رفعت سيد أحمد

كاتب ومفكر قومى من مصر. رئيس مركز يافا للدراسات والأبحاث القاهرة. دكتوراه فى فلسفة العلوم السياسية من جامعة القاهرة – 1987. صدر له ثلاثون مؤلفاً وموسوعة عن الإسلام السياسى والصراع العربى الصهيونى

أول مَن يقاوِم .. وآخر مَن ينكسِر

وفي واقعنا المُعاصِر صارت المقاومة للمشروع الأميركي الصهيوني المُعتدي على أمّتنا ، فَرْضَ عين على كل مَن يقدر ، وفي المكان الذي يستطيع سواء في مصر أو سوريا  التي أبتليت بالإرهاب الداعشي المُعوّم خليجياً وأميركياً أو في فلسطين التي هي مركز المقاومة العربي المعاصر بإطلاق أو في لبنان أو غيرهما.

السؤال اليوم للنخبة التي تتصدّى بالفكر وبالكلمة لخيار المقاومة هل تستطيع أن تقود مشروعاً جديداً للمقاومة السياسية؟
السؤال اليوم للنخبة التي تتصدّى بالفكر وبالكلمة لخيار المقاومة هل تستطيع أن تقود مشروعاً جديداً للمقاومة السياسية؟

لا يزال بعض مُثقفينا من العرب يخلطون بين الإرهاب والمقاومة، ويتعمّدون تشويه كل عملٍ مقاوِم، والتقليل من شأنه، بحُكم أن نفراً منهم  لايزال مُلتحقاً بأنظمة حُكم تابعة ورهينة لواشنطن وتل أبيب ،هؤلاء يتعمّدون الإساءة للمقاومة العربية في لبنان وفلسطين تحديداً ويصرِّون على نعتها بالإرهاب، ويكرّرون كل حين ذات الأسطونة القديمة المشروخة ، بأنها-أيّ المقاومة- تتعمّد توريط بلادها في معارك  وحروب لحساب أطراف إقليمية ، ويشيرون دائماً إلى  إيران من دون أن يكون هدفها هو الوطن ذاته ، هكذا كرّرهؤلاء ومن شابَههم  من مُثقّفي السلطة والنفط ، أقاويلهم ولا يزالون ، وإبتداء نودّ التأكيد أن هكذا مُثقّفين لا يجوز عقلاً وواقعاً أن نطلق عليهم لفظ (مُثقّف ) ، لأن الأخير  لا بدّ وأن يكون مقاوِماً ورافِضاً للظلم وللتبعية والفساد ، وإلا لما استحق أن تُطلَق عليه صفة المُثقّف ، ولعلّ في المقولة  الخالِدة الموحية للصديق الشهيد القائد الدكتور فتحي الشقاقي المؤسّس والأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين ،حين سُئِل أثناء مُناظرة معه  ما هو تعريفك للمُثقّف فقال تعريفاً بليغاً أظنه  الأنسب هنا ، قال (إن المُثقّف هو أول مَن يقاوِم ..وآخر مَن ينكسِر ) ، هذا هو المُثقف إذا أردنا أن نفهم  ما يجري حولنا وما يقوله البعض ضد  المقاومة العربية.

وإذا ما انتقلنا إلى تعريف صحيح للفارِق بين المقاومة والإرهاب وفي هذه الأجواء المُلتبسة، والتي يُثار فيها مُجدّداً موضوع " الإرهاب" وتتناقلته الأفواه والأقلام، كلٌ يحاول أن يُدلي بدلوه تعريفاً أو تنظيراً، ولعلّنا نتذكّر في هذا السياق ذات يوم في الألفية الأولى عندما جاء جورج بوش الإبن  ليصبّ الزيت على النار عندما قال قولته النازية الشهيرة موجّهاً تحذيره لقادة العالم أجمع "إما أن تكونوا معنا أو تكونوا مع الإرهاب"، ساعتها صار لفظ الإرهاب مَبعَث رهبة وفزع لعروشٍ وكراسي حُكم، كما لأقلامٍ وعقولٍ كانت دائماً ولا تزال تتماهى في علاقة "عشق" مع الصديق الأميركي الذي يقوده اليوم  رئيس آخر – ترامب - شبه مجنون وبلطجي في أدائه وعدوانه على أمّتنا.

فى هذا المناخ شديد الاختناق ، صار من المطلوب، أن تتداعى النخبة المُلتزمة وطنياً وإسلامياً ، لكي تضع هي بنفسها تعريفها المُحدَّد لكلمة  "الإرهاب " وأن تبذل قُصارى جهدها في بلورة وتحديد ماهية المفهوم بعيداً عن الإرهاب الأميركي الرسمي ، أو إرضاء لأصدقاء أميركا من حكّام الخليج ومَن شابَههم  ممّن أرادوا أن يسجنوا عقولنا في ركنٍ ضيّقٍ من منظورهم هم للمُصطلح ، لقد آن للنخبة العربية أفراداً وهيئات ولجاناً  أن تبادر بتقديم رؤيتها خالصة مخلصة مُفرّقة فيها بين المقاومة المشروعة ضد المحتل" نموذج فيتنام من قبل وفلسطين ولبنان من بعد  وبين الإرهاب ضد المدنيين العزَّل".

وفي هذا الإطار نودّ أن نقول: نحن بداية نعرّف الإرهاب بأنه ذلك " الفعل الهمجي غير المُنظّم الذي يستهدف تحقيق مصالح سياسية عبر استهداف مدنيين عزّل ، وأنه يندرج من حيث مُستخدميه من إرهابٍ فردي إلى إرهاب جماعة أو فئة أو حتى طبقة ، إلى إرهاب دولة بكاملها وأن توسّله لتحقيق أهدافه دائماً يكون عبر أساليب غير كريمة تقوم على التفزيع والغدر والعنف الأعمى ، وهو يؤدّي إلى حلقاتٍ متتاليةٍ من إرهابٍ مُضادٍ يستتبعه إرهاب جديد وهكذا.

أما المقاومة، أو ما يحلو للبعض تسميته بالإرهاب الإيجابي قياساً على الإرهاب السلبي سالِف الذِكر ، فهي مشروع استنهاض ومواجهة للظلم بجميع أشكاله وللاستبداد بجميع أنواعه الفردية أو الطائفية أو الحكومية، والمقاومة عادة تتوسّل الأساليب النضالية الكريمة لتحقيق أهدافها ، وهي حين تنطلق تبني لها خطاباً شاملاً وإنسانياً ، غير مُتصادِم مع حقائق التاريخ والواقع . المقاومة فعل مُلزِم حين تُحتَل الأرض أو تتعرّض الكرامة الإنسانية للإذلال أو تُغتَصب الحقوق وتُهان المُقدّسات.

وفي موروثنا الإسلامي ، المقاومة أو " الإرهاب الإيجابي" مطلوبة لمواجهة أعداء الله وأعداء الأمّة " وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوّة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوّكم " ، والتحريض على المقاومة والمواجهة لهؤلاء الأعداء فريضة قرآنية" يا أيّها النبي حرّض المؤمنين على القتال " والذي هو في قمة فعل المقاومة التي تبدأ بالكلمة المُحرّضة الشاحِذة للهِمَم وتنتهي بالنضال المُسلّح.

وفي واقعنا المُعاصِر صارت المقاومة للمشروع الأميركي الصهيوني المُعتدي على أمّتنا ، فَرْضَ عين على كل مَن يقدر ، وفي المكان الذي يستطيع سواء في مصر أو سوريا  التي أبتليت بالإرهاب الداعشي المُعوّم خليجياً وأميركياً أو في فلسطين التي هي مركز المقاومة العربي المعاصر بإطلاق أو في لبنان أو غيرهما ، والمطلوب منا كمُثقّفين نُخَب  أن نبادر ومن الآن بإعداد العدّة لمشروع مقاومة طويل النفس نواجه به عصر ما بعد الأميركي الذي بدأت ملامح انهياره تسطع رغم همجيّة ترامب ونيرانه المُندفِعة الإرهابية في الأزمة الأخيرة مع إيران على مياه الخليج العربي المحتل من قِبَل الأميركي والإسرائيلي، والقواعد العسكرية والتطبيع المجاني خير شاهِد على هذا الاحتلال المُذلّ لمشيخيات نفطية بلا حول وبلا قدرة وإرادة على المواجهة أو على بناء دول حرّة ذات سيادة.

السؤال اليوم للنخبة التي تتصدّى بالفكر وبالكلمة لخيار المقاومة هل تستطيع هذه الطليعة المُثقّفة التي يتقاطع ضمير ثقافتها مع قضايا الأمّة السياسية والحضارية ؛أن تقود مشروعاً جديداً  للمقاومة السياسية  والثقافية الواسعة يتجاوزالخلافات، ويتمسّك بالثوابت ويستفيد من دروس مرحلة ما سُمّي زيفاً بالربيع العربي التي حرفت البوصلة بعيداً عن فلسطين، ومكّنت للعدو الصهيوني والأميركي بإرهابهما وعملائهما في الخليج وخارجه ؟ إنه سؤال برسم المستقبل وبرسم كل مَن  لايزال مُقتنعاً بمقولة فتحي الشقاقي الخالدة بأن  المُثقَف أول مَن يقاوِم وآخر مَن ينكسِر، والتي قالها ذات يوم في دمشق قلب العروبة النابِض ، ولايزال لكلماته ذات المعني ولدمشق نفس القلب العروبي النابض الذي انتصر بعد  ثماني سنوات طوال  على الإرهاب  الداعشي ، وغداً سينتصر على الإرهاب الأميركي الإسرائيلي، بإذن الله ، فتلك سُنُن التاريخ  وقدر المقاومين القابضين على جمر الصمود والجهاد.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً