ليلى نقولا

أستاذة العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية

نجاح الخضر في أوروبا: بيئة أو أهون الشرور السياسية؟

انتهت انتخابات البرلمان الأوروبي، بفرز جديد للقوى السياسية، وبواقع مختلف جعل أوروبا أكثر انقساماً من ذي قبل. وقد أتت نتائج البرلمان متوقّعة إلى حدٍ ما، بالرغم من التسويق الدعائي الذي ساد فترة ما قبل الانتخابات، حيث اعتقد كثيرون أن موجة التشاؤم من الاتحاد الأوروبي، ستدفع الأحزاب القومية الوطنية إلى الصدارة، ولكن الأبحاث الجدية كانت تشير إلى تبدّل في توجّهات الناخبين ولكن ليس إلى حد الإطاحة بالقوى الأوروبية التقليدية وهذا ما حصل بالفعل.

  • نجاح الخضر في أوروبا: بيئة أو أهون الشرور السياسية؟

أفرزت الانتخابات الأوروبية واقعاً جديداً وقوى جديدة في البرلمان الأوروبي، حيث حقّق الليبراليون مكاسب كبرى (ارتفع من 68 إلى 109)، بالإضافة إلى الخضر (ارتفع من 52 إلى 69) والجماعات القومية الشعبوية( من 41 إلى 54) واليمين المتطرّف (من 37 إلى 58)، التي زادت حصتها بشكل لافت، مقابل تراجع أعداد نواب الأحزاب اليسارية ويمين الوسط.

بالطبع، كان من المتوقّع بعد الأزمات التي عانى منها الاتحاد الأوروبي، خاصة أزمتي الهجرة والإرهاب، أن ترتفع أسهم أحزاب اليمين الأوروبي، الذي يدعو إلى سياسة جديدة للهجرة وإغلاق المجال الأوروبي أمام تدفّقات اللجوء خاصة من الشرق الأوسط وأفريقيا، ولكن المفاجأة كانت صعود أحزاب الخضر في العديد من البلدان خاصة ألمانيا.

لا شكّ أن فشل السياسات الأوروبية، وشعور المواطنين الأوروبيين بالحاجة إلى التغيير، قد يدفعهم بشكل أكبر نحو اليمين، ولكن الخوف من النزعات اليمينية وتاريخها الذي ما زال ماثلاً أمام الأجيال الأوروبية، التي عانت الأمرّين من التطرّف القومي، يجعل من صعود اليمين بطيئاً نوعاً ما.

على سبيل المثال، استثمرت ألمانيا الكثير من الجهد والتربية في المدراس والمجتمع لاجتثاث جذور التعصّب القومي واجتثاث الفكر النازي، وجعلت من هذا الفكر شيئاً مخيفاً، تسبّب بحروب عالمية وكلّف الألمان وأوروبا الكثير من المآسي والحروب والكوارث الاقتصادية. واليوم، وبعد فشل الأحزاب التي حكمت لعقود على أنقاض الفكر اليميني والقومي، يجد المواطن الأوروبي بشكل عام، والألماني بشكل خاص، نفسه أمام معضلة كبرى مفادها: عدم قدرته على تجديد الثقة لهذه الأحزاب التي يرى أنها أخطأت في ملفات الهجرة والاقتصاد وغيرها، وعدم قدرته على الذهاب إلى اليمين المتطرّف الذي قد يدفعه إلى سياسات تكرّر مآسي القرن العشرين الدموية، لذا فهو يختار أهون الشرور ويذهب إلى خيارات بديلة، هي الخضر أو الليبراليين.

وهكذا، صوّت الأوروبيون للخضر كخيار بديل، باستثناء بعض الدول، منها السويد على سبيل المثال لا الحصر، حيث يحمّل المواطنون أحزاب الخضر مسؤولية ارتفاع أسعار الوقود بسبب الضرائب التي فرضتها تلك الأحزاب البيئية ضمن أجندة الحكومة الائتلافية التي دخلوا فيها بعد تراجع قدرة الحزب الديمقراطي الاشتراكي على تشكيل حكومة أغلبية بعد انتخابات أيلول 2018.

في المُحصّلة، قد تكون التوعية البيئية والتخويف من الانحباس الحراري وتغيّر المناخ قد دفع بعض الأوروبيين للتصويت لتلك الأحزاب، لكن بشكل عام، يظهر من خلال مراقبة نتائج انتخابات البرلمان الأوروبي، أن التصويت للخضر لم يكن بيئياً بقدر ما هو خيار انتخابي يعتبر "أهون الشرور"، والدليل ارتفاع حصة الليبراليين أيضاً كخيار بديل مؤيّد لأوروبا أيضاً.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً