نجاح عبدالله سليمان

كاتبة وإعلامية مصرية

في شهر نكسة العرب كانت ورشة المنامة

إنها مُغالطة كبرى تلك التي تحاول الإدارة الأميركية، وكل المُروّجين لـ"صفقة القرن" ترويجها، وهي رَبُط "السلام" بـ"الازدهار"، فيما الحقائق الملموسة تثبت أن الأمّة، عانت وما تزال، أصعب الظروف منذ أن اختار بعض حكّامها ما يُسمَّى بطريق التسوية السياسية مع العدو الصهيوني.

في شهر نكسة العرب كانت ورشة المنامة
في شهر نكسة العرب كانت ورشة المنامة

لم تكن البداية ولن تكون النهاية.. هي ورشة البحرين التي حضرت تحت عنوان "السلام من أجل الازدهار" والتي اعتبرها مُستشار الرئيس الأميركي وصَهْره كوشنير مدخلاً لتنفيذ (صفقة القرن)، كواحدةٍ من المحاولات الأميركية المُتكرّرة التي تسعى إلى تكريس الوجود الصهيوني في فلسطين والوطن العربي، وتصفية القضية الفلسطينية تصفية نهائية. وكشفت هذه الدعوة المشبوهة الفَهْم الغربي المعكوس لواحدةٍ من آخر قضايا التحرّر الوطني في العالم، أو تصويرها كقضيةٍ اقتصاديةٍ وماليةٍ تنحصر بجَمْعِ المليارات من الدولارات.. على أن تتم من خلالها رشوة الشعب الفلسطيني والدول المعنية بالصراع للتنازُل عن حقوقٍ وطنيةٍ وقوميةٍ ودينيةٍ وإن لم تسقط بتقادُم الزمن.

إنها مُغالطة كبرى تلك التي تحاول الإدارة الأميركية، وكل المُروّجين لـ"صفقة القرن" ترويجها، وهي رَبُط "السلام" بـ"الازدهار"، فيما الحقائق الملموسة تثبت أن الأمّة، عانت وما تزال، أصعب الظروف منذ أن اختار بعض حكّامها ما يُسمَّى بطريق التسوية السياسية مع العدو الصهيوني. فهل جَلَبَ "سلام" كامب ديفيد الازدهار لمصر وهي التي تُعاني ما تُعانيه اليوم من ضيقٍ اقتصادي واجتماعي؟، وهل حقَّق "سلام" أوسلو جزءاً ولو يسيراً من طموحات الشعب الفلسطيني الذي قدّم وما يزال الشهيد تلو الشهيد على طريق تحقيق أهدافه المعروفة؟. وهل حقَّق "سلام" وادي عربة الازدهار للشعب الأردني؟.

في شهر نكسة العرب كان مؤتمر المنامة.. وإن لم يقبل أحد من الفلسطينيين بتبريراتٍ من هذا القبيل، فالجانب الاقتصادي لا يُمكن أن يكون سوى كتتويج لمسار سياسي عادل وثمرة له. لا يمكن أن يكون سابقاً له، ناهيك أن يكون بديلاً أو «رشوة» لإسقاط الحل السياسي القائم بالضرورة على إنهاء الاحتلال وحلّ الدولتين. وحَضَر الردّ الفلسطيني: "لماذا أيتّها الشقيقة البحرين؟»… هكذا تساءل صائب عريقات في سياق تأكيد الرفض الفلسطيني لمؤتمر المنامة. ولم يأته الجواب من المنامة ولا من واشنطن بل من المُحلِّل السياسي في القناة 13 الإسرائيلية (باراك رافيد)، قال فيه: «دعوة الولايات المتحدة إلى مؤتمرٍ اقتصادي في العاصمة البحرينية المنامة ، كان عبارة عن الجزء الاقتصادي من الخطة الأميركية للسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين بالرغم من إعلان السلطة الفلسطينية مُقاطعة هذا المؤتمر».

يوضِح (رافيد) إن الولايات المتحدة تُقسِّم خطة السلام إلى جزءين، اقتصادي وسياسي، وذلك بعد مُناقشاتٍ طويلةٍ وتقديراتٍ داخل البيت الأبيض بعد إعلان السلطة الفلسطينية رفضها للخطة، حيث تأمْل الولايات المتحدة من إعلان القسم الاقتصادي لوحده أن يشكَّل ضغطاً شعبياً على رئيس السلطة الفلسطينية وقيادتها للقبول بالقسم السياسي ، نظراً لسوء الأوضاع الاقتصادية التي يُعاني منها الفلسطينيون في الضفة والقطاع. قد تكون صورة لن يقولها سياسي بمثل هذا الوضوح، هو استعمال الورقة الاقتصادية للضغط على الفلسطينيين، بل ومساومتهم وابتزازهم، لقبول ما لا يمكن قبوله ، مما يجعل الهدف من مؤتمر البحرين هو «تمرير صفقة القرن التي هي ليست حلاً، وإنما هي محاولة لإضفاء شرعية أميركية ودولية على استمرار الاحتلال، ومحاولة لفرض التطبيع بين العرب وإسرائيل».

وفق ما قاله مصطفى البرغوثي الأمين العام للمُبادرة الفلسطينية. فقد هَدَفَ مؤتمر البحرين إلى«تمرير صفقة القرن التي هي ليست حلاً، وإنما هي محاولة لإضفاء شرعية أميركية ودولية على استمرار الاحتلال، ومحاولة لفرض التطبيع بين العرب وإسرائيل».. للأميركيين طبعاً فَهْم آخر للموضوع يسعون إلى ترويجه حالياً، فها هو المُتحدّث الإقليمي لوزارة الخارجية الأميركية (ناثان تك) يقول إن «هدف ورشة البحرين رَفْع مستوى عَيْش المواطن الفلسطيني العادي، من خلال حَشْد الدعم لإيجاد سُبُل جديدة للوصول إلى هذا المُبتغى، والمؤتمر شكَّل فرصة لطرح جزء من الخطة الاقتصادية على الحاضرين والاستماع إلى ردودهم للتعامُل معها»، لافتاً إلى أن «واشنطن قامت بدراسةٍ عميقةٍ ومُتأنّيةٍ للقضايا السياسية الفلسطينية العالِقة، وبالتالي ستعمل على مُعالجتها بشكلٍ دقيقٍ جداً».

واقع المعلومات يتحدَّث أن "البيت الأبيض سيُعلن عن القسم الأول من (خطته للسلام) في الشرق الأوسط". فواشنطن عقدت ورشة اقتصادية في البحرين للتشجيع على الاستثمار في الأراضي الفلسطينية. ولتجمع عدداً من وزراء المالية بمجموعةٍ من الاقتصاديين البارزين في المنطقة، وفي هذا الصَدَد قال وزير الخزانة الأميركي ستيفن منوشين "إنني أتطلَّع إلى هذه المُناقشات المهمّة حول رؤية توفّر للفلسطينيين الفًرَص النوعية الجديدة لتحقيق إمكانياتهم الكاملة. ستُساهم هذه الورشة في جَمْعِ القادة من عدّة قطاعات ومن جميع أنحاء الشرق الأوسط لبحث سُبُل تعزيز النمو الاقتصادي والفُرَص المُتاحة للشعوب في هذه المنطقة المهمة".

ردّ فعل فلسطيني جاء برفض رجال أعمال فلسطينيين كبار، خطط الولايات المتحدة لعقد مؤتمر اقتصادي في البحرين، الذي أصبح بمثابة مُقدّمة خطة السلام في الشرق الأوسط التي يتبنّاها الرئيس الأميركي دونالد ترامب. ومع مُناشدة واشنطن للفلسطينيين والقادة العرب لحضور المؤتمر، انضمَّ رجال الأعمال الفلسطينيين إلى السياسيين في القول بأن مطالبهم السياسية يجب تلبيتها في أية خطة لحل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. وأبدى مُنظّمو استطلاعات الرأي والمُحلّلون الفلسطينيون أيضاً شكوكاً عميقة حول أحدث حلقة في سلسلة جهود السلام الأميركية الطويلة، والتي يقودها هذه المرة جاريد كوشنر صَهْر ترامب ومبعوث الشرق الأوسط جيسون غرينبلات.

يبقى أن إسرائيل تقول إنها تتّخذ مثل هذه الإجراءات لدواع أمنية. وتساءل البعض كيف تنتظر أن يستثمر الناس في فلسطين إذا كانوا لا يستطيعون الدخول؟ إذا كانوا لا يمتلكون السيطرة، ولا يتوافر لديهم إطار العمل القانوني، وبيئة الأعمال، لحماية أنشطتهم؟. إنهم يتّخذون جانب إسرائيل، على الصعيد السياسي، ويريدون التحدّث معهم في القضايا الاقتصادية فحسب. لكن ذلك ليس مساراً صحيحاً. فحقًا عن أيّ سلام وأيّ ازدهار تحدَّث العرب؟.. وهم ما بين "تطبيعات وصفعات".


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً