"الإسلام الموازي في تركيا: البكتاشية وجدل التأسيس"

تعتبر البكتاشية من الحركات الصوفية الأشد تعقيداً، فقد احتوت ودمجت عدداً من العقائد الصوفية والدينية واستندت إلى عملية «التوحيد والدمج» التي يمكن أن نجدها في الأماكن المقدسة والتكايا المنتشرة في الأناضول التركية.

 كتاب "الاسلام الموازي في تركيا "
صدر عن مركز المسبار للدراسات كتاب "الإسلام الموازي في تركيا: البكتاشية وجدل التأسيس" وهو الكتاب الثالث عشر بعد المئة، مايو/ أيار 2016، وقد تطلب العمل جهداً بحثياً كبيراً، إذ لا تتوافر مراجع عربية كافية تساعد الباحثين على فهم هذه الطريقة الصوفية والتأريخ لها ماضياً وحاضراً، في حين نحصل على مئات الدراسات والمصادر عن الموضوع في اللغات التركية والإنجليزية والفرنسية. من هنا جاءت الحاجة إلى ضرورة إيلاء البكتاشية الاهتمام المطلوب لسببين: الأول: افتقار المكتبة العربية للدراسات المعنية في هذا الحقل. والثاني: الحاجة الراهنة للإضاءة على طريقة صوفية/ توفيقية ترتكز على التسامح في علاقتها مع الأديان والمذاهب كافة؛ مع أهمية الإقرار بقلة وجود أُطر إيمانية وأنماط من التديّن بين المسلمين، خارجة على أشكال التسنّن أو التشيّع التقليدي.

يأتي هذا الكتاب ليستكمل حلقات من كتب "المسبار" لاستكشاف الإسلام في البلقان والأناضول، ولرسم الخارطة الأساسية للتديّن الشعبي في تركيا والبلقان وروسيا. والإسلام الشعبي فيها تكتنف رواياته الغموض، ولكنه يحتوي على تفسير لكثير من التحالفات السياسية المعاصرة، ويساعد فهمها على تحليل ظاهرة الحركة الإسلامية التركية، والتيارات المحافظة، وعودة الإسلامات، وصعود وانهيار الدولة العثمانية والمعاني المختلفة للخلافة والسلطنة. ويتبقى بعد هذا الكتاب تناول الإسلام الشعبي بصيغته الأخرى الموجودة في المولوية والنقشبندية وهما الأوفر بالتأثير مع إضاءة على الحركات التحديثية التي عاشت في رحابها كالحركة الجديدية. وهذه المساهمات تصب في الوعاء الكبير الذي يتناسب مع دراسة الإسلام وانفعاله مع الثقافات والتقاليد والعادات البعيدة، ويرصد سير اندماجه مع التقاليد، وهذا يفتح الباب لقراءة جديدة دائماً، وتفسيرٍ مختلف يناسب العصور الجديدة، ويشرح الظواهر التي تستغلق علينا، كما يتتبع الميراث الاجتماعي لكل حركة مسلمة.

تعتبر البكتاشية من الحركات الصوفية الأشد تعقيداً؛ فقد احتوت ودمجت عديد العقائد الصوفية والدينية –لا سيما المسيحية- واستندت إلى عملية «التوحيد والدمج» التي يمكن أن نجدها في الأماكن المقدسة والتكايا المنتشرة في الأناضول. هذا النمط التوفيقي الديني الذي عرفه الوسط التركي الأناضولي من خلال المولوية –أيضاً- دفع البكتاشيين –كما خلص المؤرخ الفرنسي آلان دوسلييه- إلى أن يضموا إلى فرقتهم قديسين مسيحيين شعبيين، وعلى رأسهم «القديس جورجيوس»، فيما بجّل مسيحيو سيناسوس حاجي بكتاش ولي تحت اسم «القديس خارالامبوس».

لم تكن الطريقة البكتاشيّة منظّمة ومهيكَلة حتى القرن الخامس عشر، أي بعد ما يقارب القرنين على وفاة حاجي بكتاش ولي، مؤسس البكتاشيّة. على صعيد المبادئ تنطلق البكتاشية من قواعد عامة تحكم رؤيتها، أبرزها: التسامح مع المذاهب والأديان كافة، الاعتقاد بوحدة الوجود، والاسترشاد بنور الله في قضاء جميع الأعمال. وتُعد العلاقة بين البكتاشية وجيش الإنكشارية من أبرز الشواهد التاريخية التي تُبرز قوة تأثير البكتاشيين. يذكر المؤرخ المصري عبدالعزيز محمد الشّناوي (1911-1986) أن الإنكشارية حين أعلنوا العصيان والتمرد على السلاطين العثمانيين، آزرتهم الطريقة البكتاشية وكانت معهم، وأدّى ذلك إلى ضعف الدولة حتى جاء السلطان محمود الثاني وألغى هذه الطريقة، وعصف بمعسكرات الإنكشارية وأغلق التكايا عام 1826، كان التمرد والوقوف مع حركات الإضراب، سببًا في غلق التكايا.

سعت الأبحاث المدرجة في الكتاب إلى استجلاء دور البكتاشيين في الإمبراطورية العثمانية، وكشفت علاقتهم بجيش الإنكشارية، وبينت التماهي البكتاشي مع الإمامية الاثني عشرية، ودرست المحيط الاجتماعي والسياسي والجغرافي للطريقة الصوفية البكتاشية في الوسط التركي الأناضولي، خصوصاً في ألبانيا حيث تحظى البكتاشية هناك بحضور لافت في التاريخ المعاصر، سمح لها بالحفاظ على إرثها العابر للأديان؛ فضمن التقليد السنوي الألباني، يجتمع المؤمنون البكتاشيون والمسلمون السنّة والمسيحيّون في جبل توموري   (Tomorri) للاحتفال والصلاة من أجل الازدهار. إنّه الجبل المقدّس الذي كان يُطلق عليه في الأزمان السحيقة اسم «عرش الآلهة»، وكان الكتّاب الألبان والأجانب يعتبرونه أوليمبوس ألبانيا أو دودونا (Dodona)  أي حرم الآلهة. هذا التلاقح الإسلامي– المسيحي شكّل جزءاً أساسياً من الكتاب على قاعدة السياقات التوافقية بين الديانتين الكبريين.

نواجه مع البكتاشية حالة دينية تاريخية استثنائية وغامضة، ليس لها أي حدود واضحة عقدياً، مما أدى إلى تضارب التأويلات التاريخية حول منابعها وروافدها. يرى البعض أن البكتاشية جماعة صوفية ذات أصول شيعية، ويرى آخرون أنها جماعة صوفية ذات أصول سنيّة، بينما اعتبرها فريق ثالث جماعةً صوفيةً متأثرةً بالمسيحية. وفي ضوء هذا الاختلاف حول الأصول والجذور، من المهم إدراك أن التاريخ المعاصر للبكتاشيين، كجماعة صوفية منتشرة في تركيا وألبانيا والدول العربية، يخضع لحركية المدّ والجذر، وفقاً للتطورات والتراجعات السياسية والحضارية.

تتميز البكتاشية بأنها جماعة ذات حدود مائعة؛ إذ تحتوي على مظاهر التسنّن ومظاهر التشيّع ومظاهر التصوف، وفي الوقت نفسه تتضمن أنماطاً دينية تتناقض مع التسنّن والتشيّع والتصوّف. ولعلّ ثنائية الدمج والتنافر شكلت مصدراً لبقائها وانتشارها وتأثيرها، بعدما أضحت حالة دينية قادرة على التمظهر وفق القناعات الشكلية لكل فرد، من دون أن تفرض على أتباعها التقيّد بطقوس دينية ملزمة ومحددة. فقد تجد تمثلات للبكتاشية عند أفراد وجماعات لا يصنّفون أنفسهم على أنهم بكتاشيون. وهذا لا ينفي بناء قيادة دينية عند البكتاشية، تنهض على هرمية لا تختلف كثيراً عن هرميات المؤسسات الدينية الأخرى.

في تقصينا عن حلول للتشدد والتطرف، وعن صيغ دينية قادرة على التعامل مع التنوّع والحداثة، نحن في حاجة إلى تعميق نظرتنا للتراث الديني والتاريخي. ليس المطلوب تكرار التجارب، فلكل تجربة زمانها وظروفها وتحدياتها. يبدو من المفيد ألا يقتصر بحثنا على القوالب الدينية التي اعتدنا عليها، وأن نحاول استلهام التجارب الدينية كافة في محيطنا الإسلامي الواسع والعميق.

وقد لعب البكتاشيون أدواراً مهمة في تركيا الحديثة، حيث استطاعوا توفير المناخ الملائم لعودة التصوّف في موازاة العلمانية القابضة. ومن خلال دراسة الطريقة البكتاشية سنتمكن من فهم أشكال التديّن الموازي للإسلام الحركي في تركيا.