"المحاكاة والإمبراطورية": كيف حاكى العالم الجديد مستعمره

يقدم الكتاب رؤية نقدية للهوية والاختلاف، والطريقة التي تعمل بها كل أمة على ترسيم سمات ثقافتها وحضارتها، وذلك من خلال توضيح الكيفية التي نظرت بها شعوب العالم الجديد إلى إسبانيا على كونها عدواً خارجياً، وذلك في الفترة الاستعمارية الغربية، تلك التي واكبت ضعفاً شديداً في الدول الإسلامية، وانهيار السلطنة العثمانية.

كتاب "المحاكاة والإمبراطورية: العالم الجديد والإسلام والهويات الأوروبية"
كتاب "المحاكاة والإمبراطورية: العالم الجديد والإسلام والهويات الأوروبية"

في الفصل الأول من الكتاب، تتعرض المؤلفة للدور الذي قام به الأدباء الشعبيون الأوربيون إبان مرحلة التوسع الاستعماري في العالم الجديد، وكيف أن القصص البطولي والملحمي الذي روجه هؤلاء الأدباء قد لعب دوراً كبيراً في تقنين حقوق التوسع الإمبريالي الغربي في ذلك الجزء غير المطروق من العالم.

وتؤكد فوكس على أن الأحلام والطموحات والرغبات الخيالية، والتي لا حدود لها، قد أثرت بشكل إيجابي في تشجيع الرحالة والمغامرين والمستكشفين على المضي قدماً في رحلاتهم وتوغلاتهم داخل الأراضي البكر في القارة الأميركية، ذلك أن الروايات الملحمية التي ذكرت وجود جبال الذهب والنساء الفاتنات والثروات الضخمة والحيوانات الخرافية، قد دفعت الإسبان والبرتغاليين دفعاً لاختراق الأحراش والمستنقعات والمسير قدماً نحو المجهول.

من أهم الروايات التي احتوت على تلك الأمنيات والأحلام، روايتا "أماديس جولا" و"مغامرات إسبلانديان"، ويمكن أن نتيقن من تحقيق تلك الروايات لأهدافها، إذا عرفنا أن المستكشفين الإسبان قد اكتشفوا بوليفيا أثناء بحثهم عن إلدورادو الخيالية الواردة في الروايتين، كما أنهم قد اكتشفوا فلوريدا إبان تنقيبهم عن ينبوع الشباب الأسطوري الذي تتكرر الإشارة إليه كثيراً في الأدب الملحمي.

وفي الوقت ذاته، تلفت المؤلفة نظر القراء، إلى أن الأدب الملحمي قد صيغ بالشكل الذي يجعل من المستكشفين الإسبان وكأنهم أبطال نبلاء مدفوعون في حملاتهم بالقيم النبيلة والأخلاق الحميدة، وكأنهم يخوضون حرب استرداد جديدة، تشبه تلك التي خاضوها ضد المسلمين في شبه الجزيرة الأيبيرية.

ومن هنا، كان لذلك النوع من الأدب دور كبير في توسيع رقعة النفوذ الإسباني في القارة الأميركية، حيث تم استخدامه بشكل يتوافق ويتماشى مع أهداف السلطة.

 وبعد ذلك، تبيّن بربارا فوكس، أن القصص الملحمي والبطولي الأوروبي، سرعان ما تراجعت أهميته، بعدما اتجهت الدول الاستعمارية للاستعانة بالكنيسة الكاثوليكية، بغية تقنين وترسيم سلطتها في الأراضي الجديدة. وتفسّر المؤلفة ذلك التغيّر، بأن العبارات الخادشة للحياء والكلمات الجنسية الفاضحة التي اكتظت بها كتب البطولة، كانت تتعارض بشكل واضح مع الأخلاق النبيلة التي يدعو إليها الكتاب المقدس والتعاليم المسيحية. ولما كانت شرعية الفتوحات الأوروبية مستمدة أساساً من الكرسي البابوي الفاتيكاني، فإن ملوك أوروبا قد أصدروا أوامر صارمة بحظر جميع الكتابات الملحمية التي تتضمن كلمات بذيئة من المستعمرات الخاصة بها.

ومن الأمثلة التي تضربها المؤلفة على ذلك التوجه، الوثيقة التي أرسلتها الإمبراطورة الإسبانية إيزابيلا عام 1536م إلى أنطونيو دي مندوزا، نائب الملك في إسبانيا الجديدة، بشأن السيطرة المُحكمة على الإقليم، في الوقت الذي كان الإمبراطور يحارب المغاربة في تونس، حيث ورد في تلك الوثيقة، ما نصه: "قبل بضعة أيام أصدر الإمبراطور قراراً منع فيه إرسال القصص الخيالية التي تمتلئ بالأمور الأثمة غير الأخلاقية والأساطير إلى تلك الأراضي، خشية أن ينقاد الهنود الذين يستطيعون القراءة إلى ما تحويه هذه الكتب، وأن يهجروا الكتب ذات التعاليم القويمة، حيث أن قراءة تلك الكتب تُكسب المرء عادات سيئة ورذائل، وأيضاً خشية أنه بمجرد علمهم بأن هذه الكتب ذات الحكايات التافهة تم تأليفها دونما أدنى صلة بالواقع، فإنهم لن يؤمنوا بسلطة وفضل كتابنا المقدس والكتب الأخرى التي وضعها القديسون العلامة، وعليه فبما أنهم أناس لم يترسخ إيمانهم فسوف يصدقون أن جميع الكتب التي تصدر من قبلنا هي من نوع واحد وذات سلطة واحدة ...".

هكذا تؤكد فوكس أن ثمة علاقة قوية قد نشأت ما بين الأدب والدين والسلطة في حقبة المد الأوروبي في العالم الجديد، وأن الحكومات العلمانية قد حرصت على ترسيخ القيم الدينية بين الشعوب المغلوبة، لا لشيء إلا لترسيخ وتقوية سلطانها ونفوذها فيما بينهم، وهو ما يظهر بشكل واضح إذا ما عرفنا أن تلك الحكومات لم تحرص على منع تلك الكتابات في معسكرات جنودها، بل أن المنع كان يقتصر على أفراد الشعوب المغلوبة وحدها.

 أحد الأسباب الأخرى التي حتمت على السلطة العلمانية الأوروبية، تقييد وحظر الكتابات العجائبية الخيالية في مستعمراتها، أن بعض من تلك القصص قد مزج ما بين عدد من الشخصيات الدينية الحقيقية التي تحظى بالتقديس في المسيحية من جهة، وبعض من الأفعال الأسطورية الخارقة من جهة أخرى، ومن ذلك قصة أورلاندو الغاضب للشاعر الإيطالي أريوستو، والتي جمعت ما بين الشعر الملحمي وقصص الفروسية، وانتشرت انتشاراً كبيراً في بدايات القرن السادس عشر الميلادي.

تذكر القصة حكاية الفارس أستولفو الذي يذهب إلى القمر للبحث عن عقل أورلاندو، وكيف أنه خلال رحلته تلك قد قابل القديس يوحنا، الذي نصحه ببعض النصائح وعلمه أن الحقيقة نسبية.

توضح فوكس الإشكالية الكبيرة الموجودة في تلك القصة، عندما تذكر أن القديس يوحنا يمثل ثقلاً كبيراً في العقل المسيحي لكونه كاتب أحد الأناجيل المعتمدة، وسفر الرؤيا، وأن ربطه بتلك الطريقة بالقصة الخيالية كان من شأنه أن يزيد من شكوك الهنود في الكتاب المقدس وفي العقائد المسيحية برّمتها، حتى أن بعضهم قد نظر إلى الإنجيل على كونه مجرد رواية أدبية، مثلما أكدت الباحثة باتريشيا باركر.

أحد الخطوات المهمة، التي قامت بها السلطات الاستعمارية، لفرض سيطرتها على سكان العالم الجديد، تمثلت في منعهم من القراءة ومن الحصول على التعليم العالي أو المتطور. وقد تزامن ذلك مع تصاعد حركة الإصلاح الديني في أوروبا، مما شكل تهديداً متوقعاً مزدوجاً للاستعمار الغربي في العالم الجديد. وتستشهد فوكس على ذلك، بإحدى الوثائق التي ترجع لعام 1580م، وفيها يقوم كاهن يدعى مرين بحث الملك الإسباني على منع اليسوعيين من منح الهنود التعليم العالي، مؤكداً على الخطر الكبير الذي تمثله القراءة على سلطة إسبانيا في المنطقة، حيث كان من ضمن ما قاله: "يجب على أولئك الذين يميلون إلى العقيدة المسيحية، والذين يتمتعون بفكر هادئ ورصين، ألا ينصرفوا إلى علوم أخرى، خشية أن يتخفى الشيطان في صورة أحد منهم، لا قدر الله، ويخترع بدعاً جديدة، مثل مارتن لوثر، وخوفاً من أن يعطوا معاني أخرى مزيفة للآداب والعلوم التي تعلموها".

ومن الحلول التي لجأت إليها السلطة الإسبانية لتدعيم سطوتها ونفوذها في العالم الجديد، اللجوء إلى بعض أنواع الأدب المثير الذي يمجد في قيم المسيحية، ويظهر التقديس لأبطالها، ومن ذلك أعمال الشاعر الإيطالي تاسو التي ذاعت في النصف الثاني من القرن السادس عشر الميلادي، حيث تذكر المؤلفة أن قصائد تحرير أورشليم وفتح أورشليم، قد عملت على التوفيق ما بين الجاذبية الأدبية الكبيرة للقصص العجائبية من جهة، والجدية والتقدير اللذين تحظى بها القصص الدينية من جهة أخرى، الأمر الذي جعل من كتابات تاسو الشعرية مصدراً لتمجيد القيم المسيحية، والسلطة الاستعمارية بالتبعية.

وتشير فوكس إلى الدور الكبير الذي لعبته قصائد تاسو في إحداث نوع من المحاكاة والإسقاط، بحيث صارت الأحداث التي رويت عن بطولات الصليبيين في الأراضي المقدسة، ما هي إلا رموز واشارات للتوسعات الاستعمارية الإسبانية في العالم الجديد.


كيف تم استخدام الثقافة الإسبانية في نقد سياسات الإسبان في العالم الجديد؟

بعد أن وضحت المؤلفة، في الفصل الأول من كتابها، العلاقة الجدلية التي ربطت ما بين الأدب الملحمي الخيالي من جهة وشرعية حركات الاستعمار الأوروبية من جهة أخرى، عملت في الفصول التالية على توضيح الكيفية التي تسرّبت بها الثقافة الإسبانية إلى العالم الجديد، وكيف أدى ذلك في نهاية الأمر إلى ظهور أجيال جديدة من الهنود، الذين تسمّيهم الكاتبة باسم "الرعايا المثقفون".

وتستشهد فوكس على ذلك النمط من سكان العالم الجديد، بنموذج شهير ذائع الصيت، وهو الإنكا غارثيلا سو دي لا فيغا، والذي قدر له أن يرمز إلى الكثير من أبعاد الإمبراطورية الإسبانية في القرن السادس عشر الميلادي.

تشرح المؤلفة الحالة المتفردة التي مثلها هذا النموذج، حيث تذكر أن والده كان أحد النبلاء الإسبان الفاتحين، بينما كانت أمه إحدى أميرات الإنكا، وهو ما أهله ليصبح نموذجاً لامتزاج وتداخل عالمين مختلفين تماماً عن بعضهما البعض.

ورغم أن النبيل الإسباني لم يعترف بإبنه كولد شرعي له، إلا أن المؤلفة تذكر أنه قد ترك له ثروة صغيرة، مكّنته من السفر إلى إسبانيا والتعلّم في معاهدها ومدارسها، بحيث استطاع التعرّف على الثقافة الإسبانية ومزجها بثقافة الإنكا المتميزة. وقد نتج عن تلك المعارف المتداخلة تأليفه لكتاب "التعليقات المتداخلة حول شعوب الإنكا"، وهو الكتاب الذي قدر له أن ينتشر ويشيع بشكل كبير، بحيث مثّل ما يمكن اعتباره جسراً يربط ما بين ثقافتي العالم القديم والعالم الجديد.

كذلك تتعرض المؤلفة للكاتب فيليب غوامان بوما دي أيالا الذي ينتمي إلى الهنود الحمر، والذي عُرف بكتابته لأحد أهم الكتب التي ظهرت في العالم الجديد في الربع الأول من القرن السابع عشر الميلادي، وهو كتاب "السجل التاريخي الجديد والحكم الرشيد".

تعتقد فوكس أن كلاً من الكتابين، اللذين سبقت الإشارة إليهما، هما من النماذج المهمة التي عبّر بها سكان العالم الجديد عن أنفسهم إزاء التسلّط الاستعماري الذي مارسه ضدهم الفاتحون الإسبانيون.

 وترى الباحثة أن كلاً من غارثيلاسو وبوما قد دشنا لمبدأ جديد في الحقل الإبداعي عند سكان العالم الجديد، وذلك عندما قدما نصوصاً أدبية تعبّر عن الهوية الذاتية الخاصة بهما، من خلال ما تعرفه بـ"محاكاة البلاغة الخاصة بالهوية الإسبانية ليتمكنا من تحقيق أغراضهما الشخصية"، بمعنى أنهما قد استخدما الثقافة الإسبانية نفسها، لتصبح أداة فاعلة لمهاجمة السلطة الإسبانية من جهة، وللدفاع عن الهوية المتفردة لشعوبهم من جهة أخرى.

وتذكر فوكس أن كلاً من الرجلين قد انتهج نهجاً مختلفاً بعض الشيء في سبيل مهاجمة التاج الإسباني. فبالنسبة للإنكا غارثيلاسو فقد استغل معرفته العميقة بالتاريخ الإسباني، وبمراحل حروب الاسترداد التي جرت ضد المسلمين، ليُظهر نفسه وكأنه يدافع عن قيم الدولة الإسبانية نفسها، وساعده في ذلك نسبه الذي أظهره وكأنه نبيل إسباني ينتمي إلى الطبقة الاجتماعية الارستقراطية.

أما بوما فقد توجه ناحية الدين، فقدم نفسه في ثوب المؤمن المسيحي الذي يقدر ويوقر تعاليم المسيحية، واتخذ من تلك التعاليم سبيلاً للهجوم وانتقاد أفعال الإسبان العنيفة في القارة الأميركية.

وتختصر فوكس طريقة المحاكاة التي لجأ إليها كلا الأديبين، بقولها: "في كل من الحالتين نجد أن بناء هوية الكاتبين كرعايا هجينة تحاكي الأيديولوجيات الإسبانية، ولكن أيضا تدمجها مع وجهة نظر غير متجانسة، تمكنهما من توجيه نقدهما اللاذع لإسبانيا".

 بعد ذلك تتطرق المؤلفة لشرح مناطق ومواطن قوة النصوص الأدبية التي أنتجها المؤلفان. ففيما يخص كتاب "التعليقات الملكية حول شعوب الإنكا"، فقد رصد فيه مؤلفه غارثيلاسو التاريخ المفصل لعالم الإنكا قبل وصول الإسبان. كما رصد فترة الغزو نفسها، وقدم تصحيحات وتصويبات وانتقادات لبعض الكتابات الإسبانية التي تناولت فتح بيرو.

ومما ميّز هذا الكتاب أن مؤلفه قد رجع إلى الكثير من الإنكا الذين يرتبطون به بصلة القربى عن طريق أمه. فهو إذن كتاب يجمع ما بين وجهة النظر الإسبانية ووجهة النظر السائدة وسط شعوب الإنكا، وهذا الأمر أفاد كثيراً فيما يخص موضوعية الكتاب ومنهجيته وقيمته العلمية.

ومن النقاط المهمة التي علق عليها النقاد الذين قرأوا الكتاب، أن الكاتب قد حرص على وصف عائلة والدته بشكل رومانسي، وبأنهم مجموعة من المسالمين المتحضرين المستنيرين. وفي الوقت ذاته فقد وصف الإسبان بطريقة رومانسية أيضاً، وهو ما تصفه فوكس "بأن غارثيلاسو قد تعلق بفكرة إسبانيا الإقطاعية، والتي قاد فيها القتال والبطولة العسكرية ضد المغاربة إلى المجد".

الفرصة حانت لغارثيلاسو عندما وصل إسبانيا قادماً من بيرو، فبعد أن تم رفض طلبه بالحصول على ثروة أبيه، قام بتغيير اسمه، ليحمل لقب أجداده الإسبان، ثم سارع إلى الالتحاق بقوات الإسبان التي توجهت لقتال أحفاد الموريسكيين المسلمين، إبان ثورتهم التي اندلعت في منطقة البشرات، وهو الأمر الذي ترى فيه المؤلفة دليلاً على افتتان الفارس البيروفي بفروسية أجداده، واختياره للاشتراك في جانبهم، ضد المسلمين الذين كانت أوضاعهم المتردية في إسبانيا تتشابه كثيراً مع أوضاع عائلة والدته في العالم الجديد.

من هنا يمكن أن نفهم كيف استطاعت ثورة البشرات، أن تلعب دوراً رئيساً ومهماً في صقل وصياغة الهوية المتشابكة عند الفارس الإسباني الأب البيروفي الأم، فقد كانت فرصة مثالية له، ليثبت خدمته لإسبانيا، وهو ما ترتب عليه بعد ذلك، أنه صار يستطيع نقد سياستها باعتباره واحداً من الإسبان.

وتشرح المؤلفة الكيفية التي قام غارثيلاسو بواسطتها، بإسقاط جميع الرموز الثقافية والدينية الإسبانية التي حكيت في حروب الاسترداد، وإسقاطها بنفس درجة المحاكاة والتشابه على الحروب التي وقعت ما بين الإسبان والهنود في العالم الجديد. فإذا كانت القصص الملحمية الإسبانية قد ذكرت أدواراً كبيرة للسيد المسيح ومريم العذراء وبعض القديسين والشهداء في سردية الحرب ضد المسلمين، فإنه قد استخدم الرموز والإشارات نفسها، وبنفس الدرجة والقوة، في تأريخه للحروب الهندية - الإسبانية.

وبعد أن فصلت المؤلفة حالة المحاكاة التي وردت في هذا الكتاب، انتقلت بعد ذلك لتناول النموذج الثاني الذي اختارته، وهو كتاب فيليب غوامان بوما دي أيالا، والذي يحمل عنوان "السجل التاريخي الجديد والحكم الرشيد"، وهو عبارة عن رسالة افتراضية للملك فيليب الثالث، ملك إسبانيا.

يحتوي الكتاب على تعريف بالكاتب، كما يتضمن شرحاً لتاريخ منطقة الإنديز قبل وبعد الغزو الإسباني. أما أهم أجزاء الكتاب إبداعاً فهو ذلك الجزء الخاص بالمقترحات التي يقدمها المؤلف في سبيل الوصول إلى الحكم الرشيد.

تقدم فوكس عدداً من الإشارات التي تبيّن المنهجية التي استخدمها بوما في عملية المحاكاة التي طبقها في كتابه. أولى تلك الإشارات أنه حرص على استخدام لقب بوما، والذي كان أحد الفرسان الإسبان قد منحه لوالده، وهو ما يعني أن المؤلف قد حرص على إدخال نفسه داخل دائرة الهوية الإسبانية بشكل أساس ورئيس منذ البداية.

الإشارة الثانية هي أن بوما قد تكلم كثيراً عن المعجزات المسيحية التي وقعت إبان الغزو الإسباني للعالم الجديد، فتكلم عن ظهور القديس جيمس، ومعجزات القديس سنتياغو. ولم يستغرق بوما الكثير من الوقت، حتى يستخدم ترميزاته المسيحية، لأدوات فاعلة ومهمة في سبيل نقد ومعارضة السلطة الاستعمارية القائمة في بيرو. فهو عندما يتحدث عن المعاملة المهينة التي تتعرض لها النساء البيروفيات على يد السادة الإسبان، يذهب إلى الاستشهاد المباشر من الكتاب المقدس، كما يرجع إلى منظومة القيم والأخلاق المسيحية كذلك.

ويستكمل بوما اعتراضاته في السياق نفسه، فهو عندما ينتقد أعمال العنف الذي يمارسها المستعمرون ضد أبناء جنسه، يقول: "لم يسمع بهذه الأفعال في روما نفسها، ولا قشتالة ولا في جميع الممالك المسيحية، ما لم تكن قد صدرت من المغاربة والأتراك واليهود، وحتى في هذه الحالة فسيكون لديهم بعض الرحمة والشفقة على جيرانهم".


المحاكاة الاستعمارية: كيف قلّد الإنجليز الإسبان في توسعاتهم الخارجية؟

بعد أن تطرقت فوكس لتبيان نقاط المحاكاة التي قام بها سكان المستعمرات الإسبانية، تجاه تقليد الطرق التي اتبعها مستعمروهم، واستخدامها في سبيل إثبات وتشكيل هويتهم الخاصة، فإنها توضح بعد ذلك شكل المحاكاة التي قام بها الإنجليز الذين كانوا يعدون أنفسهم في ذلك الوقت، ليصبحوا قوة استعمارية جديدة قادرة على التنافس مع الإمبراطورية الإسبانية.

تذكر المؤلفة أن الإنجليز الذين كانوا يطمحون لمد سيطرتهم خارج القارة الأوروبية، قد بدأوا في شن غارات بحرية على المستعمرات الإسبانية القائمة في العالم الجديد، وكانت تلك الحملات التي وسمت بالقرصنة وقتها، تستهدف في المقام الأول، فتح قنوات جديدة للتجارة الإنجليزية.

تعتقد الباحثة أن القرصنة قد خضعت بشكل كامل لسلطة التاج الإنجليزي، بحيث تم إسباغ صفات الشرعية والقانونية عليها، حتى اعتبر أن القراصنة الذين يقومون بأعمال السلب والنهب، إنما يقدمون بأفعالهم خدمات عظيمة للملك الإنجليزي نفسه.

وتضرب فوكس مثالاً على واحد من أهم القراصنة الإنجليز الذين ذاع صيتهم في القارة الأوروبية كلها، ألا وهو السير فرانسيس دريك، الذي جاب العالم في عام 1577، وعاد إلى أرض الوطن، محملاً بغنائم المستعمرات والسفن الإسبانية. وقد بلغ من شهرته أن قصة رحلته المدهشة قد تم تضمينها في كتاب رحلات بحرية أساسية لريتشارد هاكلويت، والذي هو عبارة عن مجموعة من قصص الاستكشافات ووصف العالم الجديد.

دريك قام بالعديد من عمليات القرصنة والنهب ضد الإسبان، حتى أنه في عام 1587، قد وصل إلى ميناء قادس الإسباني نفسه، كما قام باعتراض الأسطول الإسباني المحمل بالذهب والقادم من الهند.

وتؤكد فوكس أن دريك كان مثله مثل غيره من القراصنة، الذين كادت أن تنعدم أوجه الاختلاف فيما بينهم وبين التجار، حتى كادت القرصنة والتجارة أن تصبحا وجهين لعملة واحدة.

وفي عام 1604، وبعد أن تم توقيع معاهدة السلام ما بين إنجلترا وإسبانيا، فإن وجهة النظر في عمليات القرصنة قد تبدلت وتغيرت بشكل كامل، حيث أصبح القراصنة وكأنهم مارقون خارجون عن سلطة الدولة، وتم الترويج لخيانتهم وبعدهم عن الطاعة.

وفي سبيل إثبات وجهة نظرها، تستشهد فوكس بعدد من المسرحيات الأدبية التي ظهرت على مسرح الثقافة الإنجليزية في الفترة الواقعة ما بين عامي 1600 و1623، والتي كانت فكرة القرصنة فيها تعبّر عن مفهوم معين يتعلق بغياب الولاء والبعد عن الانتماء الوطني.

تذكر فوكس أن الكثير من الأدبيات الإنجليزية في تلك الفترة، قد عملت على الربط ما بين القراصنة من جهة والمسلمين من جهة أخرى، حيث تم اعتبار دول المغرب الواقعة على السواحل الجنوبية للبحر المتوسط دولاً مارقة شيطانية الطابع والتوجه. وتوضح بعض النماذج على تلك الحالة، منها مسرحية "الثورة براً وبحراً"، ومسرحية "مسيحي تحول إلى تركي". ففي الأولى، تدور الأحداث حول أب ثري يرفض تزويج ابنه من امرأة فقيرة، وعدد من القراصنة من ذوي السمعة السيئة، الذين يثيرون المشكلات ويقومون بارتكاب الكثير من الأعمال الإجرامية المخالفة للشرف وللقانون.

أما في مسرحية "فتاة جميلة من الغرب"، فإنه قد جرى تقديم تعريف مباشر لمفهوم الهوية الإنجليزية في مواجهة الإسبان والمغاربة، ووضع القراصنة في صف الأعداء بدلاً من كونهم في صف الجانب الطيب.

أما في مسرحية "المارق" لفيليب ماسينجر، فيظهر فيها بشكل واضح عقوبة التنقل الاجتماعي القائم على التجارة، حيث تؤكد المؤلفة أن أحداث المسرحية قد أظهرت صلة قوية ما بين التجارة من جهة والقوة الإنجليزية من جهة أخرى، كما تتناول العلاقات العدائية ما بين الإنجليز والقراصنة المغاربة.