سمير البرغوثي

كاتب وباحث فلسطيني

قرار الردّ على الاعتداء الإسرائيلي ليس في موسكو

يُثار بين الفينة والأخرى وخاصة بعد كل اعتداء إسرائيلي على الأراضي السورية جدل وتساؤلات حول الموقف الروسي وتذهب بعض التحليلات إلى الاستنتاج أنها تتمّ بموافقةٍ روسيةٍ وضوءٍ أخضر من بوتين. المُحلّلون المُعارضون للرئيس بشّار الأسد يتّهمونه بالعِلم بها مُسبقاً، والبعض يتّهم موسكو بالضغط على القيادة السورية بعدم الردّ خوفاً من انزلاق سوريا في مواجهةٍ شاملةٍ قد تنجرّ إليها روسيا.  

قرار الردّ على الاعتداء الإسرائيلي ليس في موسكو
قرار الردّ على الاعتداء الإسرائيلي ليس في موسكو

من الواضح أن غموض الموقف الروسي نابع من تعقيدات الأزمة السورية بحد ذاتها. ولكن السؤال الأهم هو هل ستستطيع إسرائيل بضرباتها المُتكرِّرة الحصول من بوتين عمّا فشلت الحصول عليه من الرئيس الأسد بإبعاد سوريا عن إيران وحزب الله، ووقف إمدادات السلاح الإيراني لحزب الله عبر الأراضي السورية؟ الأمر الذي رفضه الرئيس الأسد ترغيباً وترهيباً وكلًفه حرباً كونية ما زالت مستمرة منذ 8 سنوات.                   

في مطلع العام الحالي تنبّأ خبراء ومُحلّلو بنك ستاندرد شارتبرد العالمي المشهور أن روسيا ستحتل المرتبة الثامنة اقتصادياً على المستوى العالمي بحلول عام 2030. مراكز دراسات أخرى تنبّأت وصولها إلى المرتبة السابعة بحلول عام 2050، أما بوتين فقد كان أكثر تفاؤلاً في حواره المفتوح مع مواطنيه إذ تنبّأ بالموقع الخامس في فترةٍ ليست طويلة ، وإذا ما صدقت توقّعاته وترافقت مع الوتيرة السريعة الجارية الآن بتحديث وتطوير الترسانة العسكرية الروسية فسنكون أمام دولة عُظمى اقتصادياً والأقوى في العالم عسكرياً .                           

للوصول إلى هذا الهدف تُركِّز القيادة الروسية على أربعة قطاعات استراتيجية، المجمع العسكري الصناعي ومن خلفه الجيش الروسي، الطاقة التكنولوجيا والاستثمارات الأجنبية، وبقراءةٍ أخرى فمَن يصيغ الخيارات الاستراتيجية طرفان هما اللوبي العسكري القابِع في وزارة الدفاع ولوبي الطاقة الذي يُديره بوتين شخصياً من الكرملين بعد أن حسم صراعه مع أقطاب الطغمة المالية التي كانت تحيط بيلتسن في نهاية تسعينات القرن الماضي.                                                                للمجمع العسكري دور هام في الاقتصاد الروسي إذ يوّظف ما بين مليونين ونصف المليون إلى ثلاثة ملايين شخص، أي ما يناهز 20% من العاملين في القطاع الصناعي ككل، وإذا ما أضيف أفراد الجيش والأجهزة الأمنية الأخرى والعاملين في القطاعات المدنية ذات الصلة باحيتاجات التصنيع العسكري، لتضاعف هذا الرقم بكل تأكيد. ومع نهاية العام الماضي بلغت صادرات روسيا من السلاح 16 مليار دولار بعد أن كانت 6 مليارات عام 2005، ويُخطّط المجمع العسكري للوصول إلى رقم 50 ملياراً في السنوات القادمة. ومنذ الانتصار في الحرب العالمية الثانية بقيت المؤسّسة العسكرية رمزاً للقومية الروسية ومُحصّنة أمام لوبيات تنفّذ أجندات خارجية.                                  

الطاقة في روسيا وتصدير الغاز والبترول يشكّلان ركيزة الميزانية الحكومية، فشركة غاز بروم لوحدها تغذّي 20% من الميزانية الحكومية، وصادرات الطاقة تشكّل 60% من مجموع الصادرات الروسية، وباتت رمزاً للنفوذ الروسي المُتنامي عالمياً.                                             

وخلافاً للمجمع العسكري، قطاع الطاقة واسع ومُتشعِّب ومُتعدِّد اللاعبين والمصالح ومراكز القوى، والاستثمار مُتاح لأصحاب رؤوس الأموال الكبار ومنهم مَن يؤيِّد إسرائيل، الأمر الذي يفتح مجالاً لمراكز قوى ولوبيات وتشابُك مصالح.

 جاء في تقرير نُشِرَ في الموقع الإلكتروني الروسي "ايانتا رو" المُختصّ بالشؤون البنكية في نيسان من عام 2014 وأثار ضجة حينها، واتّهم بتغذية مُعاداة السامية أن 25% من أغنى 200 ملياردير في روسيا هم من المجتمع اليهودي وتُقدَّر ثروتهم ب133 مليار دولار  أي ما يعادل 9% من الناتج المحلي الإجمالي آنذاك ، وتجدر الإشارة إلى أن أكثر من 70% من ثروة هذا المجتمع تتمركز في قطاع الطاقة والقطاع البنكي ومن ثم الإعلام بدرجةٍ أقل. والاستفادة من ثروات المجتمعات اليهودية في البلدان الأخرى للتأثير على أصحاب القرار استراتيجية راسِخة في السياسة الخارجية الإسرائيلية ولا أعتقد أن روسيا استثناء.                                                                                   

استراتيجياً لا يوجد لإسرائيل ما تُقدّمه لطموحات روسيا الكونية ، فالجيش الروسي ومن خلفه المجمع العسكري الصناعي يرى في العقيدة العسكرية الإسرائيلية وأنظمة التسلّح امتداداً للولايات المتحدة والغرب، على نقيض من العقيدة الروسية، ولا يرى في إسرائيل سوقاً مُحتمَلة للصناعات العسكرية الروسية لا الآن ولا في المستقبل، بل مُنافِساً لها في الأسواق العالمية، أما الاستفادة من التكنولوجيا فهذا مُحرَّم بضوابط أميركية صارِمة. والمُراقِب للأمور يرى بوضوح الجفاء والبرودة في العلاقة بين المؤسّستين العسكريتين في البلدين على عكس وزارة الخارجية ومؤسّسات الرئاسة، ويلاحظ العبارات الحادّة في التعقيب على الغارات الإسرائيلية بوصفها عدواناً على الجيش السوري والأراضي السورية، بل أشيع في حينه أن صقور وزارة الدفاع الروسية طالبوا بالانتقام لزملائهم الذين قتلوا في إسقاط الطائرة العسكرية من قِبَل إسرائيل بالردّ بالمثل، بالمقابل يُعرِب الناطقون باسم الكرملين ووزارة الخارجية عن انزعاجهم بأدب ولطف شديدين!                                                                

وفي مجال الطاقة لم تكن إسرائيل هدفاً لاستراتيجية الطاقة الروسية ولا سوقاً مستهدفاً مع محدودية القدرة الاستيعابية لهذ السوق، بل الأخطر من ذلك تُراود أفكار الولايات المتحدة  بتحقيق هدفها القديم المُتجدّد بتخليص أوروبا من هيمنة الغاز الروسي عن طريق الغاز الإسرائيلي المُكتَشف حديثاً في البحر المتوسّط. والعطش الروسي لاستثمارات ضخمة لتطوير قطاع الطاقة أكبر بكثير من أن ترويه الإمكانيات الإسرائيلية المحدودة، وروسيا تتطلّع إلى دولٍ كالصين، ألمانيا، فرنسا، الهند، اليابان، البرازيل وتركيا لهذه الغرض.                                          

قد يقول قائِل إن إسرائيل مهمة لروسيا في التأثير على صنّاع القرار في واشنطن، وأعتقد أن هذا القول يرتقي إلى درجة السذاجة ، فإسرائيل تؤثّر في واشنطن من أجل الضغط على حكّامٍ عرب هم أصلاً جاهزون للضغط أو بشأن القدس والجولان، أو رشوة بعض الدول الفقيرة لفتح سفارات إسرائيلية والامتناع عن التصويت لصالح قرارات تُدين إسرائيل في المحافل الدولية، ولا يمكن للتأثير الإسرائيلي أن يرتقي إلى إعادة صوغ استراتيجية أمن قومي تصنّف روسيا والصين بالخطر الرئيسي الذي يهدّد الولايات المتحدة. لا تأثير لإسرائيل في ملفات الأمن القومي الأميركي ولو كان الأمر عكس ذلك لما استغرقها الأمر 30 عاماً لإطلاق سراح عميلها بولارد من السجون الأميركية.                                                                                                                                              

على الجهة المقابلة فسوريا منذ استقلالها ولغاية الآن رغم تبدّل السياسات والقادة والنُظم، وفّرت موطىء قدم لروسيا في المياه الدافئة، والجيش السوري وسلاحه ينتمي إلى العقيدة العسكرية الروسية، وسوريا كانت دوماً سوقاً للسلاح الروسي.                                  

وإذا كان الرئيس بشّار الأسد يُدين ببقائه في السلطة إلى مساهمة هامة من بوتين، فالأخير يُدين للرئيس الأسد بأنه أعاد لنفوذ موسكو مجده في الشرق الأوسط بعد أن خسرت مصر وجنوب اليمن في القرن الماضي والعراق وليبيا مطلع القرن الحالي.                                                    

وإذا كانت سوريا تُدين لروسيا مساعدتها في الحفاظ على وحدة أراضيها بعد أن كانت قاب قوسين من التفتّت، فالأخيرة تُدين لسوريا بأنها أفشلت مخطّطات استبدال الغاز الروسي بغاز خليجي يمر عبر الأراضي السورية، الأمر الذي لو حدث لشكّل انتكاسة كبرى لاستراتيجية الطاقة الروسية                       

وعلى الجانب الإيراني فالعلاقات الروسية الإيرانية تسير بخطى نحو العلاقة الاستراتيجية كما يُصرِّح قادة البلدين أنفسهم، ومصالح البلدين تتجاوز سوريا إلى أفغانستان وبحر قزوين ومنطقة شرق آسيا التي تعوِّل روسيا على المساهمة الإيرانية للحد من النفوذ الأميركي فيها. وإيران بصَدَد الدخول في الاتحاد الأوراسي التي تقوده روسيا باتفاقية تجارة حرّة، وهي عضو مُراقِب في معاهدة شانغهاي للأمن التي أسّستها روسيا والصين. ويدور الحديث عن إمكانية انضمامها إلى مجموعة البريكس فور رفع العقوبات.                                             

إن بقاء الرئيس الأسد على رأس الهرم السياسي في سوريا رغم الحرب الكونية التي أدارتها الولايات المتحدة لإزاحته ، وتماسك النظام في إيران وبقائه على سياسته الخارجية رغم الحصار والعقوبات التي لا مثيل لها في التاريخ المعاصر كما يصفها ترامب نفسه، هما البوابة التي سيعبر من خلالها العالم من نظام القطب الواحد إلى نظام تعدّد الأقطاب، هذا الحلم الذي يُراود بوتين دوماً.                                   

إسرائيل تسعى إلى دفع بوتين إلى مواجهةٍ مع حليفٍ استراتيجي مُحتَمل وهو إيران ، والمُضحِك أنها تعرض بيعه بضاعة يمتلكها سلفاً ، فالرئيس الأسد باق في السلطة من دون موافقتها بل فشلت في إزاحته مع حلفائها والأراضي السورية بعد أن سيطرت الحكومة المركزية على 80% من الأراضي سائِرة للالتحام من دون مشيئتها، بل فشلت في تفتيتها. وجزيرة القرم باتت جزءاً من روسيا رغم رفض حلفائها الغربيين. البضاعة الجديدة التي تعرضها إسرائيل بموافقة أميركية هي رفع العقوبات عن روسيا التي فُرِضَت عام 2014 مع اندلاع الأزمة الأوكرانية. بوتين في حواره المفتوح قدَّر خسائر روسيا للفترة من 2014 إلى 2018 ب 50 مليار دولار أي بمعدّل 10 مليارات سنوياً، ولا أعتقد أن ذلك كاف لإعادة النظر بحلفاء استراتيجين وأهداف استراتيجية لدولة عُظمى. بالطبع الرئيس الروسي سيستحسن رفع العقوبات، ولكن جلّ اهتمامه هو والصين، اجتثاث قدرة الولايات المتحدة على فرض عقوبات في العالم مرة وإلى الأبد.                                                              

بالرغم من ذلك ترتبط روسيا بعلاقاتٍ دافئةٍ مع إسرائيل وحميمة بين بوتين ونتنياهو، وبوتين لا يُصنّف إسرائيل في خانة الأعداء كما كانت الحال في العهد السوفياتي، وفي واقع الأمر هذه ليست معاملة خاصة بإسرائيل فالكثير من الدول كانت من الأعداء وليست كذلك الآن في العهد الروسي الجديد، وعلى ما يبدو فروسيا تحذو حذو العملاق الصيني عندما انطلق بثورته الاقتصادية (لا أعداء ما دامت المصالح لا تُمسّ).لا توجد في قاموس بوتين مُصطلحات كالتضامن الأممي ومساندة حركات التحرّر والشعوب المظلومة ومُجابهة الامبريالية والصهيونية، وبالتالي مساندة الشعوب العربية في تحرير أراضيها المحتلة. ووضع حد للغطرسة الإسرائيلية في المنطقة ليست من اهتماماته وليست من أولويات السياسة الروسية الشرق أوسطية رغم الإقرار الرسمي بعدم شرعية الاحتلال.

ترى روسيا أن الحفاظ على مصالحها في سوريا يكمن ببقاء القيادة السورية الحالية ووحدة الأراضي السورية ، وتعتقد أن البرغماتية واسترضاء تركيا شمالاً وإسرائيل جنوباً عاملان مهمان في تحقيق هذا الهدف، ولكن "الرعونة" الزائدة في استرضاء إسرائيل والمبالغة في قدرتها على تغيير الأمور على الأرض لو أرادت، تحمل في طيّاتها بصمات لوبيات ومراكز قوى ونفوذ طُغَم مالية وربما مصالح شخصية في المؤسّسة السياسية. والمُثير للاستغراب ردّ الفعل الناعِم نسبياً على إسقاط الطائرة الروسية من قِبَل إسرائيل بالمُقارنة مع مثيله لدى إسقاط طائرة من قِبَل تركيا، عِلماً أنه قُتِل في الحادث الأول طيّار روسي وفي الثاني 14 خبيراً ومستشاراً عسكرياً.                                                                                                                                                

الاجتماع الأمني الثلاثي الروسي-الأميركي-الإسرائيلي الذي عُقِدَ في القدس مؤخراً شأن مُهين للشعب السوري ، فسوريا وإن كانت ضعيفة الآن لكنها ليست ولا يجب أن تكون تحت وصاية أحد، ولا يجب أن تعود قرناً إلى الوراء عندما كانت تجلس فرنسا وبريطانيا في غُرَفٍ مُغلَقة لتدارُس مستقبلها، والأكثر إهانة للمشاعر القومية الأصيلة للشعب السوري والشعوب العربية والإسلامية أنها عُقِدَت في القدس المُغتَصبة التى أهداها ترامب لإسرائيل كعاصمةٍ لها.                                                                                               

المُبالغة في قدرة إسرائيل على وقف مسيرة إنهاء الأزمة السورية وإعادتها إلى المربّع الأول وإعادة إنتاج الحرب الأهلية ليست في موقعها الصحيح فالدول التي جيَّشت وموَّلت وسلَّحت هذه الحرب لم تعد تعنيها والبعض منها ينتهز فرصة التطبيع مع دمشق بعد ضمان حفظ ماء الوجه، إسرائيل تمتلك التشويش سواء عبر سلاح الجو المُتفوّق أو عبر أتباعها الصقور في الإدارة الأميركية الذين أقنعوا ترامب بتأجيل سحب القوات الأميركية من شرق الفرات لاستخدامها ورقة مساومة لصالح إسرائيل، والحديث عن أن الرد السوري سيتبعه رد إسرائيلي مُدمِّر واسع النطاق مُبالَغ به، فإسرائيل ذاتها تخشى مواجهة مع الجيش السوري يشارك فيها حزب الله وربما إيران وفصائل المقاومة في غزَّة وربما فصائل عراقية. أشارت تسريبات صحفية إسرائيلية إلى أن نتنياهو هو مَن طلب من ترامب عدم ضرب إيران بعد إسقاط الطائرة الأميركية خوفاً من مواجهة شاملة تطالها.                                                                                                                                           

القيادة الروسية بكل وضوح لا تريد مواجهة سوريّة إسرائيلية ولا ترغب برد سوري ما دامت الغارات الإسرائيلية لا تؤثّر على الأوضاع على الأرض، ولكن بوتين بخياراته الاستراتيجية  لن يمتلك هامش مناورة وسيكون أضعف من أن يمنع أو يقاوم مواجهة شاملة تقرّرها دمشق وطهران.

إن قرار المواجهة إن قدّر له موجود في دمشق وطهران والضاحية الجنوبية من بيروت وليس في موسكو التي لا تريده، ولكن بحُكم الواقع  أصحاب هذا القرار ملزمون بأخذ موقف موسكو بالحسبان  ولكن يجب أن لا يصل إلى درجة العزوف عنه إذا ما بات ضرورياً ومقتدراً عليه.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً