محمد لواتي

رئيس تحرير يومية المُستقبل المغاربي

التطبيع... الجمرة الخبيثة بين السعودية والبحرين!!

لقد أصبح الدين لدى حكاّم السعودية والبحرين والإمارات مفصولاً عن السياسة، ومفصولاً عن المال، ومفصولاً عن الاقتصاد، أي أنهم سقطوا في الأخلاق الجاهلية من دون إحساس منهم بهذا السقوط، فأصبحت السياسة من اختصاص الحاكم وحده على جهله بالسياسة.

  • وزير الخارجية البحريني في لقاءه الأخير مع "تايمز أوف إسرائيل" على هامش ورشة المنامة

بالتأكيد "صفقة العصر" انتهت إلى نفس الفراغ الذي انطلقت منه.. وأن مَن حضروا ورشة البحرين قد ضاعوا وسط أمواج الرمال في استراحة بهلوانية مثلهم كمثل أصنام لا تُعبَد، وما كانوا في غمرات التبنّي للإرهاب والتلاعب بمقدّسات الأمّة الإسلامية إلا على خطى صاحب "ما أريكم إلا ما أرى" وكانت القدس لديهم مجرّد حجارة في أرض يباب لا مسرى الأنبياء والرسل!.

وبالتالي، لقد أصبح الدين لدى حكاّم السعودية والبحرين والإمارات مفصولاً عن السياسة، ومفصولاً عن المال، ومفصولاً عن الاقتصاد، أي أنهم سقطوا في الأخلاق الجاهلية من دون إحساس منهم بهذا السقوط، فأصبحت السياسة من اختصاص الحاكم وحده على جهله بالسياسة، والمال من اختصاص الشركات المالية والبورصات والبنوك بالرغم من انها للحاشية وليست للأمّة، والاقتصاد بيد الأُسَر الحاكمة تكنز لنفسها ما تشاء وعند مَن تشاء!.

حتى ولو كانت الأمّة تعيش ظاهرة المجاعة والاستهلاك الدائم للتسوّل.. إن دول الخليج ،والتي هي أقرب إلى الأمكنة التي انطلقت منها الدعوة الإسلامية تضع اليوم أكثر من سبعين في المائة من ودائعها باسم حفنة من الناس'' ملوك، وأمراء ومشايخ'' في البنوك الغربية، وتضارب بمصالح الأمّة الإسلامية بفعلها هذا، وتجعل من إيران الإسلامية العدو قبل إسرائيل لها وهي تعلم أن المال مال الله ،وإن المسلم يعاني من الجوع في أكثر من رقعة في العالم، فأين هو الدين؟ والدين أصبح عندهم إما لحية اصطناعية سوداء، وإما كتباً توزَّع بالمجان لمذهبهم الوهّابي وكفى، وهي سياسياً بمالها لا تعني شيئاً بالقياس إلى ما يُنفَق على الشهوات، وما يُصرَف على الجواري و حفلات الخِتان!! فهل من الدين أن يصبح الحاكم المسلم واحداً من اكبر أثرياء العالم وأمّته تسحقها البطالة ويأكلها العذاب من كثرة الذهاب والإياب بحثاً عن عمل حتى ولو كنّاساً..؟! وما علمنا هذا من قبل إن في عهد الصحابة - رضوان الله عليهم – أو في عهد التابعين... ثمّ أين هو الدين وهم يتآمرون على بعضهم البعض وتُذبَح في هذا التآمر الشعوب العربية!! ويتحالفون مع المُشركين ضد ضِعافهم من الموحّدين؟! إن الغرب حيث يواجهنا كلما ظهر هناك بريق أمل في النهوض ليس إلا استجابة فيه لهذه الانحرافات التي نحياها أو هذه التشوهّات التي ألصقها الأمراء الطغاة بالدين. حتى أن المجنون "ترامب" لا يرى فيها سوى ''البقرة الحلوب''.

ونتحدّى مَن يقول لنا إن الإسلام لا يحارب من الداخل فيها. وأظن – و ليس كل الظن إثم – أنه لا واحد في الأرض الإسلامية يستطيع أن يقول – بالتأكيد أو يفسّر بالتأكيد – إن الشعوب الإسلامية في دول الخليج تعيش اليقين الديني أوالإصلاح السياسي أو النهوض من متاهات الجاهلية، أوعلى الأقل الأحاسيس الأساسية للتديّن والسياسة معاً، إنها بالتأكيد تعيش هاجس الخلفيات السياسية بالتبعية لأميركا وإسرائيل أكثر مما تعيش الاحتمالات الممكنة التطبيق للأسس الدينية وربما الأخلاقية أيضاً، وإن السياسة معهم أيضاً صارت تستهلك الافتراضات أكثر مما تقف على الشواهد التاريخية - وفي القرآن ما يكفي منها - أو يؤكّد لنا السمات الحضارية التي تميّز عصرنا... وإنهم بالتأكيد أيضاً من أكثر أمم الأرض استهلاكاً للأفكار الجاهزة، وأخصبها إنتاجاً للألاعيب السياسية غير الواعية مع هذه المواقف.. الشاهد أن إسرائيل بَنَت دولتها الدينية المزعومة على أرض إسلامية ذات تميّز وقداسة "لا تشدّ الرحال إلا لثلاثة مساجد : مكّة، المدين، القدس، وقد تمّ هذا في أقل من أربعين عاماً.. وهي الآن تهدّد العالم العربي والإسلامي بالأفكار النووية... لا بل بالأفكار "التوراتية" و هم مازالوا بعد يعيشون عقدة الزعامة، وعقدة الشعارات الكاذبة. وعقدة أميركا تحمينا وأضيف إليها اليوم إسرائيل تحمينا من إيران!.

رغم عِلمهم أن إيران عصيّة عليهم وعلى أميركا، وقد تم- مع الأسف - تسيس حتى دعاء القنوت في الحرم المكّي لصالح الحكم السلالي لبني سعود!!. 
إننا – ورغم مظاهر الترف التي تعيشها بعض الإمارات في الخليج – نقترب شيئاً فشيئاً من الحافّة ،الحافّة التي يمكن أن تكون المقبرة الطويلة لنا... فبعض الملوك و الأمراء مازالوا يحّبون الموت في المضايق السرّية لإسرائيل، والبعض يعاني من الإغماء من كثرة الخادمات المستوردات المحوّلات إلى حريم بالحرام.. والتي تشبه الواحدة منهن بقرة الهند.. ولقد استوردت إحداها أكثر من ستين ألف بنغالية ! نصفهن بالتأكيد للاحتراق الأبيض داخل "كاراج" التجميل والنصف الآخر للاغتسال الليلي، في حين يُذبَح المشردّون من أبناء فلسطين والعراق، وسوريا، وليبيا واليمن بأيديهم... لقد صار الاغتسال بالأوقات السيّئة جزءاً من السياسة الشرعية للحكّام الصبيان في أكثر من بلد خليجي وفي أكثر من أماكن العبادة

نحن نعيش معهم عصر الهواجس التافهة... بَيْدَ أن الغرب يعيش عصر الحرب الحضارية من أجل إسقاطنا جميعاً في المستنقع الطويل، ففي كل الحروب العربية – الإسرائيلية كان الغرب كتلة واحدة.. وكان المسلمون أشتاتاً بل إن هذه الحروب أُديرت -ضد المقاومة في لبنان وغزّة- في الخفاء بأموال عربية ومخابرات عربية، إما سعودية وإما اماراتية وإمّا للمزارع الأخرى التي يُقال عنها الإمارات الراقصة للتطبيع، رغم أن الغرب هذا يفترق عن بعضه في كثير من الأشياء، ورغم أننا نلتقي جميعاً في كل شيء، والتاريخ هو الشاهِد الحاضِر في كل شيء، بما في ذلك الهزّات الاقتصادية في الدول الغربية... وعندنا التاريخ هو الشاهِد الغائِب، والحاضِر هو انتظار الانتظار!.

كم شواهد سجّلها القران الكريم لنا من مثل قوله (قل سيروا في الأرض فانظروا)..؟ بالتأكيد، فإن نصف القرآن أو أكثر يحدّثنا عما جرى للأمم السابقة... لكن كم مرة استعملنا هذه الشواهِد قصد تجاوز الضعف ،وتجاوز الخطأ الحضاري الذي نحن فيه،؟ بل كم مرة سقطنا في ما سجلته هذه الشواهِد في الجانب السلبي للفعل البشري؟.

مسيرتنا من خمسة عشر قرناً رغم ادّعائنا الانتماء إلى الإسلام، هي الشاهِد على تخلّفنا بعدم الأخذ بالأسباب...فاختياراتنا الفكرية تكاد لا تظهر مع الاختيارات الفكرية الأخرى، وتكاد لا تظهر مع المفاهيم المستورَدة من هنا وهناك...لأن البعض منا استهوى الاسترخاء ،داخل الغرف الليلية ،التي تزيّنها الثياب الداخلية ، والبعض الآخر نام داخل ثيابه خوفاً من أن يُقتَل غدراً من أحد أقربائه وقد قُتِلَ الملك فيصل على يد الأمير فيصل بن مصعب وصديقته كريستسنيا ،وأصيب السلطان سعيد سلطان عُمان بالرصاص في الانقلاب عليه الذي قاده السلطان قابوس.. وأغلب أمراء الخليج على هذا المنهاج السيّئ الذِكر.

والشاهِد على المأساة في هذه النفايات أن ينفق خادم الحرمين بالتزوير التاريخي لهذه المهنة أكثر من سبعين مليار دولار على روسيا و أميركا وبريطانيا من أجل ألا تذهب أماكن اللهو التي يملكها في إمارة خليجية مع أميرها الذي جاء من التاريخ المزوّر أيضاً وأنفق إبنه محمّد نصف تريليون دولار أعطاه للمجنون ترامب من أجل حمايته... وما الذي دفع "السيسي" لاحقاً إلى استحضار كل المُهاترات السياسية من أجل وضع الجامعة العربية تحت تصرّف السعودية والإمارات بالرشاوى وشراء الذمّة لأمينها العام (أبو الغائط) والسماح لإسرائيل بأن تعبث بأمن مصر والزجّ بشعب مصر بين المجاعة والسجون...؟! وما الذي جعل قارون خليجي (توفى) يتبرّع بمليار دولار لفرنسا!!.. وأمّته ومعها الإسلامية تعاني من كل الأوبئة المعروفة والمجهولة، والأسئلة قد لا تنتهي، والفساد قد لا يمكن إحصاؤه...فالإحصائيات لو اطّلع عليها القارئ لولّى منها فراراً... نساء من كل الجنسيات، خمور من كل الأنواع ،وأكبر دولة مُستهلِكة للويسكي في العالم هي دولة الإمارات العربية كما تقول إحصائية رسمية ..جرائم قتل وسجن في السعودية لم تحدث في التاريخ... حفاظاً على النظام المزعوم، وسحب للجنسية بشكل إرهابي من السكان الأصليين كما يحدث في البحرين التابعة لـ"قصر باكنغهام" ثمّ يقولون إننا نملك عليكم أيتها الشعوب الإسلامية حق الطاعة باسم الإسلام وحق التأديب والتعزير، والنفي، والتشريد، باسم مُحاربة العَبَث!!؟..

نحن نعتقد إنكم معنا أيها السادة القرّاء في أن مثل هذه الأسئلة مُباحة، كما نعتقد أن الشعوب ستُجيب عنها عما قريب... فعصر الدموع بدأ يتوارى، وأن التواري هذا سيكون بديلاً لعصر آخر.. عصر لا مكان فيه للملوك والأمراء بالإضافة.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً