كريمسكي و"قصصه البيروتية": المدينة وتحوّلاتها قبل أكثر من قرن

في عمل شاق، يخرج الكاتب اللبناني عماد الدين رائف نصوص الكاتب الأوكراني أغاتانغل كريمسكي، حول بيروت قبل أكثر من قرن. نصوص تحكي قصص التحولات الاجتماعية في بيروت، مع النفوذ الواسع للإرساليات الكاثوليكية.

"1897 قصص بيروتية" للكاتب الأوكراني أغاتانفل كريمسكي
عماد الدين رائف ليس مُترجماً فحسب. لم يترك لنفسه ما يقع على عاتق المُترجمين عادة، وهو تلبية الغاية من الترجمة نفسها، أي الفهم والإفهام، بل تخطّاه إلى الدراسة والبحث. في (أغاتانغل كريمسكي – 1897 قصص بيروتية/رياض الريّس للكتب والنشر)، لم تكن رحلة رائف سهلة البتّة. فالطريق إلى نقل ملامح حُقبة من تاريخ بيروت العثمانية، كان شاقاً ويستلزم جهداً كبيراً على ما يُفهم من رائف نفسه.

ويتلخّص هذا الجهد في ترجمة نصوص كريمسكي من مصدرها الأساسي، ثم مُقارنتها مع مجموعة المؤلّفات الصادرة للكاتب الأوكراني نفسه في سبعينات القرن الماضي، وكذلك العمل على تفكيك لُجَج اللغة التي كتب فيها كريمسكي والتي لا تنتمي كلها إلى اللغة الأوكرانية السائدة، بل تضرب بعض تعابيرها ومُصطلحاتها بجذور قديمة تنتمي إلى "البولونية"، أو "البيلاروسية"، والروسية كذلك. وعليه، فقد اشتغل الكاتب والمُترجم اللبناني على استيضاح معاني الكثير من التعابير المجازية والاستعارات بمقابلتها بعبارات أوكرانية ونصوص لأدباء ينتمون إلى ذات الحُقبة التي عاش فيها كريمسكي، وأيضاً بالاستعانة بقواميس صدرت في أوكرانيا في القرن التاسع عشر.

هي مشقّة إذن. دأبٌ مفرحٌ للكاتب والمُترجم والقارىء. فربما لم يكن كريمسكي يتصوّر أن تدوينه لما عايشه في بيروت خلال سنتين، سيلقى طريقه إلى القرّاء بعد أكثر من قرن من الزمن، محمّلاً بلغة فيها من الوضوح ما يكفي ليجعل النصّ قريباً من قارىء هذا الزمن. هذا ما فعله رائف بمِراس المُحقّق كاشفاً لنا وجهاً من وجوه بيروت التي تخسر كل يوم جزءاً من هويتها.

شكّلت الرحلة الأكاديمية لكريمسكي إلى لبنان وسوريا في أواخر القرن التاسع عشر، فاتحة لولادة مجموعته القصصية، موضوع الكتاب الذي نتحدّث عنه هنا. وقد اعتمد في صوغ قصصه، على ما عاينه مباشرة وما سمعه من البيارتة أنفسهم.

لقد أتت "قصص بيروتية" حينها، في وقت كانت تشهد فيه بيروت بداية تحوّلاتها الاجتماعية والسياسية الفعلية. هكذا نستطيع أن نستشفّ من القصص التي أوردها كريمسكي، حال التبدّل الذي أخذ يُطيح بالعادات الاجتماعية السابقة على الهيمنة الفرنسية على كل من سوريا ولبنان. وتجدر الإشارة هنا، إلى أن لبنان في سطور كريمسكي لم يكن بعد ذاك الكيان المُستقلّ الذي عرفه اللبنانيون في العام 1920. فنراه يتكلّم في بعض المواضع صراحة عن بيروت بوصفها جزءاً من سوريا ومن السلطنة العثمانية ككل.

يمسكنا كريمسكي من يدنا ويلج بنا إلى حياة عائلة الطبيب البيروتي "عيدي". يبيّن لنا بسرد شيّق العادات والتقاليد لعائلة مسيحية أرثوذكسية، من أصول سورية، تسكن منطقة الرميل في الأشرفية. نستطلع معه اندثار الطب العربي لصالح الطب الحديث حينها والذي أخذ اليسوعيون (الكاثوليك) والإنجيليون على عاتقهم تدريسه وفقاً لمناهج علمية، وكذلك إنهماك نساء هذه العائلات في الواجبات المنزلية من دون أن يكون لهنّ أي دور خارج التربية التقليدية.

يمكن القول إن الكاتب الأوكراني الكبير قد أظهر بما لا يقبل الجَدَل، التعبيرات الاجتماعية الرافضة لحال التحوّل البيروتي الذي أسفر عنه توسّع نفوذ الإرساليات الكاثوليكية المدعوم من فرنسا التي شرعت في بسط سيطرتها المحققة على كل نواحي حياة المدينة. هذا الرفض سيعثر عليه القارىء في واقعة النقاش الذي جرى في منزل الطبيب "عيدي"، بعد استقباله جمعاً من أصدقائه الأرثوذكسيين، ومنهم الشيخ جمّال الفلسطيني الذي قدم في زيارة من غزّة.

في ذلك النقاش تصريح بخوف على "دين الروم" في بيروت. ذمّ لكل العادات والتقاليد التي "غربنت" البيارتة العرب، لصالح أخرى لا عهد لهم بها، جاءتهم من أوروبا عبر نافذة اليسوعيين الذين "يحتالون" لإبعاد أطفال العائلات الأرثوذكسية عن دينهم عبر التحكّم بأيام العُطَل الأسبوعية وإجبارهم على الصلاة الكاثوليكية والتكلّم باللغة الفرنسية دون العربية. ولعلّ الأسف الذي يُبديه الرجال في حضرة الطبيب "عيدي"، يُجاري الخوف المُحدق وقتها على "دين الروم" وتراجع أمّ الأرثوذكسية روسيا وقيصرها عن نجدة روم سوريا ولبنان وفلسطين. هذا ما يفصح عنه الشيخ جمّال الذي اعترض على بداية النزوع اللبناني نحو الانفصال عن سوريا، فنراه يقول لجمع الجالسين كأنما يخاطب اللبنانيين جميعاً، "لم تكبروا بعد ... ما في أشنع من ابن عرب يتسلّط. نحن العرب لا نحتاج إلى حُكم ذاتي، بل إلى حُكم قوي أجنبي ... بل إلى يد حديدية ... روسيا لم ترِد أن تمنحنا تركيا الحُكم الذاتي ... فلأنها تتركنا لنتعلّم كيف نصلح أمورنا وكيف نقوّي إيماننا الأرثوذكسي، وبعد ذلك تمنحنا السعادة تحت الحُكم الصارِم للقيصر الروسي، نعم سيكون ذلك! سيكون".

على ضفّة أخرى، يظهر "قصص بيروتية" ما يجعل القارىء يتفاجأ. فصورة المرأة المُحتِشمة والفصل بين الرجال والنساء، لا تزال تشير إلى المسلمين التقليديين قبل انفتاحهم على كل مراحل التطوّرات الثقافية التي عايشتها بيروت، إلا أن ما نكتشفه عند كريمسكي هو أن هذه الصورة ليس ضيّقة إلى هذا الحد. بل واسعة وتشمل المسيحيين أيضاً. وأن تبدّل العادات والتقاليد إنما أصاب الجميع مسيحيين ومسلمين وإن بنسبة أقل ووقت أطول عن الأخيرين. هذا التبدّل كان حجة لكلام عنيف للشيخ جمّال في حضرة جمع من النساء والرجال والفتيان والفتيات الأرثوذكس وتحديداً أثناء الحفل الخيري الذي يقيمه آل سرسق، فيذّمهم فيه لما شاهده من خروج على الحِشمة والإيمان. إذ صرخ مخاطباً إياهم بعد طلبه وقف الموسيقى، "قبل 37 سنة رأيت بيروت ... كانت آنذاك تؤمن بيسوع والآن ماذا؟ كانت أمّهاتكم ونساؤكم وبناتكم يغطين وجوههن ... أما الآن فنساؤكم أمام الرجال الغرباء، ولم يكشفن وجوههن فحسب، بل صدورهن أيضاً ... اللعنة على اليسوعيين الذي علّموكم رجس بابل ... آه، إنه فساد الأخلاق". الشيخ جمّال لم يتوان عن وصف بيروت وهو يغادرها منكسراً وحانقاً بأنها أصبحت "عاهرة بابل". هذا الوصف يؤشّر صراحة إلى بداية الانقلاب في المنظومة القيمية التي حكمت المدينة لسنين طويلة، ليس من باب الخطة التحديثية التي كان الأتراك قد شرعوا بها حينها، بل من تحديث أخذه الكاثوليكيون الكنسيون على عاتقهم. أي تدشين المسوغ الديني لعملية التحديث و"الغربنة".

قدّم لنا عماد الدين رائف صورة شبه جليّة لبيروت قبل أكثر من قرن. حقّق ودرس وجعل النصوص الغريبة عنا أليفة وقريبة ومُمتعة وصريحة.