علي أبو الخير

كاتب مصري.

مصر تحاول إعادة العلاقات المصرية الإفريقية إلى قوّتها

تبقى المؤتمرات التي تعقدها مصر مع دول إفريقيا على المستويات السياسية والاقتصادية مهمة، ولكنها لا تلغي باقي الأدوار، التي يجب أن تؤدّيها باقي المؤسّسات الثقافية والعلمية والدينية، هذا فضلاً عن الأدوار السياسية، فكلها تكمل بعضها.

  • إن الدور المصري في العُمق الإفريقي شهد صعوداً، منذ ثورة تموز/يوليو 1952

افتتح الرئيس عبدالفتاح السيسي للمرة الثالثة على التوالي، في مدينة "شرم الشيخ" مؤتمر "إفريقيا 2018"، الذي عُقِد خلال الفترة من 7 إلى 9 كانون الأول/ديسمبر 2018 تحت عنوان "القيادة الجريئة والالتزام الجماعي وتعزيز الاستثمارات البينية الإفريقية"، والذي تُنظّمه "وزارة الاستثمار المصرية"  بالتعاون مع الوكالة الإقليمية للاستثمار، التابعة لمنظمة الكوميسا (السوق المشتركة لشرق وجنوب إفريقيا)، ورغم أنه مؤتمر اقتصادي استثماري، ولكنه أيضاً محاولة سياسية لاسترداد الدور المصري في العُمق الإفريقي، والذي غاب منذ أواخر السبعينات حتى اليوم، ولأن البناء أصعب من الهدم، لذا فإن عودة الدور المصري تحتاج إلى سنوات، ليس فقط من أجل عدم تأثّر مياه نهر النيل لمصر، ولكنه أيضاً من أجل منع العَبَث في المحيط الجغرافي الجنوبي لمصر.

إن الدور المصري في العُمق الإفريقي شهد صعوداً، منذ ثورة تموز/يوليو 1952، حيث قامت مصر بقيادة الرئيس "جمال عبد الناصر" بدورٍ محوري في دعم كفاح حركات التحرّر الوطني في الدول الإفريقية،  وأتت تلك المرحلة أُكلها، حيث كان العام 1960 عام التحرّر الإفريقي، إذ حصلت 71 دولة إفريقية على استقلالها في ذاك العام وحده، وشهد المبنى رقم 5 في شارع "أحمد حشمت" في منطقة "الزمالك" في القاهرة استضافة عدد من الثّوّار الأفارقة،  الذين صاروا رؤساء  في بلادهم، منهم الزعيم الغاني "كوامي نكروما"، الذي صار رئيساً لدولة "غانا"، والزعيم الجنوب إفريقي الراحل "نيسلون مانديلا"، الذي جاء إلى القاهرة عام 1961 سيراً على الأقدام من جنوب إفريقيا، بسبب عدم امتلاكه ما يكفيه من المال، وأيضاً لأنه ثوري هارِب أُدرِجَ إسمه على قائمات الطيران والمعابر، بأنه مطلوب القبض عليه، حتى وصل جنوب السودان واستقلّ الطائرة إلى مصر، استغرقت رحلته من جنوب إفريقيا إلى مصر حوالى شهرين، وكانت هذه الزيارة سرّية بالتنسيق مع الرئيس جمال عبدالناصر، ومساعده وزير الإرشاد (الإعلام) الأسبق "محمّد محمّد فايق"، الذي كان له دور بارز في التعامل السياسي والنضالي والإعلامي مع دول إفريقيا المُتحرّرة حديثاً آنذاك، وهو مازال حيّاً، تستفيد الدولة المصرية من خبراته مع إفريقيا.

وقد أسّست مصر "الشركة المصرية للتصدير والاستيراد"، التي أشرفت وموّلت حركات التحرّر في إفريقيا، وقضى "نيسلون مانديلا"، في مصر ما يقرب من عامٍ كاملٍ في نفس الدار في "الزمالك"، وخلال تلك الفترة الناصرية، شهدت مصر والدول العربية التزاماً إفريقياً بالمقاطعة الإفريقية للدولة الصهيونية، حيث لم تعترف دولة إفريقية بإسرائيل، باستثناء دولة "جنوب إفريقيا" العنصرية وقتها، ولم تشهد أيّ توتّر في علاقات مصر وأثيوبيا، حتى في ظلّ حُكم الإمبراطور الإثيوبي "هيلا سيلاسي"، رغم موالاته للغرب الرأسمالي.

ثم شهدت نهاية السبعينات تحوّلاً أساسياً في ارتباطات مصر الخارجية في عهد الرئيس "أنور السادات"، عن الشكل الذي اتّخذته منذ الخمسينات والستينات، فقد تقدّمت مصالح واهتمامات مصر الوطنية على التزاماتها العربية والإفريقية، واستبدلت العلاقة مع الاتحاد السوفياتي بعلاقة ومشاركة مع الولايات المتحدة الأميركية والغرب، ولذلك لم يكن غريباً، أن تقوم الدول الإفريقية بتأسيس علاقات سياسية واقتصادية وعسكرية مع الكيان الصهيوني، وذلك بعد عقد اتفاقيات كامب ديفيد  1979بين مصر وإسرائيل، وهي الدول الإفريقية التي لم تعترف بالكيان الصهيوني إلا أواخر السبعينات.

وظلّت العلاقات بين مصر وإفريقيا تتأرجح بين التباعُد والتلاقي، ولكنها لم تعد إلى ما كانت عليه، وشهدت الثمانينات والتسعينات وحتى اليوم دوراً إسرائيلياً مُتنامياً داخل القارّة السمراء، ووصلت الحال إلى أن ساعدت إسرائيل أثيوبيا بالسلاح، كما ساهمت في الزراعة والمياه، وفي عامي 2003 و2004، تم ترحيل يهود "الفلاشا"، من أثيوبيا إلى إسرائيل، وهو ما أكّد أن للدولة العبرية علاقاتها المُتنامية في حوض نهر النيل، وهو دور معلوم في العَبَث بالمجال المصري الجنوبي، وهي التي لا تنسى رفض مصر المُتكرّر لتوصيل مياه نهر النيل إلى "صحراء النقب "عبر "شبه جزيرة سيناء"، ولا تنسى المُقاطعة الشعبية المصرية لها، وتعلم أن مصر هي العدو التاريخي لها، وبالتالي تحاول حصار مصر من خلال التعاون مع دول حوض نهر النيل.

على أن الأحداث تواصلت لتزيد العلاقات المصرية الأثيوبية والإفريقية سوءاً وتوتّراً، فقد حدثت محاولة اغتيال الرئيس السابق "حسني مبارك" في العاصمة الأثيوبية "أديس أبابا" في 26 حزيران/يونيو 1995، ومنذ ذاك العام، تقلّصت العلاقات مع أثيوبيا والسودان ومُعظم دول القارة، وبدأ الحذر الإفريقي في التعاون العَلني مع إسرائيل يتلاشى ويأخذ دوراً جديداً، خلالها قام رئيس وزراء أثيوبيا الأسبق "هايلماريام ديسالين"، بالتعاون التام مع إسرائيل وقطر والسعودية، الذي قام أحد أهم رجال أعمالها من أصلٍ إثيوبي، هو "محمّد حسين العمودي"، بالتبرّع الضخم لتمويل السد، وحدثت  حملات إعلامية إفريقية ضدّ مصر، مُتّهمة إياها بأنها تتعامل بغرورٍ وعنصريةٍ مع باقي دول القارة السمراء، ولذلك لم يكن غريباً أن تستغلّ الدولة الأثيوبية الاضطرابات التي حدثت بعد ثورة 25 كانون الثاني/يناير 2011، أن تعلن عن بداية بناء "سد النهضة"، ولم تتمكّن مصر من منعها من البناء، ولكنها تسعى من خلال المفاوضات المستمرة حتى الآن، إلى عدم تأثير السد على حصّة مصر التاريخية من المياه وقدرها 55 مليار متر مكعب سنوياً.

هنا تأتي مسألة قضية عودة العلاقات بين مصر وإفريقيا إلى سابق عهدها، تحتاج إلى تلافي كل السلبيات التي حدثت خلال الأربعين عاماً الماضية، كما يجب استغلال علاقاتها بالدول العربية والجامعة العربية في إعادة العلاقات مع إفريقيا بالقوّة السابقة، أيضاً يجب إعادة القوّة الناعِمة للكنيسة المصرية والأزهر الشريف، فالكنيسة المصرية الأرثوذكسية تُشرف على كل المسيحيين الأرثوذكس في إفريقيا والعالم، وكل مواطني أثيوبيا يدخلون ضمن رعايا الكنيسة المصرية القبطية، ودور الأزهر الشريف لا يقلّ أهمية، فعلى عاتِق الأزهر الإسهام في دعم العلاقات، من خلال زيادة عدد الوافدين المسلمين الأفارقة للدراسة في الأزهر، وأن يكثّف شيوخ الأزهر من بعثاتهم إلى الدول الإفريقية، وهو الذي كان له دور قريب في وقف المجازر ضدّ المسلمين في جمهورية "إفريقيا الوسطى".

على أية حال تبقى المؤتمرات التي تعقدها مصر مع دول إفريقيا على المستويات السياسية والاقتصادية مهمة، ولكنها لا تلغي باقي الأدوار، التي يجب أن تؤدّيها باقي المؤسّسات الثقافية والعلمية والدينية، هذا فضلاً عن الأدوار السياسية، فكلها تكمل بعضها.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً