كيف يستفيد العرب من تجارب الاَخرين في الديمقراطية؟

برغم كل العيوب والملاحظات على الديمقراطية، إلا انها تبقى أفضل نظام ابتكره البشر لإدارة أمور المجتمع والدولة. فأسوأ نظام ديمقراطي أفضل من أصلح الديكتاتوريات.

  • كيف يستفيد العرب من تجارب الاَخرين في تطبيق الديمقراطية؟

تكمن أهمية كتاب: "الانتقال إلى الديمقراطية: ماذا يستفيد العرب من تجارب الاَخرين؟" ضمن سلسلة عالم المعرفة الصادر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والاَداب في الكويت، في أن مؤلفه الدكتور علي الدين هلال، أضاف إضافات جوهرية فى البحث العلمي والسياسة المصرية.

 فعلي الدين هلال يعتبر من أهم أساتذة العلوم السياسية فى الوطن العربي. وقد ارتبط أسمه بأساتذته من أمثال عبدالملك عودة وحامد ربيع وبطرس بطرس غالي وغيرهم.

على الجانب الإكاديمي، يعتبر علي الدين هلال مؤسساً لعلم السياسة الحديث فى مصر. فقبل إلتحاقه كأستاذ في جامعة القاهرة، لم يكن علم السياسة أكثر من دراسة أخرى للقانون الدستورى والدولي ونظم الحكومات، وعندما تم إنشاء كلية الاقتصاد والعلوم السياسية عام 1960 أضيف بعضاً من مناهج كليات الآداب فى الفكر السياسي، وتاريخ العلاقات الدولية.

 والعجيب أن أغلب هذه المناهج كان للحديث عن "السياسة" فى دول أخرى، ولم تكن مصر فى الصورة، وحتى عام 1970 لم تكن هناك دراسة للنظام السياسي "الإسرائيلي" رغم الحروب الكثيرة مع الكيان الغاصب.

وفور رجوع هلال من بعثته الدراسية في كندا، وحصوله على درجة الدكتوراه من إحدى جامعاتها عام 1972، شرع في نقل علم السياسة الحديث إلى المجال الأكاديمي المصري، وتأسيس مدرسة متكاملة للمناهج الفرعية للعلم مع تطبيقها على مصر من تأسيس "السياسات العامة" إلى "النظام الإقليمي العربي"، حتى وصل الأمر إلى المناهج الجديدة في دراسة علم السياسة.

وقد أطلقت عليه تلميذته الدكتورة نيفين مسعد، لقب "جبرتي النظام السياسي المصري"، فقد أرخ في أهم كتبه "تطور النظام السياسي في مصر"  للفترة الممتدة من عهد محمد علي الكبير (1805 - 1848) إلى أبرز المراحل المختلفة لتطور النظام السياسى في مصر. 

وقد تحولت كل كتب هلال إلى مراجع أساسية لطلاب واستاذة العلوم السياسية، وبالاخص منها كتبه: "النظام الإقليمي العربي"، "أميركا والوحدة العربية"، و"النظم السياسية العربية"، وتقرير "حال الأمة" الذي يشارك في تحليله سنوياً ويصدر عن مركز دراسات الوحدة العربية. وقد لعب كتابه "السياسات الخارجية العربية" ككتاب تأسيسي، دوراً كبيرا،ً وكان له تأثير قوي في الجامعات العربية وعدد من الجامعات الأجنبية. وقد حصل على وسام العلوم والفنون من الطبقـة الأولى في عام 1979 عن كتابه "السياسة والحكم فى مصر".

يستبق علي الدين هلال بذكائه المعهود كعالم سياسي وأستاذ أكاديمي، قراءه العرب ويشرح لنا، لماذا هذا الكتاب: "الانتقال إلى الديمقراطية"، وما الذي سيضيفه إلى عشرات الكتب التي صدرت في هذا الموضوع؟

يجيب هلال بأن الجديد فيه:

أولاً: إن كتاب "الإنتقال إلى الديمقراطية" موضوعه الخبرات الدولية للإنتقال الديمقراطي، ولكن هدفه فهم العوامل التي أدت إلى تعثر الإنتقال إلى الديمقراطية في العالم العربي. ولا يمكن إدراك ذلك إلا بالمقارنة وتحليل تجارب التطور الديمقراطي في دول ومجتعات مختلفة. 

ويشدد هلال على ذلك بقوله: ما أشد احتياجنا إلى هذه النظرة بدلاً من الإستمرار في إنهاك عقولنا وتفكيرنا في البحث عن "خصوصيات عربية" لا سند لها في الحقيقة إذا ما عرفنا ما حدث في الدول الأخرى.  

ثانياً: أن الجديد في الكتاب أنه يتساءل عن ماهية تلك "الديمقراطية" التي ننتقل إليها، وهل هي كما يُهلل الباحثون الغربيون لها مجموعة من المؤسسات والإجراءات المتعلقة بطريقة الوصول إلى الحكم وتداول السلطة من يد إلى أخرى، وهو ما يسمى بالديمقراطية الإجرائية؟ أو أنها هي النظام الذي يؤدي إلى تبني الحكومات مجموعة من السياسات العامة التي توفر فرص حياة متساوية لأكبر عدد من المواطنين، وتحقق العدالة الإجتماعية بين الأفراد والجماعات والطبقات والمناطق، وهو ما يُسمى مضمون الديمقراطية أو الديمقراطية الغائية؟

وباختصار شديد يؤكد هلال أن البحث في موضوع الديمقراطية هو بحث في شرعية الدولة وشرعية النظم السياسية والإجتماعية.

ثالثاً: إن هذا الكتاب يصدر بعد ما يزيد على ربع قرن من ثورات دول شرق أوروبا التي دشنت العملية السياسية الكبرى التي أدت إلى سقوط عشرات النظم السلطوية وإقامة نظم ديمقراطية بديلة، والتي سُميت "الثورة الديمقراطية العالمية"، والتي تردد صداها وانتقلت تأثيراتها إلى كل أنحاء العالم، وبخاصة في العقود الثلاثة الأخيرة.

فلأول مرة تكون أغلب دول العالم ذات نظم تأخذ بالشكل الديمقراطي (وجود تعدد أحزاب وانتخابات دورية) مقارنة مثلاً ببداية القرن العشرين، إذ لم يكن هناك سوى 22 دولة اتبعت الشكل الديمقراطي، ثم تقلص العدد في العام 1942 إلى 12 دولة، وزاد في مطلع الستينات إلى 36 دولة، ثم إلى 60 دولة في نهاية الثمانينات بعد التطورات الديمقراطية في إسبانيا والبرتغال واليونان وتركيا والبرازيل وبعض دول أميركا اللاتينية.

وبعد انهيار الإتحاد السوفياتي والتحولات الديمقراطية في شرق أوروبا وعدد من الدول الأفريقية، أصبحت أغلبية دول العالم لأول مرة في التاريخ تأخذ بالنظام الديمقراطي، إذ بلغ عددها 119 من أصل 193  في العام 2013.  

لقد ازدادت المطالبة العالمية بتحقيق المشاركة والكرامة والعدالة، وهي قيم أثيرة لدى فلاسفة الديمقراطية. فلم تقتصر هذه المطالبات على المجتمعات التي خضعت لنظم سلطوية، بل امتدت إلى قلب عواصم دول الديمقراطيات المستقرة ومدنها الكبرى، ففي تشرين الأول / أكتوبر 2011، وتحت تأثير شعار "احتلوا وول ستريت" انطلقت التظاهرات في قرابة ألف مدينة في 85 دولة، ورفعت شعارات ضرورة كسر احتكار النخب وجماعات المصالح المنظمة، والنفوذ السياسي، وإعادة السلطة إلى الشعب.

يُرجع هلال انتعاش البحث في مفهوم الديمقراطية وما يريد بها من قيم وعلاقات وترتييات مؤسسية، إلى تطورين: الأول هو أن الدول السلطوية ذات الحزب الواحد أو سيطر عليها عسكريون شهدت الإنتقال إلى الديمقراطية. والثاني هو أن الدول الديمقراطية شهدت الدعوة إلى مراجعة الممارسات السياسية وأداء مؤسسات الحكم بهدف جعلها أكثر قرباً إلى الإنسان العادي وأكثر تعبيراً عن مصالحه.

وبعد أن يشرح المؤلف الديمقراطية ومعانيها المتعددة من خلال نظريات أهم الفلاسفة وعلماء السياسة، يقول هلال: إن النظام الديمقراطي يستند إلى أساسين: مجموعة القيم التي تمثل ثقافة الديمقراطية، ومجموعة المؤسسات والترتيبات التنظيمية التي تتمثل وتجسد تلك الديمقراطية. 

يعطي هلال مثلاً على ذلك، بما حدث مع هتلر وحزبه الإشتراكي الوطني عند وصوله إلى السلطة عام 1933. فعندما فرضت الدول المنتصرة في أعقاب الحرب العالمية الأولى وهزيمة الإمبراطورية الإلمانية، النظام الديمقراطي في ألمانيا، واُعلن لها دستور ديمقراطي مماثل للديمقراطيات في أوروبا. فقد صوتت أغلبية الناخبين لمصلحة هتلر وحزبه الذي كانت أفكاره منطلقاً لسياسات العنصرية والإستعلائية والتوسعية التي نفذها بعد وصوله إلى الحكم وانقلابه على الديمقراطية، فحرق أنصاره مبنى البرلمان، وألغوا الدستور وفرضوا نظام الحزب الواحد.

ويضيف هلال: إن السؤال الرئيس الذي فرضته تلك التطورات: لماذا لم تنجح الديمقراطية في ألمانيا، وانتخب شعبها حزباً معادياً للديمقراطية؟ وكانت الإجابة، من بين عوامل اخرى، هي غياب الثقافة الديمقراطية، فلا يمكن فرض نظام ديمقراطي على مجتمع تغيب عنه هذه الصفة وعن مؤسساته الإجتماعية الأخرى مثل الأسرة والمدرسة والنقابة.

وتنهض الثقافة الديمقراطية على ثلاث قيم أساسية: التعددية، والحرية، والعدل.  وبحسب قول المؤلف، ظهر عدد من الترتيبات والإجراءات لتحويل قيم الديمقراطية إلى واقع عملي منها:

حكم القانون، الفصل بين السلطات، تعدد الاحزاب،وجود مجال عام مفتوح وحر، خضوع القرارات الحكومية وسياساتها العامة وسلطات موظفيها لإطار دستوري حاكم، انتخاب أعضاء البرلمان والمجالس المحلية ورئيس الدولة  في النظم الرئاسية في انتخابات دورية تتسم بالنزاهة والشفافية. 

ويخلص هلال في كتابه "الإنتقال إلى الديمقراطية" إلى أنه برغم كل العيوب والملاحظات على الديمقراطية، إلا انها تبقى أفضل نظام ابتكره البشر لإدارة أمور المجتمع والدولة. فأسوأ نظام ديمقراطي أفضل من أصلح الديكتاتوريات، لأن عبقرية المؤسسات الديمقراطية قادرة عن التعبير عن المصالح المختلفة في المجتمع، وإعطاء كل طرف نصيبه، وهي تمتلك القدرة على تصحيح الذات والمراجعة.