محمد علوش

معد ومقدم برامج سياسية في قناة الميادين.

ما لم يقله أردوغان حول صفقة السلاح الروسي!

بدأت تركيا باستقبال الدفعات الأولى من نظام الدفاع الصاروخي الروسي S-400 في تحدٍّ ملحوظٍ لتهديدات الولايات المتحدة الأميركية التي حذَّرت أنقرة مراراً من الشراء خاصة أن التسليم يأتي بعد يومين من وصول السفير الأميركي المعيَّن لدى تركيا، ديفيد ساترفيلد، إلى أنقرة.  

  • ما لم يقله أردوغان حول صفقة السلاح الروسي!

علَّلت واشنطن رفضها الشديد للصفقة، ذلك أن جهاز S-400 لا يتوافق مع المعدَّات التي يستخدمها الأعضاء الآخرون في حلف الأطلسي، وأن اعتماد أنقرة على نظاميّ الدرع الصاروخي الغربي ونظيره الروسي قد يجعل المعلومات الاستخباراتية في أيدي الروس. ولهذا تُهدِّد واشنطن بإزالة تركيا من برنامجها للطائرات المقاتِلة من طراز F-35 بموجب قانون "مواجهة خصوم أميركا من خلال العقوبات"، وهو قانون أقرَّه الكونغرس عام 2017 يفرض عقوبات على أية مُشتريات مهمَّة للأسلحة من روسيا.

يعتبر الأتراك حاجياتهم من قطاعات الدفاع مؤمَّنة من الصناعة الداخلية بنسبة 70% ويتطلَّعون لبلوغها 100% بحلول الذكرى المئوية للاستقلال الوطني عام 2023. وقد سجَّلت صادرات تركيا إلى الخارج من صناعاتها العسكرية الخالِصة ملياري دولار في عام 2018. العقوبات الأميركية ستستهدف هذا القطاع. وقد يؤدِّي خروج تركيا عن برنامج F-35 إلى خسارة ما يتراوح بين 10 مليارات و30 مليار دولار من عائِدات التصدير من مُنتجاتها الدفاعية.

ورغم اعتقاد أردوغان أنه وحتى الانتخابات المقبلة المقرَّرة في عام 2023 لدى أنقره وقت كاف لتحقيق استقرار اقتصادي يُقيل عثرة تراجُع قيمة الليرة، فإن العقوبات الأميركية المتوقَّعة ستسبِّب انهياراتٍ إضافيةٍ لقيمة الليرة خلال السنة الحالية والتي تليها ، ما قد يؤدِّي إلى فرار المستثمرين الأجانب أو المزيد من الكساد. فما الذي يحمل أردوغان على هذه المجازَفة مع واشنطن؟

في أبرز تصريح لأرودغان حول الصفقة، اعتبر أن المسألة مرتبطة بحماية "الأمن القومي التركي" ولا يُفترَض أن تسبِّب قلقاً لدول الناتو بتاتاً. عبارة أردوغان تُظهِر خوفاً دفيناً لديه من واشنطن خشية تكرار سيناريو الانقلاب العسكري الذي حصل في تموز 2016، حيث قامت طائرات عسكرية انقلابية بقصف إسطنبول انطلاقاً من قاعدة أنجرليك التركية التي يُشرِف عليها حلف الأطلسي. وكانت الطائرات المعادية تتزوَّد بالوقود من الجو. وقد سرت شائِعات قوية في حينه داخل حزب أردوغان أن الولايات المتحدة الأميركية مُتورِّطة في الانقلاب أو أن ضباطاً فيها مُتورِّطون بشكلٍ أو آخر في عملية الانقلاب. حصول أنقرة اليوم على منظومة S-400، سيحمي الأجواء التركية من تكرار السيناريو إذ لا يمكن ضمان أن يقوم سلاح Patriot الأميركي بنفس المهمة حيث مفاتيح تعطيله في يد واشنطن.

داخلياً، الاعتراضات الأميركية على صفقة الشراء تُبهِج القوميين والمتشدِّدين الذين يشكِّلون جزءاً كبيراً من قاعدة أردوغان وحزبه الذين يرغبون في رؤية تركيا تتصرَّف بشكلٍ أكثر استقلالية في السعي لتحقيق مصالحها الوطنية. حيث اكتسب أردوغان النفوذ المحلي من خلال تأجيج القومية بتحدّياته المتكرِّرة للضغوط الإمبريالية الغربية المزعومة ضد بلاده.

ثالث تلك الاعتبارات بالنسبة إلى تركيا هو نقل التكنولوجيا العسكرية الروسية إلى أنقرة كجزءٍ من الصفقة في تصاعُد الامتعاض التركي من إصرارٍ أميركي غير مُعلَن بعدم نقل التكنولوجيا العسكرية إليها داخل حلف الأطلسي. فقد فشلت المفاوضات الأولى والثانية في عامي 2013 و2017 بين تركيا والولايات المتحدة في شراء الدفاع الجوي الأميركية من طراز Patriot نظراً لأنها شملت نقل التكنولوجيا إلى الحد الأدنى أو عدمه. وتمكَّنت واشنطن لاحقاً من منع تركيا من شراء المنظومة العسكرية HQ-9 المصنوعة في الصين، ويرجع ذلك جزئياً إلى انخفاض سعرها وبسبب مكوِّن نقل التكنولوجيا في الصفقة. وهكذا يساعد شراء الأسلحة الروسية تركيا على الوفاء باستراتيجيتها طويلة المدى لتنويع إمدادات الأسلحة والاستفادة من عمليات نقل التكنولوجيا من شركاء غير الولايات المتحدة، مع مُراعاة خلافاتهم المتكرِّرة حول السياسة والاستراتيجية.

نظام S-400 سيكون نقلة استراتيجية لتركيا في مجال الدفاع الجوي في منطقة مُحاطة بممثّلين لديهم قوات جوية متطوِّرة، ولا يمكن وضع تركيا كقوَّةٍ أوراسيةٍ جديدةٍ من دون موازَنة علاقتها مع الصين وروسيا بقدر ما تفعل مع الولايات المتحدة والناتو. كما أن تعزيز الشراكة الاستراتيجية مع موسكو يُذلِّل بعض العقبات نتيجة تضارُب المصالح والإرادات بين البلدين حول المناطق المتوتِّرة في الإقليم من سوريا إلى ليبيا، وصولاً إلى حقول النفط في المتوسّط.

الدفاع الجوي التركي المتنوِّع المصدر مُفيد بدوره في شرق البحر المتوسّط، حيث تتنافس تركيا مع آخرين على موارد الغاز الطبيعي. تتطلَّع تركيا إلى تأمين قَدْرٍ أكبر من النفوذ وموارد الطاقة في الأراضي التي تدَّعي أنها تابعة لها في المثلَّث البحري بين قبرص واليونان وتركيا، ولمواجهة ما تعتبره تعدِّياً مُتزايداً من جانب قبرص واليونان والمنافسين الإقليميين المتحالفين معهما مثل مصر وإسرائيل. وقد تُجبِر قدرات أنقرة المستجدَّة البلدان الأخرى على الحدّ من استكشافها للمنطقة، ومساعدة تركيا في تأمين احتياطيات الغاز الطبيعي.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً