زمن يتكرر

فى غرفة طوارئ وقف طبيب بدا عليه القلق متفحصاً ذلك الجسد الرابض أمامه ...حادث شنيع أدى إلى إغماءة شديدة ...

إنعاش المصاب

ممرضون ومساعدون عانوا من محاولات إنعاش القلب والرئتين ... صعق كهربائي .. أدوية كثيرة لعل نبضة واحدة تطمئنهم ولكن لا شيء ..توقفت الرئتان وأعلن القلب انسحابه ..

لقد حان السفر ....

 مات شاب يافع ولم يتجاوز العشرين من عمره !!، استسلموا لقضاء الله بعد جهدهم ... بحثوا في أنقاضه.. عن هوية له فلم يجدوا شيئاً سوى هاتف صغير، دلهم الإسم الموضح على آخر رقم أنه رقم والده ... فأخذه طبيب وطلبه في تردد ...

عندما تأتيك المصيبة .... قدم لها المشروب بارداً...

-السلام عليكم ....

 =وعليكم السلام .. لماذا تأخرت يا بني، لقد اقترب العشاء وما زلت في الخارج ... طلبتك أكثر من مرة و.....

 لم يعلم الطبيب ما حدث عندما انهارت منه شلالات الدموع، بكاء ونحيب انتابه من كلمات هذا الرجل ... إبنه جثة هامدة في داخل الغرفة وهو يجلس قلقاً عليه ...... يا للقدر !!!!

-إنني لست إبنك، لقد أصيب ولدك بحادث وهو الآن في المستشفى ....

 فُجع الوالد ..=هاه ... ماذا حصل؟؟ أخبرنى بالله عليك ؟؟ عساه بخير وو؟؟!!!

قال له الطبيب محاولاً كبت دموعه وطمأنة الرجل ..

- ما حدث له مكروه .. الأفضل أن تأتي إلى المستشفى بنفسك ..

 اخبره الرجل أنه يبعد عن المستشفى ساعتين بالسيارة ....فأخبره الطبيب أنهم سينتظرونه ....

 جلس الاطباء خارج الغرفة وأخبروا الممرضين نقل الحالة إلى غرفة الإنعاش .. بقي إثنان مع الجثة منتظرين طبيب الإنعاش لتأكيد الوفاة .. وبينما هم جلوس.... حدث ما لم يكن في الحسبان !!

 طرقات منتظمة تأتي من الممر، تمسمرت على باب غرفة الإنعاش عصا طويلة ضخمة تلتف على آخرها يد هرمة لعجوز تراكمت سنواته عليه فانحنى ظهره، عينان يابستان من البكاء ووجه برزت فيه التجاعيد كخيوط عنكبوت بارع.. أصاب الممرضين الهلع عندما ارتمى العجوز أرضاً وهو يتمتم:

- وا حسرتاه .... وا ولداه !!!!!!

 هرع إليه الأطباء من الطوارئ وقد أخبرهم أحد الممرضين ما حدث، سأله الطبيب الذي سبق وأن أجرى المكالمة

 = لقد أخبرتنى فى الهاتف أن الأمر سيستغرق ساعتين إلى أن تأتي ... فكيف أتيت إذن بهذه السرعة ؟؟؟

قال له الرجل وهو يصارع البكاء ......

 - ما الذي تقوله يا بني؟؟!! لقد أخبرني بوفاة ولدي الصغير أحد اصدقائه وأنا من قاطني المدينة هنا !!!!

صُعق الطبيب من كلامه، إذا كان هذا العجوز هو حقٱ والده،  فمن هذا الذي تحدث إليه في الهاتف ؟!!!

ما هذا العبث؟؟؟؟ !!!

 لم يرد الرجل أن يخبر زوجته ما حدث، فأخذ يبكي بهدوء مردداً .... يا رب إنه ولدى الوحيد بين خمس فتيات، يا رب لك الحمد والشكر على ما قضيت... خرج من بيته ووقف على أشراف القرية ملتمسا سيارة، وإذا بشيء أغرب من الخيال !!!

ذُهل الرجل وهو يرى ابنه يتقدم نحوه مبتسمٱ، توقف عقل الرجل عن العمل للحظات وهو يستمع إلى الشاب...

 - أنا آسف يا أبي على التأخير ... أعلم أنكم قلقتم عليّ كثيراً وطلبتمونى على هاتفي أكثر من مرة ... ولكنه القدر .. لقد ضاع مني الهاتف وأنا في الجامعة ولم أجد ما أتواصل معكم به.. أعذرني يا أبي .......

لم يصدق الرجل ما سمعه من ابنه، فاحتضنه وأخذ يلثمه ويبكي وهو يحمد الله على كون ابنه بخير .....

 لم يصدق الطبيب ما سمعه من الرجل العجوز فسأل عن الهاتف وأخذ يجري المكالمة على نفس الرقم .... وازداد ذهوله عندما سمع قصة ضياع الهاتف من ذلك الشاب، واعتذر للوالد عن عدم تأكده من هوية الشاب الميت وأخذ يواسي العجوز الى أن أتت باقي عائلة الشاب الميت ....

تلك الفانية ...

زمن واحد يتظاهر أنه يتجدد .. ولكنه يتكرر .. بكل أقداره ..