"حـال الأمـة العربية": صـراعـات مستدامة واختراقات فادحة

لا تزال الحاجة ماسة إلى الإصلاح السياسي في ظل الأوضاع الحالية، فبنية الأنظمة العربية تحتاج إلى مراجعة وتطوير، ولا بد من تغيير الأوضاع القائمة.

"حـال الأمـة العربية": صـراعـات مستدامة واختراقات فادحة
"حـال الأمـة العربية": صـراعـات مستدامة واختراقات فادحة

 

أصدر مركز دراسات الوحدة العـربية كتاب «حال الأمـة الــعربـية» لعام (2016- 2017) فــي ظــل ظـروف عـربـية بالغة الـصعـوبة، وحمل عنوانًا معبراً ولافتاً وهو "الحلقة المفرغة" ليشير إلى إن بقاء الأوضاع العربية على نفس الوتيرة سيؤدى إلى استمرار الدول العربية داخل تلك الدائرة أو الحلقة اللامتناهية، واستمرار التحديات التي تمر بها بلدان العالم العربي، والتي كان من أبـرزهـا الـصـراعـات المدمرة الــتــي تـــدور عـلـى الأرض الـعـربـيـة مـنـذ ست سـنـوات مـن دون أن تــنجـح أي محـاولـة لتسويتها، ناهيك بإنهائها بما يتسق ومصالح الأمـة العربية في الوقت الـذي تهدد فيه هذه الصراعات كيان الدولة الوطنية العربية، التي وإن اختلفنا على الكثير مـن سماتها، تبقى حـجر الأساس الـباقي لـلنظام العربي الـذي خُشى على انهياره على الرغم من التحفظات التي تثار حول فاعليته.

وتكفي الإشارة إلــى أنـه بسبب هــذه الـصراعـات، انحرف التركيز عن مسار النضال من أجـل استعادة الحقوق الـمـشروعـة للشعب الفلسطيني كأولويـة في جدول الأعمال العربي.

وتولى إعداد التقرير نخبة من الباحثين والمتخصصين، واشتمل التقرير على مجموعة من الدراسات التحليلية المعمقة لأوضاع الوطن العربي، والتي تمت مناقشتها من قبل المؤتمر القومي العربى في بيروت فى أيار/مايو 2017، والذي يعقد بصورة سنوية لدراسة مشكلات وقضايا العالم العربي.

ويركّز الكتاب على تحولات النظام الدولي والسياسات الخارجية للدول الكبرى وتأثيراتها في الوطن العربي، وتصاعد دور وتأثير دول الجوار الإقليمي في الوضع الداخلي العربي، والملامح والقضايا الأساسية للنظام العربي، وتغيّر القضايا في جدول أولويات أطراف هذا النظام، فضلاً عن التطورات الداخلية لعدد من البلدان العربية التي أصابتها رياح الربيع العربي.

ويتضمن الكتاب أربعة فصول إلى جانب الخلاصة التنفيذية والمقدمة والتوصيات، ويقع الكتاب في 173 صفحة، واشتمل على أربعة فصول، وبصورة عامة يضم  الكتاب قسمين أساسيين:

1- القسم الأول عن الإطارين الدولي والإقليمي، واشتمل على فصلين:

- الفصل الأول بعنوان "النظام الدولي والوطن العربي": ورصد هذا القسم  أهم التطورات على الصعيد الدولي، وناقش تأثيراتها القائمة والمحتملة في المستقبل المنظور على القضايا العربية الرئيسة والأوضاع العربية بصفة عامة، كما عرض هذا الجزء لطبيعة التغيرات القائمة في في هيكل النظام الدولي وسياسات القوى الدولية تجاه الأوضاع والقضايا العربية، وصولاً إلى كيفية تعامل العرب مع القوى والمتغيرات الدولية الراهنة. وتضمن هـذا القسم تحليلات بشأن تـأثـيـرات الـنـظام الــدولي، ولا سـيـمـا تـأثـيـرات السياسة الخارجية الأميركية وكذلك الروسية والصينية وكيف أن صعود قوى غير القوى الغربية لم يختلف معه الحال كثيراً في عالمنا العربي، وفق ما تذهب إليه غالبية الرؤى التي قدمها معدو التقرير، فمن الاستغلال الأميركي لثروات العالم العربي، تأتي الهند والصين لتلعب الدور نفسه بالمحددات والنظرة نفسها.

وبذلك فإن واضعي التقرير يدقون ناقوس الخطر للدول العربية، فلا بد من إعادة تقييم الأوضاع الحالية، وتغيير السياسات والخطط إزاء هذا المشهد المعقد، وحتى لا يعاد إنتاج نفس الأوضاع القائمة حالياً. فبالفعل بدأت الصين تظهر في المشهد العربي ولا يخفى على أحد الدور الصيني فى قضية سد النهضة الإثيوبي وتأثيراته المحتملة على حصة مصر من النيل، وكذلك ظهر الدور الروسي بقوة فى سوريا وتدخلها بصورة مباشرة فى الصراع الدائر في سوريا، وما تبعه من إنشاء قواعد عسكرية روسية واحتمالية استمرار بقاء القوات الروسية لما بعد انتهاء الحرب.

– الفصل الثاني: بعنوان "الإطار الإقليمي": وشمل تحليلاً لصعود القوى الإقليمية، مثل تركيا وإيــران ودول أفريقيا، والتأثير العميق في الوقت الراهن لإيران وتركيا على مجريات الأمور في الشرق العربي في لبنان والعراق، وهو ما أطلق عليه التقرير عبارة "تدويل النظام الإقليمي العربي" فـي التفاعلات العربية.

وقد ألقى هذا الفصل الضوء على القوى الإقليمية الجديدة التي بدأت تبحث عن الصدارة فى المنطقة، وبدأت تظهر في الصراع وبالطبع الدور الإيراني فى لبنان وسوريا واليمن، والدور التركي في الحرب في سوريا وشمال العراق، وتداعيات ذلك على العالم العربي من صراع على النفوذ والسيطرة والموارد الطبيعية.

2- القسم الثاني عن النظام العربي وقضاياه، واشتمل على فصلين:

- الفصل الثالث بعنوان "النظام العربي": وتناول مباشرة النظام العربي القائم، ومكوناته، وأثار التقرير فكرة أن هناك الكثير من عوامل الأزمة الكامنة في العالم العربي ككل، أو على مستوى بعض بلدانه وأطرافه، تعود إلى العرب أنفسهم وإلى سياساتهم.

وقد أجاد واضعو التقرير في تشخيص أصل المشكلات التى يعانيها العالم العربي ودوله الممتدة من المحيط وحتى الخليج، فبنية النظم العربية القائمة، وطبيعتها، وصراعها من أجل البقاء والحفاظ على الحكم، وطرق تعاملها مع الأزمات الراهنة بطرق غير صالحة تشبه المسكنات والمهدئات بدلاً من التعامل بأسلوب علمي ومدروس ومخطط مع المشكلات والأزمات الراهنة على كل الأصعدة، وسياسات عدم المصارحة والمكاشفة، والتعامل مع المواطنين على أنهم رعية، والثقافة العشائرية والقبلية والطائفية والعصبية. كل تلك العوامل هى ما يطلق عليه العوامل الداخلية النابعة من طبيعة النظام نفسه، تركيبه وهيكله.

ويمكن القول بأن التقرير في هذا الفصل أجاد تشخيص الوضع الحالي، وتحديد مسببات الأزمات التي عشناها ونعايشها اليوم، فالأزمة بدأت أولاً من الداخل من بنية الدول العربية وداخلها، وساعد على تفاقهما القوى والعوامل الخارجية، وبالتالي فإن أي حل لا بد أن يبدأ من الإصلاح من بنية النظام العربي نفسه لا من خارجه.

- الفصل الرابع بعنوان "قضايا محورية في العالم العربي": وتناول عرض أبرز القضايا العربية وهي القضية الفلسطينية، وبناء الدولة وأزماتها في لبنان والعراق، وبلدان الربيع العربي، كما تناول التقرير الأوضاع الاقتصادية في العالم العربي، ومؤشراتها كالدخل العام ومستوى دخل الفرد، ومؤشرات الإنفاق، وسبل معالجة أزماته واختلالاته الاقتصادية على اختلاف الأوضاع بين بلدانه.

وقد تعامل مؤلفو ومحررو الكتاب ببراعة مع أبرز القضايا التي تواجه العالم العربي، وأولاها القضية الفلسطينية، فضلاً عن مشكلة بنية الدولة ونظام الحكم في لبنان والعراق ومصر وتونس وسوريا وليبيا، إضافة لما يعانيه الأفراد في الدول العربية من مشكلات اقتصادية، وانخفاض مستوى دخل الفرد، والاختلالات والأزمات الاقتصادية التي تعصف بالمنطقة حتى الغنية منها. فدول مثل المملكة العربية السعودية بدأت في ضغط النفقات والبحث عن موارد مالية جديدة عبر مجموعة من الإجراءات كرفع أسعار المحروقات، وتقليل أوجه الدعم الموجه للمواطنين نتيجة تراجع أسعار النفط بالمقارنة بالماضي، وارتفاع تكلفة فاتورة حرب اليمن، وشراء نظم تسليح من الولايات المتحدة الأميركية والدول الغربية لمواجهة العدو التقليدي "إيران"، وتوجيه جزء من الدعم لميليشيات المعارضة المسلحة في سوريا لمواجهة الجيش السوري وحلفائه، وغير ذلك من العوامل.

ومن هنا فإن على الدول العربية أن تبدأ التخطيط في تقليل تلك التداعيات، وترشيد الإنفاق، والاتجاه نحو تحقيق التكامل الاقتصادي والتجاري بين الدول العربية وتحقيق مزيد من التنسيق والتعاون بين الدول العربية لمواجهة الأزمات القائمة.

 

خاتمة:

بصفة عامة يعد كتاب حال الأمة العربية لعام 2017  غاية في الأهمية لما يتناوله من موضوعات ومشكلات راهنة وقائمة على الساحة العربية، وما يدقه من ناقوس للخطر للدول العربية حول الكثير من المشكلات والأزمات الراهنة، وما يطرحه من حلول سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي.

فقد جاء عنوان الكتاب "الحلقة المفرغة: صراعات مستدامة واختراقات فادحة" معبراً عما تعيشه دول العالم العربي لسنوات عدة، إذ يبدو وكأننا دخلنا حلقة مفرغة، تتكرر أخطاؤنا بنفس الشكل، وتستمر الأزمات قائمة وتشتد، ونبحث عن المسكنات بدلا ًمن البحث عن حلول جذرية لتلك المشكلات ومسبباتها.

ففي ظل ظروف عربية بالغة الصعوبة يتناولها التقرير عرضاً وتحليلاً، مغطياً تطوراتٍ وأحداثاً كبرى يمر بها الوطن العربي، سواء على مستوى التطورات المجتمعية، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، أم على مستوى العلاقات البينية بين أقطاره المختلفة، أم على مستوى تفاعل الوضع العربي في الإطارين الإقليمي والدولي.

وتناول الكتاب بالتحليل أبرز القوى المؤثرة في قضايا وأحوال العالم العربي، والدور الذي تؤديه هذه القوى في الفترة الراهنة والقوى المؤثرة فيه سواء إقليمياً كتركيا وإيران أو عالمياً كروسيا والولايات المتحدة الأميركية وخصائص وملامح هذه القوى، إضافة إلى تحليل بنية النظام العربي من الداخل والعوامل المؤثرة فيه محلياً، وهذا يزيد من أهمية هذا التقرير خصوصاً مع قلة الدراسات والتقارير الصادرة عن مؤسسات ومراكز بحثية عربية، وإن غاب عنه استخدام منهجية دراسة ورسم سيناريوهات المستقبل، وكيفية التعامل مع كل من تلك السيناريوهات.

ومن ثم يمكن القول إن هناك حاجة إلى تحقيق التكامل والتنسيق والتعاون بين الدول العربية في مواجهة الأخطار والأزمات القائمة، والتعامل مع القوى الإقليمية الراهنة كتركيا وإيران، والقوى العالمية كالولايات المتحدة وروسيا والدول الغربية.

ولا بد من ترشيد الإنفاق على كثير من البنود وتوجيه تلك المصادر لرفع مستوى دخل المواطن العربي، وتحسين مؤشرات الصحة والتعليم والخدمات المختلفة والتي تشهد تدهوراً وتراجعاً في أغلب دول العالم العربي.

ولا تزال الحاجة ماسة إلى الإصلاح السياسي في ظل الأوضاع الحالية، فبنية الأنظمة القائمة تحتاج إلى مراجعة وتطوير، ولا بد من تغيير الأوضاع القائمة بصورة تدريجية استجابة للمتغيرات العالمية والمحلية ومطالب الأفراد والشعوب العربية. فالوضع صار حرجاً للغاية والأزمات تتفاقم ولم يعد هناك مجال للانتظار أو الصمت، وخريطة الوطن العربي تتمزق يوماً بعد الآخر.