"الإنسان العاري".. الدكتاتورية الخفية للعالم الرقمي

يجري البنتاغون أبحاثاً لدراسة طائر "الشرشور" الذي يستطيع أن يبقى يقظاً لمدة 7 أيام متتالية ، كي يستفيد من قدرته الفريدة في خلق أفراد يستغنون عن النوم ويحافظون على جهوزيتهم لأكثر من 24 ساعة.

 

  • "الإنسان العاري".. الدكتاتورية الخفية للعالم الرقمي

 

تختصر الحكاية التي يرويها كتاب "الإنسان العاري: الدكتاتورية الخفية للرقمية" لمؤلفيه مارك دوغان الكاتب والروائي والسينمائي والصحافي، و الصحافي والمختص بالمسائل الدفاعية، مدى هيمنة شركة "غوغل" على العقول. 

يروي رئيس مجموعة هافاس (مجموعة متخصصة في التواصل وميدان الإشهار يانيك بولوري، أنه سافر في بداية 2014 إلى سان فرانسيسكو للقاء مسؤولي غوغل، و"عندما حطت بنا الطائرة شغلت هاتفي وتلقيت رسالة نصية تخبرني أن هناك بجانب فندقي مطعماً يابانياً يقدم السوشي سومون، بتخفيض 15 بالمائة عن السعر العادي. فأقلقني هذا النص، فقد كانت تلك هي وجبتي المفضلة. 

وعندما وصل بولوري إلى مقر "غوغل" وسأل بصوت عالٍ: من يكون هذا الذي بعث لي هذا الإشهار، فرد أصحاب غوغل: نحن من فعل ذلك، لقد حددنا موقعك منذ نزولك في المطار، لقد اطلعنا على مذكراتك وبريدك وعرفنا في أي فندق ستنزل، وأنك تحبّ السوشي سومون.

ويضيف بولوري بأنه تساءل: "وما موقع الحياة الخاصة عندكم: فأجابوني: اَه الحياة الخاصة؟".

عام 2016 وفور صدور كتاب "الإنسان العاري" بطبعته الفرنسية تحول إلى الكتب الأكثر مبيعاً في عالم الدراسات حول الفضاء الافتراضي الرقمي. وقد أحدث هذا المٌؤلَف هلعاً، وكان بمثابة إنذار خطير على ما وصلت إليه "قوات تدخل عالم الإفتراضي" والتي سماها الكتاب: "الدكتاتورية الخفية للرقمية" من تحكم شركات "غوغل" و"فيسبوك" و"تويتر" عبر الشركات العالمية على عالمنا وعقولنا وطريقة تفكيرنا وسلوكنا.

إن شركة اَبل وميكروسوفت وغوغل أو فايسبوك يمتلكون 80 بالمائة من المعلومات الشخصية الرقمية للإنسانية التي يطلق عليها المؤلفان "المنجم الذي يملك الذهب الأسود الجديد".

لقد نجحت شركات غوغل واَبل وفايسبوك وامازون في الإستحواذ على مجمع العالم الرقمي. فشركات "القارة السابعة" كما يسميها البعض هي التجسيد الجديد للقوة الأميركية الفائقة.

وقد شرح بالاجسي سريفاناسون وهو نجم صاعد في عالم الإنترنت في محاضرة ألقاها عام 2013 "أن الولايات المتحدة أصبت عملاقاً يسير نحو الإنحطاط،، وسيلفظها التاريخ، وعلينا خلق أمة قوامها الشركات".

وقد تزامن كتاب "الإنسان العاري" مع كتاب "أنا أُوسِيلفي إذن أنا موجود: تحولات الأنا في العصر الافتراضي" للفيلسوفة والمحللة النفسانية الفرنسية إلزا غودار، الذين أصدرهما المركز الثقافي للكتاب في الدار البيضاء/ بيروت.

وبحسب مترجم الكتابين الناقد المغربي سعيد بنكراد، فكلاهكا يشير إلى وجود خطر يهدد البشرية في مناطها الأكثر أصالة: الذاكرة  واللغة. فلم يعد الإفتراضي لعبة عارضة في حياة الناس، بل تحول إلى وجود حقيقي له "هوياته و"أنواته" وضمائره ومساحاته وفضاؤه وزمانه.

فعوض أن يبحث الناس في الحياة الحقيقة عن أصدقاء حقيقيين، راحوا يلهثون في الشبكات الإجتماعية وراء "صداقات" وهمية خالية من أي دفء إنساني. وهذا دليل اَخر على أن الفضاء الحميمي يجنح إلى الإختفاء، فالحياة الخاصة أصبحت شذوذاً، كما يؤكد مؤلفا الكتاب.

المفارقة الغريبة أن هذه الثورة الإفتراضية بإنجازاتها الكبيرة لم تقد كما كان مؤملاً إلى تجدد الإنسانية، وإلى بلورة المزيد من القيم التي تحتفي بروح الأخوة والصداقة، بل أعلنت عن ميلاد "فرد فائق" يتحرك ضد نفسه وضد المجموع ضمن ممكنات "واقع فائق". إنه إنسان "مزيد" بالإفتراضي والبدائل الصناعية، ولكنه مفرغ من الداخل.

وإلا ما معنى الانتقادات القاسية التى وجهها الفيلسوف والكاتب الإيطالي الكبير أمبرتو إيكو لموقعي التواصل الاجتماعى "فيسبوك" و"تويتر"، فى مقابلة صحافية قال فيها: "إن أدوات مثل (تويتر وفيسبوك) تمنح حق الكلام لفيالق من الحمقى، ممن كانوا يتكلمون فى البارات فقط بعد تناول كأس من النبيذ، من دون أن يتسببوا في أى ضرر للمجتمع، وكان يتم إسكاتهم فوراً. أما الآن فلهم الحق فى الكلام مثلهم مثل من يحمل جائزة نوبل. إنه غزو البلهاء".

يخبرنا المؤلفان أن وكالة الأمن القومي الأميركية تعرف عن المواطنين أكثر مما يعرفه عنهم جهاز "ستازي" في زمن ألمانيا الشرقية. فهذه الوكالة الأميركية تطلع على كل حركة وكل تبادل إلكترروني وعلى كل لحظة في حياتهم اليومية. فنحن نعرف أن هناك جاسوساً في جيوبنا، هو الهاتف المحمول، ما يعادل عميلاً من "ستازي" يسجل بدقة تنقلاتنا ويرصد هوية كل الذين نحن في اتصال معهم، ويتعرف على أصدقائنا ويمد عنقه عندما نسجل أشياء في أجندتنا أو نكتب رسالة قصيرة أو نتلقى إيميلاً أو نتصفح ألبوم صورنا في الفيديو. إنه ضابط حياتنا، ذاك الذي لا نخفي عنه شيئاً. ويسمى مشغل هذا الجاسوس اَبل أو غوغل اللذين يتحكمان لوحدهما في 90 بالمائة من أنظمة استغلال كل الهواتف الذكية فوق الأرض.

ويُحدد غوغل بيانات مستعمليه بحسب معايير اجتماعية-ديموغرافية، وهي معايير مرتبطة بمراكز اهتمامنا المستخرجة من تاريخ البحث، ومن مضمون تبادلاتنا في خدمة البريد الداخلي. فيجب التعامل مع كل فرد باعتباره مستهلكاً لكي يستطيع العالم التجاري أن يكون قريباً من عاداته ورغباته.

يقول المؤلّفان: "يعدّ نومنا بالنسبة للشركات الرقمية الكبرى وقتاً ميتاً"، فهو خارج الاتصال ولا يدرّ أية أرباح عليها". ويضيفان: إن التغلب على النوم هم من انشغالات البيغ داتا (البيانات الكبيرة) التي تتعاون مع البنتاغون في كثير من مجالات البحث. ولأن هذه الشركات تحلم بمستهلك مرتبط بالإنترنت طول الوقت، بل ويهمها أيضاً أن يطول عمر هذا المستهلك، لذا تسعى بعض الشركات لرعاية المستهلك وتمديد سنوات حياته، وبالتالي إطالة عمره الاستهلاكي. وقد صرّح أحد مؤسّسي "غوغل"، لاري بيغ، بأن "غوغل تريد القضاء على الموت" وقد أسس شركة باسم "لايف كومبني"، وخطتها هي تمديد الأمل في الحياة بعشرين عاماً إلى حدود 2035، من خلال محاربة الأمراض حتى قبل أن تكون هناك أية عرض على وجوده.

ولهذا انتفض صاحب كتاب "24/7 الراسمالية تهاجم النوم" الباحث الأميركي جوناثان كراري أستاذ نظرية الفن الحديث في جامعة كولومبيا في نيويورك، على عصر مفتوح 24/7 حيث يعتبر أن الرأسمالية بسطت هيمنتها على كل شيء، ولم يبقَ لها من عائق سوى النوم. فالنوم يبدو في ضرورته الفيزيولوجية واندفاعه الحلمي، آخر حاجز موضوع أمام الاحتلال الرأسمالي للحياة اليومية.

يشرح جوناثان كراري السبل التي يتوخاها رأس المال لخلق عامل أشبه بجنديّ مرابط على جبهة القتال، لا يكحّل النوم جفونه أبداً، تماماً مثل طائر "الشرشور ذي العنق الأبيض" ذلك الطائر الذي يستطيع أن يبقى يقظاً سبعة أيام متتالية أثناء هجرته، حتى أن وزارة الدفاع الأميركية وضعت برنامجاً يدوم خمس سنوات لدراسة البنية الفيزيولوجية لهذا الطائر العجيب، كي تستفيد من قدرته الفريدة، في خلق أفراد يستغنون عن النوم ويحافظون في الوقت ذاته على فعاليتهم وجهوزيتهم لأكثر من 24 ساعة.

وحسب كراري، فإن البنتاغون يأمل في التوصل من هذه الدراسة إلى معلومات ومعارف عن نظام التحكم لدى الإنسان.

يؤكد المؤلفان أن الولايات المتحدة هي من يتحكم اليوم في "البيغ داتا". فقد أصبح بيل غيتس ومارك زوكربيرغ صاحب فايسبوك واَخرون هم اَل روكفلر الجدد، نسبة إلى أغنى العائلات الأميركية. هؤلاء فوضتهم الدولة الأميركية باستغلال وتخزين وتكرير المناجم الرقمية. فلم يحدث في تاريخ البشرية أن وضع عدد قليل من الأشخاص بين يديه هذا الكم الكبير من السلطة والثروة. لقد أعلن العالم الرقمي عن ميلاد أوليغارشية فائقة.

وعلى عكس ما حدث مع النفط، فإن المعطيات هي مادة أولية لا تنفد، إنها تنبعث باستمرار في أنابيب الرقمية. فـ90 بالمائة من كتلة المعطيات جمعت في السنوات الأخيرة.

ففي أقل من 15 سنة أصبحت غوغل، اأكبر مقاولة في العالم. وفي 2016. ووصلت قيمته في البورصة إلى 544.7 مليار دولار.

يؤكد كتاب "الإنسان العاري" أنه في كل لحظة ترسل حوالي 300000 تغريدة و15 مليون رسالة قصيرة و204 مليون رسالة إلكترونية في كل أنحاء العالم، وترقم الأجهزة المحمولة والهواتف الذكية الأخرى أدوات تحصل من خلالها "البيغ داتا" على معطياتنا الشخصية.

ولهذا يعتبر المؤلفان أن ما نشتريه أو نود شراءه، وما سنستهلكه وما سنفعله في معيشنا اليومي وصحتنا وطريقتنا في قيادة السيارة وسلوكنا العشقي والجنسي واَرائنا كل هذا تتم دراسته.

ويكشف المؤلفان عن أن البشرية تنتج منذ عام 2010 من المعلومات في يومين ما أنتج منذ اكتشاف الكتابة. فـ98 بالمائة من هذه المعلومات هي الاَن مخزنة في شكل رقمي. نحن في حضرة تخزين كلي للمعطيات في العالم. فكل شيء يمر عبرها: الصور العائلية، الموسيقى ولوحات شهيرة وقصائد ووصفات طبخ.. يتعلق الأمر بضبط شامل يمكن من وضع معايير للحياة الإنسانية في أدق تفاصيلها، والشركات الخاصة هي من تستغل هذه المعطيات.