظامية التي انضمّت إلى النهب، فضلاً عن حماية موظّفي الأمم المتحدة. كما دعا الممثل الخاص المشترك حكومة السودان إلى تسهيل عملية التسليم.

الواقع على الأرض أنه لا تزال تطارد أبناء دار فور ذكريات اليوم الذي هاجم فيه مسلحون على الخيل والجِمال قريتهم و قتلوا عشرات السكان، حيث أطلق البشير العنان آنذاك لمليشيات "الجنجويد" التي اقتحم عناصرها قرى تقطنها أقليات عرقية في إطار سياسة الأرض المحروقة التي اتبعتها الخرطوم للقضاء على الدعم للمتمرّدين الذين حملوا السلاح ضد الحكومة السودانية عام 2003.

لقد شكّلت شخصيتان بارزتان في نظام البشير هما موسى هلال ومحمّد حمدان دقلو الملقب "حميدتي" ميليشيا "الجنجاويد" وقاداها، وفق منظمات حقوقية. وبينما يقبع هلال في السجن حالياً، إلا أن "حميدتي" تولّى منصب نائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي. وتتحرّك "قوات الدعم السريع" التابعة له بأوامر من الجيش السوداني بينما يشاهَد عناصرها مراراً في أنحاء العاصمة يحرسون المنشآت الأساسية. وإن ذكرت منظمة "هيومن رايتس ووتش" في 2015 أن "قوات الدعم السريع ارتكبت تجاوزات عديدة ورهيبة بما فيها الترحيل القسري لقرى بأكملها وهدم آبار الماء ومتاجر الأغذية وغيرها من المرافق الضرورية لاستمرار الحياة في بيئة صحراوية صعبة".

لسان حال سكان الإقليم يقول إن لديهم قناعة بأنه ليس البشير وحده ولكن كل مَن ارتكب جريمة يجب أن يواجه العدالة. فهم ينتظرون منذ 16 عاماً في هذه المخيمات إحقاق العدالة. وهذا ما حمله الآلاف من المُعتصمين أمام (مقر) القيادة العامة (للجيش) بألا يغادروا أماكنهم، فمؤخراً انضمّ متظاهرون سودانيون قدموا من إقليم دافور (غرب) إلى رَكْبِ المتجمعين أمام مقر قيادة الجيش وسط الخرطوم لمطالبة المجلس العسكري الانتقالي بتسليم السلطة لشخصيات مدنية استجابة لنداء "قوى إعلان الحرية والتغيير". على أن تتولّى قوى الحرية والتغيير تشكيل مجلس الوزراء ونسبة 67% من المجلس التشريعي، على أن تخصّص بقية النسبة للأحزاب غير المنضوية تحت التحالف، من بينها فصائل مسلحة في (جنوب كردفان والنيل الأزرق ودارفور).

يبقى هنا أنه مع تطوّر الأحداث في السودان ما بعد البشير.. نجد ضرورة لحل "قضية دارفور" في إطار قومي شامل وضرورة قيام مؤتمر جامِع تشترك فيه كل القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني، فهل يتم حل القضية عبر الحوار الجاد والوسائل السلمية بين الحكومة وأطراف النزاع؟. وهل سيؤدّي ذلك لوقف الحرب والاقتتال وتحقيق التنمية في الإقليم، ومعالجة جذور المشكلة؟. لننتظر القادم بين الخرطوم ودارفور.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً