علي أبو الخير

كاتب مصري.

بعد سبعين عاماً من اغتيال حسن البنا

ومن هذا المنطلق، لا يجب أن يفهم أن ما أصاب قوى الإسلام السياسي من خسارة فادحة في مصر بعد هزيمتهم يوم عزل الرئيس الأسبق "محمّد مرسي" يوم 3 تمّوز/يوليو 2013، سوف ينتج بالضرورة نفس الأثر على ظاهرة الإسلام السياسي بها.

سبعون عاماً مضت على مقتل مؤسس جماعة "الإخوان المسلمين" حسن البنا
سبعون عاماً مضت على مقتل مؤسس جماعة "الإخوان المسلمين" حسن البنا

سبعون عاماً مضت على مصرع مؤسّس ومرشد جماعة  "الإخوان المسلمين" الأول"حسن البنا"، ومازال مسلسل الدم يجري في مصر بين الدولة وبين جماعات الإسلام السياسي من أول الإخوان وحتى حركات السلفية الجهادية، لأنه ما بينهما خيط رفيع قد لا يُرى، كلها تتفق حول ضرورة إحياء الخلافة وأستاذية العالم، ولكنها تختلف حول كيفية التطبيق، وتحدث مواجهات دموية كما حدث ويحدث.

ومن الصدف العجيبة بعد سبعين عاماً من مقتل "حسن البنا"، أن تحدث جريمة إرهابية جديدة في "سيناء" يُقتل فيها خمسة عشر جندياً، يوم السبت 16 شباط/فبراير 2019، وأن ينفّذ قطاع مصلحة السجون بسجن الاستئناف بالقاهرة يوم 20 شباط/فبراير 2019، حكم الإعدام الذي أيّدته محكمة النقض، ووافق عليه مفتى الديار المصرية في 9 من المتهمين باغتيال النائب العام الراحل المستشار "هشام بركات"، الذي تم اغتياله يوم 29 حزيران/يونيو 2015، لأنهم يروه السبب والذي أعطى الأمر بفض اعتصام ميدان "رابعة العدوية" في آب/أغسطس من عام 2013، ومن الطبيعي أن يهيج أعضاء الجماعة داخل مصر وخارجها، ويدينون ويشكّكون في أحكام الإعدام المتتالية، نظرا لأن القضايا متتابعة منذ عام 2013، وهو ما يجعلنا نربط بين الإرهاب وبين الإسلام السياسي كفكرة لا تموت، ومن المفيد هنا أن نتذكّر ما حدث قبيل اغتيال"حسن البنا"، فقد ترشدنا لمستقبل الإسلام السياسي كله، لأن أعضاء الجماعة بأسرهم ينكرون اغتيالهم للنقراشي.

لقد سارت الأحداث قبل سبعين عاماً بسرعة مدهشة، فقد قام رئيس الوزراء المصري محمود فهمي النقراشي بحل جماعة الإخوان المسلمين يوم 8 كانون الأول/ديسمبر 1948، وبعدها بعشرين يوماً، أي في يوم 28 كانون الأول/ديسمبر 1948، قام أحد أفراد التنظيم الخاص للإخوان باغتيال النقراشي، وتبرّأ مرشد الإخوان "حسن البنا" بمَن خطّطوا ونفّذوا الاغتيال، وقال عبارته المشهورة "هؤلاء ليسوا إخوانا وليسوا مسلمين"، ولكن القصر الملكي ورئيس الوزراء التالي "إبراهيم عبد الهادي" قرّرا الانتقام، وبالفعل وفي يوم 12 شباط/فبراير 1949، تم اغتيال "حسن البنا"، أي بعد حوالى شهر ونصف شهر، وتم دفن القضية مؤقتاً.

ولكن تحالف الإخوان مع ضبّاط ثورة تمّوز/يوليو 1952، أعطى الفرصة للتحقيق في مصرع "حسن البنا"، فبعد الثورة بيومين إثنين، وبحسب كتاب الصحفي والكاتب الراحل "محسن محمّد"، "مَن قتل حسن البنا"، قامت سلطات الثورة بالقبض على كل من المقدّم محمّد الجزار، والعميد محمود عبد المجيد، والمخبرين الأربعة المتهمين باغتيال "حسن البنا"، وتم التحقيق معهم في السجن الحربي، وتم الحكم عليهم بأحكام مختلفة في آب/أغسطس 1954، وهو ما أكده "سامي شرف" سكرتير الرئيس جمال عبد الناصر للمعلومات ووزير شؤون الرئاسة في الخمسينات والستينات، في مذكراته "سنوات وأيام مع جمال عبد الناصر"، ولكن بعد انقضاء شهر العسل بين عبد الناصر والإخوان ومحاولة اغتيال جمال عبد الناصر يوم 26 تشرين الأول/أكتوبر 1954، تم إطلاق سراح المقبوض عليهم، وتم دفن القضية مجدداً حتى اليوم.

ولكن قضية الإسلام السياسي لا تموت ولا يمكن دفنها، فهي ظاهرة لا يمكن التنبؤ بمستقبلها، ولكن تتعدّد الآراء بشأنها، التي تتراوح بين منتقدين، يعتبرون أن الظاهرة في طريقها للتراجع بل الاختفاء بانتهاء الجماعة الإخوانية ومشروعها، وهناك الخطاب الرسمي للتنظيم الدولي للإخوان، وأتباعه ممَن يؤكّدون أن ما تتعرّض له الجماعة هو محنة وابتلاء، ومؤامرة على الإسلام، وأنه سرعان ما ستعود الجماعة أقوى مما سبق، مثلما خرجوا من السجون في عصر الرئيس "أنور السادات" أقوى مما كانوا عليه.

والحقيقة أن من يخوضون في ذلك الجدل، يخلطون بين تيار الإسلام السياسي وأحزابه وتنظيماته، وبين الظاهرة ذاتها، وما لها من جذور اقتصادية وسياسية واجتماعية؛ فهزيمة جماعة الإخوان وتنظيمات الإسلام السياسي سياسياً، لا تعنى بالضرورة انتهاء ظاهرة الإسلام السياسي، فالظاهرة تظل ما ظلت العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية المنتجة لها، كما أن ارتباط جماعات الإسلام السياسي بالفكر السلفي وشيوخه، يعطي دفعه دائمة للتواجد الشعبي، رغماً عن حظر الدولة المصرية لشيوخهم من الخطب المنبرية ومن الفضائيات، لأنهم يجدون دائماً الوسائل الإعلامية التي تنشر أفكارهم، وهنا لابد من الإشارة إلى أن نشأة القوى الحركية المعبّرة عن ظاهرة الإسلام السياسي، كانت سابقة على نشوء الظاهرة نفسها، وأن هناك عوامل مجتمعية، خاصة بالمجتمعات التي انتشرت فيها، مكّنت لهذه الظاهرة، وبلورت أدبياتها ورؤاها، وساعدت على انتشارها، من دون أن تؤدّى بالضرورة لانتشار القوى المعبّرة عنها بنفس القدر والأسلوب.

ومن هذا المنطلق، لا يجب أن يفهم أن ما أصاب قوى الإسلام السياسي من خسارة فادحة في مصر بعد هزيمتهم يوم عزل الرئيس الأسبق "محمّد مرسي" يوم 3 تمّوز/يوليو 2013، سوف ينتج بالضرورة نفس الأثر على ظاهرة الإسلام السياسي بها، فما حدث في مصر سيظل أثره على الظاهرة ككل، مرتبطاً بمدى قدرة المجتمع والدولة المصرية على التأثير في العوامل التي تنتج وتساعد على انتشار تلك الظاهرة، ومن دون ذلك سوف يبقى الأثر على كل تنظيمات الإسلام السياسي محصوراً في نطاقه الأكبر في الجانب السياسي، وموازين القوى التي تتغيّر من فترة لأخرى، وبالعكس، فمن الممكن أن تؤدّى القدرة التنظيمية العالية للإخوان، وإدارتهم الجيّدة للألعاب السياسية، وقوّة الدعم المادي الهائل الذي تتلقّاه الأحزاب السلفية، إلى تواجد مؤثّر في الساحة السياسية، بغضّ النظر عن قوّتها الحقيقية وسط الجماهير، حتى مع الانحسار الجزئي للظاهرة، ففي كلتا الحالين الوجود المادي السياسي لتلك الأحزاب لا يتناسب بالضرورة مع قوّة أو ضعف تلك الظاهرة.

ومن ثم، يصبح كل ما يتردّد عن انتهاء ظاهرة الإسلام السياسي في مصر، أو انحسارها مرهوناً ليس بمصير جماعة الإخوان المسلمين، بقدر ما هو مرهون بالعوامل المنتجة والمرسّخة لها في التربة المصرية، وإحداث تغيير حقيقي في البنية الفكرية والمعرفية والاجتماعية للمجتمع المصري، بهدف تصفية المنابع الفكرية والثقافية والاقتصادية والسياسية، التي تغذّى ظاهرة الإسلام السياسي، وهو ما يقتضى وجود إستراتيجية كاملة تتضمّن حل الإشكالية التاريخية العميقة بين الدين والدولة، وتبني نظام تعليمي قائم على العقلية النقدية لا النقلية، وإرساء منظومة العدالة الاجتماعية، وإحداث التطوّر الاقتصادي، والاجتماعي والثقافي، وضبط مجال الدعوة في المجتمع، بالمرجعية الأزهرية الوسطية، من بناء قواعد الدولة المدنية الحديثة، التي تأخذ بكل أشكال القوّة، وهي جميعها كما نرى تحتاج لوجود منهج حقيقي يمنع من فكرة تجنيد شباب جُدُد يقومون بعمليات إرهابية، يقتلون فيها ويُقتَلون.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً