أحمد فال السباعي

باحث متخصص في الدراسات الاستراتيجية في المغرب

تخبّط أداء الإسلاميين في المغرب العربي

لازال الإسلاميون حائرين في سيرهم السياسي وتشخيصهم للواقع وعلاقته بالمنطلقات الفكرية بين مسارات مُتعدّدة، في ظلّ مناخ الإستقطاب السياسي الحاد وارتباط مسارات الربيع العربي بالعوامل الخارجية الذي سُرعان ما تحوّل النسَق السياسي العربي نحو ثُنائية جديدة لا تزيدها التحوّلات الخارجية والداخلية إلا رسوخاً ووضوحاً.

أسهم الربيع العربي في تدويل قضية الإسلاميين وتقوية وجودهم كمعارضةٍ مقبولةٍ سياسياً
أسهم الربيع العربي في تدويل قضية الإسلاميين وتقوية وجودهم كمعارضةٍ مقبولةٍ سياسياً

واقع ما بعد الربيع:
في مصر لجأ الإخوان المسلمون إلى التحالف داخلياً مع السلفية وخارجياً مع راعيتها السعودية، وهو تحالف أسهم إلى حدٍ كبيرٍ في عَزْلِ الإخوان عن تيارات المعارضة العلمانية القومية التي اضطرت هي الأخرى إلى التحالف مع المؤسّسة العسكرية المتحكّمة في وسائل الإعلام وفي مؤسّسات العنف المشروع.
في المغرب تحالف المستفيدون من الربيع العربي مع المؤسّسة الملَكية ورضوا بالصراع مع المعارضة بدل الصراع مع القصر كما فعل أسلافهم الإستقلاليون بعد مرحلة الإستقلال عن فرنسا، فيما ظلّ الخطاب السياسي للمعارضة اليسارية نخبوياً وغير قادر على استقطاب جماهير انتخابية واسعة.
تماهى الأداء السياسي للعدالة والتنمية مع ميكانيزمات اللعبة السياسية لدولة "المخزن" فيما ظلّت جماعة العدل والإحسان خارج سيناريوهات الربيع العربي بعد أن رأت أعلى قيادة في الجماعة عدم جدوائية حركة ما يُسمّى "بالربيع" نفسه.
أفضى هذا السؤال السياسي الذي جارى الأحداث بدل أن يبني رؤية واضحة للتغيير إلى عودة ميكانيزمات الحُكم السابق في مصر والمغرب ، بينما لا زال المشروع التونسي في صراعٍ مع تاريخٍ طويلٍ من الاستبداد الذي ربما يعود إلى ما قبل قيام الدولة الوطنية.
في الدول التي ترسّخت فيها المؤسّسات كتونس ومصر والمغرب أسهمت القدرة التنظيمية للإسلاميين في الحفاظ على مقوّمات الدولة الوطنية بدل إنهيارها، ومن جهةٍ أخرى عزَّزت السياسات الخارجية للدول الغربية تدعيم بقاء الدولة العربية الموروثة عن سايكس بيكو ومؤتمر الجزيرة الخضراء، وتدعيم المؤسّسات العسكرية وتعميق دورها السياسي في ظلّ ضعف أغلب التيارات السياسية المعارِضة للإسلاميين.
في ليبيا تميَّزت الدولة بضعف الطابع المؤسّساتي وانعدامه أحياناً، وبعدم وجود كيان تنظيمي للإسلاميين في فشل الدولة وتحوّلها إلى حالٍ من الفوضى السياسية والأمنية التي سرعان ما استفادت منها الدول الغربية والمجاورة. في هذا السياق تحاول الدول المحتلة تاريخياً (إيطاليا) أن تُعيد تشكيل الوضع السياسي من جديد ، فيما تحاول الدول العسكرية (مصر-الإمارات) بناء عسكرها الموالي في هذه المنظومة المتهاوية.
بمقابل ذلك أسهم مشروع الوئام الوطني بين العسكر والإسلاميين في تلطيف حدّة تأثيرات الربيع العربي على الجزائر التي دخلت فيها نخبة الإسلاميين المعتدلة إلى قواعد اللعبة مُبكراً، كما أن مشروع المصالحة نفسه عزَّز هذه الثُنائية(العسكر-الإسلاميون) التي توصّل إليها الجزائريون مُبكرا.ً من جهةٍ أخرى، أسهم هَوْل الحرب الأهلية الذي ظلّ مخيّماً على الوعي الجمْعي وعلى الخطاب السياسي لأغلب النُخَب في فُقدان وسائل الدعاية والبروبغندا لقدرتها التحريضية الكبيرة مقارنةً مع دولٍ أخرى كالمغرب وليبيا ومصر.

تهديدات:

هذه الثُنائية الجديدة في الحياة السياسية للدول المغاربية (العسكر-الإسلاميون) تهدِّد في حال بناء توافُقات نخبوية خارج الرِهانات الإقتصادية والإجتماعية بسقوط شرعيّة المعارضة الإسلامية وبحدوث هزَّات إجتماعية وسياسية قوية ، قد تُهدِّد كيانات الدول وتجعلها تحت رحمة وسائل الدعاية والتواصل المتحكّمة اليوم إلى حدٍ كبيرٍ في بناء الوعي الجمْعي وتوجيه الغضب الجماهيري.
لقد أظهرت أزمة الريف في المغرب أن الوضع السياسي والإجتماعي الهشّ قد يُهدّد جميع التحالفات بما في ذلك تحالفات الإسلاميين مع خصومهم العسكريين الممسكين بزِمام مؤسّسات العنف المشروع.
من جهةٍ أخرى، تُسهم الدعاية المضادّة للإسلاميين وتحوّل هؤلاء نحو الكراسي الوثيرة للحُكم في تكرار مسار التيار اليساري الذي رضي هو الآخر بغنيمة البقاء بدل التغيير.
تتّجه الدول العربية نحو زيادة التأثير الخارجي على صاحب القرار وعلى سيادته. إقتصادياً، يتّجه النظام إلى تعميق إنخراطه في الأسواق الإقتصادية المالية العالمية ببيع شركات المواد الأولية، مثل أرامكو البترولية في دولةٍ كالسعودية أو شركة الفوسفات OCP في المغرب أو حتى بيع أجزاء من الإقليم البرّي والبحري كما يحدث في مصر.
من جهةٍ أخرى تُسهم سيطرة الدول الكبرى والشركات المتعدِّدة الجنسية على وسائل الإعلام والتواصل في توجيه التحرّكات الشعبية بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشر( شركة جوجل في ربيع مصر، وحملة المقاطعة الشعبية الأخيرة في شمال أفريقيا). لقد أصبح الحراك الشعبي رهين ثالوث جديد ومتماسك ( الإقتصاد- الإعلام- المنظمات الحقوقية الدولية).
مسارات:

لم يتمكّن الإسلاميون طيلة مرحلة ما بعد الربيع العربي من إعطاء رؤيةٍ سياسيةٍ لواقع الحركة وتشخيص السياق المحيط.
بقيت أسئلة كثيرة لا إجابات: مشروعيّة العمل السياسي، آليات الحُكم والموقف من المعارضة العلمانية ومكانة الدين في الحقل السياسي. لا تطرح العدالة والتنمية في المغرب أو في تركيا سؤال الحاكمية. لقد انغمس الإسلاميون من دون عناء البحث عن الإجابة عن أسئلة الشأن السياسي وكأن خطابهم السياسي المعارِض السابق الذي بنوا من خلاله شرعيتهم كان "وهماً أيديولوجياً" كاذِباً أو تاريخ المراهقة السياسية التي مرّ منها الماركسيون والإشتراكيون والقوميون.
إن سؤال المنطلقات عند الإسلاميين يُنذِر بنهاية مأساوية في صناديق الإقتراع المقبلة. لا زالت الإنتخابات تُعطي لهم الصدارة في ظلّ أزمة العزوف السياسي داخل الدول العربية ، لكن ضغط الأزمات الإجتماعية والإقتصادية سيجعل الإسلاميين المشاركين في السلطة شركاء في خطيئة الفشل الإقتصادي والإجتماعي الذي لا تتساهل فيه كثيراً الشعوب العربية.
لقد أثبتت أزمة الريف واحتقانات الشارع التونسي أن زمن الإسلاميين قد تهدّده السياسات الإقتصصادية الفاشلة.
في مصر أنقذ العسكر الأداء الإقتصادي للإخوان المسلمين حين حاكموا التجربة في بداياتها ورجعت بسرعة الجماعة إلى المعارضة الجذرية لتنشأ المظلمة الحقوقية بدل الخطيئة الإقتصادية ، في المغرب لا زالت جماعة العدل والإحسان بعيدة عن إثم السلطة، لكن البراءة السياسية سرعان ما يتّسم تهديدها إن تمخّضت التجربة المعارضة القوية عن مشروعٍ إقتصادي إجتماعي فاشِل.
لقد فتحت تجربة تركيا السباق على مصراعيه للإسلاميين بالدخول في غمار المنافسة الإقتصادية البرنامجية ، لكن الفشل يُهدّدها في حال عدم حصولها على السلطة كاملة.
السلطة المنقوصة المقتسَمة مع العسكر أو مع المخزن تجعل الأداء السياسي خاضعاً لإرادة الحاكم الفعلي الحقيقي، لذلك سارع أردوغان إلى التحوّل نحو النظام الرئاسي ليخرج من هيمنة الدولة العميقة على النسّق السياسي. الصراع اليوم هو صراع خارجي داخلي لا مكان فيه للديمقراطيات الضعيفة أو المشتّتة القيادة.
الدعوة والدولة:
الرهان على الأداء السياسي يجعل المشروع الإسلامي مشروعاً سياسياً فاقِداً لعمقه الدَعوي الذي كان السبب الأساس صعود الإسلاميين للحكم. تحوّلت أغلب الأحزاب الإسلامية نحو الإعلان عن مدنيّتها وعلمانيّتها السياسية، لكنها لم تنجح في انتهاج سياساتٍ ثوريةٍ حقيقيةٍ في ظلّ الواقع الذي أنتجه الربيع العربي المتحكّم فيه.
لم تسمح الدول الغربية لربيع الإسلاميين أن يختطّ تجربته المستقلّة، كما أن الإسلاميين أنفسهم لم يتمكّنوا من مواجهة التأثيرات الخارجية وبناء نسق واضح مستقرّ مع مطالب المحيط الدولي ( أميركا-إسرائيل-أوروبا- الصين روسيا). نموذج السلطنة العثمانية، كسلطنةٍ إقتصاديةٍ برنامجيةٍ، تفرض على الإسلاميين الخروج بمشاريع وطنية واضحة وصادِمة لجمهورٍ عريضٍ من الأتباع. لقد فرّط الإسلاميون في الحواضن الإجتماعية والشعبية وانخرطوا في "لعبة الأمم" وعلاقات المحيط الداخلي بالخارجي.
لقد أسهم الربيع العربي في تدويل قضية الإسلاميين وتقوية وجودهم كمعارضةٍ مقبولةٍ سياسياً لكنه هدّد من جهةٍ أخرى الهياكل في رأسمالها البشري الدَعوي الذي جسّد عنوان قوّتها التاريخية منذ عهد حسن البنا.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً