اللغة: نشأتها.. خصائصها.. وتطوّرها

"ربما لا يبعد الظنّ بأن أسلاف الإنسان، أكانوا رجالًا أم نساء، أم الجنسين كليهما، كانوا يحاولون إثارة إعجاب بعضهم ببعض بالأنغام الموسيقية والإيقاع، قبل أن يكتسبوا القدرة على التعبير عن حبهم المتبادل باللغة المنطوقة" - تشارلز داروين.

كتاب "دراسة اللغة" للباحث جورج يول
كتاب "دراسة اللغة" للباحث جورج يول

 

يستهلّ جورج يول كتابه "دراسة اللغة" (دار جداول، 2017، ترجمة حمزة بن قبلان المزيني) بتصور داروين عن أصل اللغة، ولكنه يطرح الفكرة ثم يدحضها مباشرةً: "هو تأمل لافت للنّظر عن الكيفية التي ربما نشأت اللغة بها. ومع هذا، لا يزيد عن كونه تخيلًا".

محاولًا البحث في نشأة اللغة، يستعرض يول نظريات ووجهات نظر تحاول تفنيد أصلها ومنشأها، بدءًا من طرح "الأصل الرباني للغة"، للإشارة إلى ما تقوله أكثر الأديان من أن مصدرًا ربانيًا قد أعطى البشر اللغة، وصولًا إلى "نظرية بوو - وو"، ويراد بها محاكاة طبيعية للأصوات التي تحدث بشكل طبيعي، إلى نظرية "بووه بووه" التي تفترض أن الكلام تطور عن الأصوات الغريزية التي يصدرها البشر للتعبير عن الانفعالات (صيحات الألم والغضب)، إلى غيرها من النظريات.

اقتراحات كثيرة حسمها مباشرة منذ بداية العرض: "نحن لا نعرف ببساطة كيف نشأت اللغة". ثم قدم التبرير: "ربما كان غياب الدليل المادي المباشر السبب في كثرة الظنون عن الأصول التي جاء منها الكلام البشري".

يتناول يول، وهو أستاذ لسانيات في جامعات أدنبرة في بريطانيا ولويزيانا ومينوسوتا الأميركيتين، في الكتاب مفاهيم أساسية في اللسانيات، وجوانب خاصة من الأنظمة اللغوية وعناصر اللغة الأساسية، ليشكّل عرضه مادة مختصرة لدراسة اللغة، أراد لها أن تكون مقدمة أساسية سهلة الاستخدام للبحث في هذا المجال، فكان الكتاب "مراجعة ممتازة للموضوعات الأساسية في اللسانيات وكيفية دراسة اللسانيين للغة"، بحسب بعض المتخصّصين.

تعرض الفصول العشرة الأولى "دراسة اللغة لذاتها – كما يقول سوسير – أي أنها تعرض الخطوط العامة للدراسة اللسانية المتعلقة بالأنظمة اللغوية المحض. أما الفصول العشرة التالية، فتتصل بكثير من الجوانب التي تتعلق بدراسة اللغة وصلتها بالاهتمامات الأخرى".

صدرت النسخة الأولى من الكتاب في العام 1995 بعنوان "دراسة اللغة: مقدمة"، عن مطبعة كامبريدج في بريطانيا، ثم طُبعت خمس مرات مصحوبة مع جملة من الإضافات والتعديلات والتغييرات، لتأتي النسخة العربيّة – بين أيدينا – رديفًا للطبعة الأخيرة.

يستعرض المؤلف بعض الخصائص المادية والعضوية التي يتميز بها البشر عن المخلوقات الأخرى، والتي ربما كان باستطاعتها تعزيز إنتاج الكلام، وبعض الخصائص الأساسية للمجرى الصوتي والعضلات المنسوجة بإحكام في الفم وحوله، التي تمنح القدرة على إنتاج مدى واسع من الأصوات بسرعة فائقة. ثم يتساءل: هل تستطيع أي من المخلوقات الأخرى إنتاج اللغة أو فهمها؟ وهل يمكن لمخلوق غير بشري أن يتعلم التواصل مع البشر باستخدام اللغة أم أنَّ هناك بعض الخصائص في اللغة البشرية تجعلها فريدة جدًا عن مشابهة أي نظام اتصالي آخر، ما يجعل تعلّمها مستحيلًا على أي مخلوق آخر؟

في إجابته على هذه الأسئلة، يفنّد يول بعض الخصائص التي تقتصر على اللغة البشرية، ثم يطرح عددًا من التجارب في مجال التواصل الذي يدخل فيه البشر والحيوانات، فيبدأ بالتواصل، الذي يعدّ وظيفة رئيسية للغة البشرية، ولكنه خاصية غير مميزة لها، "ذلك أن المخلوقات كلها تتواصل بطرق معينة، حتى إن لم يكن تواصلها من خلال الصوت اللغوي".

بيد أن الإنسان يستطيع استخدام اللغة للتفكير عن اللغة والكلام عنها، وهو ما يجعل "الانعكاسية" واحدة من الخصائص الفارقة للغة البشرية، إضافةً إلى خاصية "الانفصال"، التي تسمح لمستخدمي اللغة بالكلام عن أشياء وأحداث ليست حاضرة في البيئة المباشرة التي يتكلمون فيها، أو أشياء وأماكن ربما لم يروها أو لا يعتقدون بوجودها، و"ينظر إلى تواصل الحيوانات عمومًا على أنه يفتقر إلى هذه الخاصية"، يقول المؤلف.

يضاف إلى هاتين الخاصيتين: الاعتباطية، للإشارة إلى عدم وجود أي ارتباط "طبيعي" بين أي شكل لغوي ومعناه عمومًا، ثم "الإنتاجية"، التي تظهر قدرة أهل اللغة على اجتراح ألفاظ وتراكيب جديدة من خلال الذخيرة اللغوية التي يمتلكونها، للتعبير عن حاجاتهم وأفكارهم، "وليست الأنظمة عند الحيوانات الأخرى كذلك". يليها "التوريث الثقافي"، وهي العملية التي تنقل بها اللغة من جيل إلى جيل، في حين "يتمثل النمط العام لتواصل الحيوانات في أن هذه المخلوقات تولد مزودة بإشارات محددة تصدر غريزيًا".

 وتبقى أخيرًا ثنائية المستويات، لأننا نستطيع بامتلاكنا "مجموعة محدودة من الأصوات المتمايزة، أن ننتج عددًا كبيرًا جدًا من الكلمات التي تتصف بأنها مختلفة في المعنى". أما لدى المخلوقات الأخرى، فتبدو كل إشارة اتصالية شكلًا مفردًا ثابتًا لا يمكن تجزئته إلى أجزاء.

بعدها، يشرح المؤلف الكيفية التي تنتج بها أصوات الكلام باستخدام وسائل تبلغ حدًا بعيدًا من التعقيد، ويستقصي الإنتاج المادي لأصوات الكلام، باستخدام مصطلحات الآليات النطقية للمجرى الصوتي البشري، ومن ثمّ أنظمة أصوات الكلام وأنماطها في لغة معينة.

يتبع يول هذا العرض بالإضاءة على محاولات سابقة وتجارب أُجريت مع الحيوانات، وتحديدًا الشمبانزي، لاستقصاء قدرتها على إنتاج الكلام وتعلّم اللغة البشرية والتفكير فيها واستخدامها، ليخلص إلى أنَّ "اللغة ظاهرة بشرية فريدة". ويبدأ بعدها في الحديث عن أبرز العناصر التي تدخل في تكوينها، واستقصاء الإنتاج المادي لأصوات الكلام.

ثم يتناول العمليات الأساسية التي تتكوّن بها الكلمات في اللغة، من مثل الاقتراض، الاقتراض بالترجمة، النحت الدمجي (جمع كلمتين لتكوين كلمة جديدة مفردة)، التشذيب (تحويل كلمة مكونة من أكثر من مقطع واحد إلى صيغة أصغر)، اشتقاق الأفعال من الأسباب، التحويل، الوضع، الاختصارات، الاشتقاق، السوابق واللواحق، المقحمات... وهي كلها "عمليات تدخل في تكوين الكلمة كما لو كانت الوحدة التي نسمّيها "كلمة" شكلًا مطردًا يسهل تعرفه دائمًا".

ومن الصَّرف إلى النحو فالتراكيب، يتطرق يول في هذه الفصول إلى اشتقاق الكلم من بعضه البعض لإنتاج مفردات جديدة واستعمالات مستحدثة للكلمة الواحدة داخل المنظومة اللغوية، ويتناول أقسام الكلام والكيفية التي ترتبط بها الكلمات في الجملة الواحدة لإنتاج معنى، ليصل بعدها إلى علم الدلالة، وهو "دراسة معاني الكلمات والعبارات والجمل.."، لينتقل إلى بعض "المظاهر الأخرى للمعنى التي تعتمد اعتمادًا أكبر على السياق والمقاصد التواصلية للمتكلمين".

وفي رأيه، إنَّ "التَّواصل لا يعتمد على التحقق من معاني الكمات في عبارة ما فحسب، بل يعتمد كذلك على التحقق مما يعنيه المتكلمون بالعبارات التي ينطقونها". من هنا، كانت "الذريعيات"، وهي "دراسة ما يعنيه المتكلمون أو معنى المتكلم... ودراسة المعنى الخفي، أو الكيفية التي يتحقق بها الناس مما يعنيه الآخرون حتى حين لا يظهر ذلك المعنى كتابةً ولا شفاهًا، من خلال الاعتماد على عدد كبير من الافتراضات والتوقعات المشتركة حين يحاولون التواصل مع الآخرين".

ولكن كيف ينجح مستخدمو اللغة في تأويل ما يقصد أن يؤديه مستخدمون آخرون لها؟ كيف يمكن أن نفهم ما نقرأه؟ وكيف يمكن أن نكتشف النصوص المركبة تركيبًا صحيحًا في مقابل النصوص المبهمة أو الرديئة؟ وكيف ننجح في المشاركة في نشاط معقد يسمى بالمحادثة؟

جواب يول: تحليل الخطاب، الذي "يهتم عادة بدراسة اللغة في النصوص وفي المحادثة". بعد استعراض خصائص اللغة المختلفة التي يستخدمها الناس لإنتاج الرسائل اللغوية وفهمها، يتساءل عن مكمن هذه القدرة على استعمال اللغة؟ ثم يقدم الإجابة: في الدماغ، ويستدرك: "لكن ذلك لا يعني أنها تقع في أي مكان في الدماغ وكفى". وبذلك، ينطلق لشرح اللسانيات العصبية، وهو حقل يعود إلى القرن التاسع عشر، يراد منه دراسة العلاقة بين اللغة والدماغ، مشيرًا إلى أن أكثر الأجزاء أهمية للغة تقع في مناطق حول الأذن اليسرى.

كذلك، يعرض يول مراحل اكتساب اللغة الأولى، التي تتطلب بعض الشروط الاجتماعية، من بينها التفاعل مع مستخدمي اللغة، ليؤسس الفرد اتصالًا بين القدرة اللغوية ولغة معينة. ويشير إلى أنّ الأطفال الطبيعيين ينمون جميعًا اللغة في سن واحدة تقريبًا، ويتبعون في ذلك الترتيب الزمن نفسه تقريبًا. وفي رأيه، "إن ترتيب اكتساب اللغة يقوم على الأساس نفسه الذي تقوم عليه تطورات المهارات الحركية المحكومة بالإعداد الأحيائي المسبق ونضج دماغ الرضيع".

من "اكتساب اللغة الأولى" إلى "اكتساب اللغة الثانية"، يبدأ المؤلف أولًا في التمييز بين التعلّم والاكتساب، فيشير إلى أنَّ الأخير هو نمو متدرج للقدرة على اللغة في أوضاع اتصالية طبيعية مع آخرين يعرفون اللغة نفسها. أما مصطلح التعلّم، فينطبق على عملية أكثر وعيًا لتراكم المعرفة بخصائص لغة ما، لينطلق بعدها في شرح أبرز موانع الاكتساب، من مثل أثر السن.

أما الكتابة، على اعتبار التطور البشري، فهي ظاهرة حديثة نسبية، يوضح يول، وهي "تمثيل رمزي للغة باستخدام الأشكال المنقوشة. وليست الكتابة، على النقيض من الكلام، نظامًا مكتسبًا، بل يلزم تعلّمه بجهد واعٍ مستمر". ويوضح، في هذا السياق، أنْ ليس للغات كلها أشكال مكتوبة، بل لا يستطيع عدد كبير من الأفراد، حتى في اللغات التي لها أشكال مكتوبة متطورة، استخدام هذا النظام.

في "تاريخ اللغة وتغيّرها"، يشرح الكاتب أنّ دراسة خصائص اللغات الأقدم والطرق التي تطورت بها لتصير اللغات المعاصرة، تدخلنا إلى دراسة تاريخ اللغة وتغيّرها المعروفة بـ"فقه اللغة"، الذي سيطر في القرن التاسع عشر على دراسة اللغة، وكان من نتائجه اقتراح ما يسمى "أشجار الأسر اللغوية" لإيضاح الصلة النسبية بين اللغات. وقد تطلَّب الأمر، بحسب الكاتب، قبل أن يتاح لذلك كلّه أن يحدث، اكتشاف نوعيات من اللغات في أجزاء مختلفة من اللعالم، لتكون أعضاء في الشجرة الأسرية نفسها. ويستعرض في هذا المجال بعضًا من تاريخ اللغة الإنكليزية، عارضًا التغيرات التركيبية والصوتية والدلالية بين الإنكليزية القديمة والإنكليزية الوسيطة.

كذلك، يشرح يول "التنوعات المناطقية في اللغة"، ويتتبَّع مظاهر تنوع اللغة الذي يقوم على المكان الذي تستخدم فيه، بوصفه طريقة لإجراء دراسة للجغرافيا اللغوية، مشيرًا إلى أن في كل لغة عددًا كبيرًا من التنوعات في الطريقة التي تنطق بها خاصة. ويقدم شرحًا للفرق بين اللهجة واللكنة، ملخّصه أنّ اللكنة من حيث الاصطلاح تحصر في مظاهر النطق التي تكشف عن المنطقة التي جاء منها المتكلم أو الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها. أما مصطلح اللهجة، فيستخدم لوصف خصائص النحو والصرف، إضافة إلى مظاهر النطق.

ويفرّق الباحث أيضًا بين الازدواجية اللغوية، التي تعني استخدام اللغة في مستويين مختلفين (عامي وفصيح)، والثنائية اللغوية، التي تعني استخدام لغتين معًا، ذلك أن "التنوعات المناطقية في كثير من الدول لا تقتصر على وجود لهجتين للغة واحدة، بل يمكن أن تشتمل على لغتين مختلفتين إلى حد بعيد أيضًا" (استخدام الفرنسية والإنكليزية في كندا).

يختم يول الفصول الأخيرة بإظهار أثر "التنوع الاجتماعي في اللغة"، لافتاً إلى أن الذين يعيشون في منطقة واحدة، لكنهم يختلفون من حيث التعليم والمكانة الاقتصادية، يتكلمون غالبًا بطرق مختلفة إلى حد بعيد. من هنا، كانت دراسة الخصاص اللغوية المهمة اجتماعيًا عند المتكلمين في تلك الجماعات اللغوية، التي تعرف بـ"اللسانيات الاجتماعية"، وهي مصطلح يستخدم عمومًا لدراسة العلاقة بين اللغة والمجتمع، كما أنها مجال دراسة واسع طُوّر عبر التفاعل بين اللسانيات وعدد من التخصصات الأكاديمية الأخرى، كعلم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي.

وينهي يول كتابه بالإشارة إلى طبيعة العلاقة بين الثقافة واللغة، فيقول: "إن أردنا تجنّب قطع التواصل في أي سياق عابر للثقافات، علينا أن نكون على استعداد لمحاولة فهم أثر الثقافات التي ورثناها، وأن نجد عبر إبداع اللغة التي منحنا إياها كذلك، طرقًا جديدة للتعبير عن تلك الثقافات قبل أن نورثها للأجيال التالية".

هكذا، حاول يول في عشرين فصلاً أن يقدم مسحًا استقصائيًا "لما يعرف عن اللغة والمناهج التي يستخدمها اللسانيون للوصول إلى تلك المعرفة"، راجيًا أن يكون كلّ قارئ قد صار عند نهاية الكتاب أكثر معرفة بالبنية الداخلية للغة، وأكثر إلمامًا باستخداماتها المتعددة في حياة الإنسان، وأكثر استعدادًا لإثارة المزيد من أنواع الأسئلة التي يطرحها اللسانيون المتخصصون حين يقومون بأبحاثهم.