"أن تحبك جيهان".. رواية للأديب الراحل مكاوي سعيد

"أن تحبك جيهان" عنوان الرواية الضخمة التي صدرت أخيراً عن الدار المصرية اللبنانية للكاتب والروائي مكاوي سعيد. الرواية تدور في أجواء ما يحدث في مصر في السنوات الأخيرة من خلال شخوصها النابضة بالحياة، ومن خلال الإبحار بداخل العوالم المختلفة الثرية بين "ريم مطر" و"جيهان العرابي" اللتين يتشكل منهما عالم الرواية المتدفق، وهما امرأتان من طبقة متوسطة اهترأت خلال العقود الفائتة، وانفرطت معها.

رواية "أن تحبك جيهان" للروائي المصري الراحل مكاوي سعيد
رواية "أن تحبك جيهان" للروائي المصري الراحل مكاوي سعيد

يقدم الروائي المصري مكاوي سعيد شخصياته في رواية "أن تحبك جيهان" بطريقة الشهادات عبر ثلاثة أبطال هم أحمد الضوي وريم وجيهان، ولكل منهم قصته الخاصة. الضوي فاقد الثقة في كل شيء بعد زلزال عام 1992، وريم فاقدة الثقة في المجتمع كله بعد تفكك أسري ومعاينة الجريمة وظلالها وهي طفلة تزور مع والدها نادياً للقمار، وترى الخطايا والقتل كتمرين على القسوة، وجيهان الحائرة بين واقعية الصورة ومغامرة اللوحة والتمثال، والتي ترضى بالحيرة طريقاً حذراً بعد فشل تجربتها مع زوجها تميم.

تعكس ريم وجيهان الاتجاهات السياسية التي كانت تشغل أغلبية الطبقة المتوسطة في مصر، فبدا المجتمع من خلالهما مفككًا، تسوده الفردية، ولا اهتمامات جمعية، فكل منهما يبحث عن خلاصه الفردي، وطموحاته، وربما ملذاته الخاصة..

"ريم" فتاة مزاجية ذات تكوين نزق، نشأت في وسط مترف، هيأ لها كل سبل التعليم الراقي والثقافة، والتحقت بمعهد المسرح، لكنها لم تكمل دراستها وتزوجت من أستاذ في المعهد على وعد أن يساعدها في التمثيل، وزجّ بها في أدوار هزيلة أحبطت طموحها تدريجيًّا، وسافرت معه إلى دولة خليجية، وأنجبا بنتًا تعاني مرض التوحد، ثم انفصلت عنه بالطلاق وعادت لتبحث عن مشروعها الخاص، وتحاول تأسيس معهد للتمثيل، وتمارس حريتها مع أحمد الضوي.

و"جيهان العرابي" خريجة معهد السينما، وبدلًا من العمل بالتصوير السينمائي، اختارت التصوير الفوتوغرافي، الذي كان سببًا في تعرفها على "تميم" الفنان التشكيلي الواعد، وتزوجا عن حب. وبقدر طموح تميم الإبداعي، وجموحه، كان انهياره، فلم تحتمل روحه لهفته الجامحة على تنفيذ مشاريع فنية هائلة، وسرعان ما انهار جسده ومات. وبقيت "جيهان" منكفأة على ذاتها، تتعامل مع الرجال بصدود، وريبة مفرطة، وتدور هي وصديقتان لها من سنوات الدراسة، في فراغ الحياة الذي يتسع عليهن بلا راتق، لكنها تظل شخصية محيرة، لا يستطيع أحد الإمساك بملامحها، وربما لا تستطيع هي شخصيًّا تحديد أهدافها في الحياة بشكل واضح.

 وفي مقابل ريم وجيهان، هناك أحمد الضوي بطل الرواية الرئيس، المهندس المقاول المطحون بين عوالمهم وعالمه الخاص الفقير في أحداثه، فهو الذي نشأ في حي عابدين، يتجنب السياسة، لكنه اتصل بالثقافة عبر خاله حسام، المناضل وشاعر العامية المثالي الذي مات في سن مبكرة. وتشاء الظروف أن يحل شريف - وهو مناضل ومثقف تعرض للاعتقال أكثر من مرة - محل خاله حسام في الشقة الملاصقة، وفي المكانة الأدبية عند الضوي. وهناك صديقه "عماد" ضابط الشرطة الشرس الذي لا يتورع عن فعل أي شيء، لكنه بقي صديقًا مخلصًا لأحمد، يؤنسان بعضهما ضد وحشة حياتهما الخالية.

كما تتعرض الرواية لأزمة اليسار المصري، عبر شخصيتي حسام، وجاره شريف الذي كان امتداداً له، وهو ما جعل أحمد متعاطفاً معه إلى حد بعيد، لأنه كان يذكّره بخاله. في تناول مكاوي سعيد لأزمة اليسار كرّر الأخطاء نفسها التي رصدتها السينما (السفارة في العمارة) والدراما (أستاذ ورئيس قسم) في نظرتيهما إلى اليسار، وركّز على حالة الفوبيا التي أصيب بها اليسار من الدولة وأجهزتها الأيديولوجية، كأن يرفض الخال حضور حفل الزفاف لأنه سيجري في إحدى النوادي التابعة لهذه الأجهزة.


الروائي المصري الراحل مكاوي سعيد
الروائي المصري الراحل مكاوي سعيد

فن السرد

الغريب أنه بالرغم من هذا التطويل المستفز، فإن رواية مكاوي لا تصيبك بالملل، بل تدهشك دائماً بمئات التفاصيل الشائقة، فهي حافلة بخبراته. 

ويرد مكاوي سعيد على الانتقادات المتعلقة بالسرد الزائد في رواية "أن تحبك جيهان" فيقول في مقابلة معه: "هؤلاء نقاد وليسوا كتابًا احترافيين؟". ويضيف بأن هذه الرواية تتناول فترة حساسة للغاية من تاريخ مصر مليئة بالأحداث والمتغيرات، وهي السنة الأخيرة من حكم الرئيس المخلوع حسني مبارك وحتى أحداث موقعة الجمل إبّان ثورة 25 يناير(كانون الثاني) 2011، وبالتالي أي محاولة اختصار تعتبر بمثابة خيانة للرواية.

يقول مكاوي سعيد: "الأمر ليس في حاجة للرد لأن القراء كفوني ذلك فروايتي نفدت طبعتها الأولى في 4 أسابيع ونحن الآن فى طبعتها الثالثة ولم يمر على إصدارها غير شهرين. أعتقد أن الاستسهال الذي يتناول به الناس الموضوعات المهمة على وسائل التواصل الحديثة رغّبت الناس أكثر في القراءة الدسمة الممتعة، وهذا ما نراه حاليا ًحتى في دول الغرب. فالأعمال الأدبية المميزة هناك أغلبها من الأعمال الضخمة".

الشيء اللافت على مدار الرواية وتعدّد شخصياتها، أنها تحمل بعداً نسوياً كبيراً، إلا  أنه لا توجد صورة إيجابية للمرأة سوى شخصية كارولين التي كان يطاردها الضابط عماد للزواج منها. ما عدا ذلك فصفة الأمومة منعدمة من جميع الشخصيات على مستوى الجيل الأكبر، فافتقاد الأمومة كان نتاجه غياب الشخصية القدوة في الرواية.

لا تقف الرواية عند حد الحب فحسب، بل ترصد ملامح حياة جملة من المصريين، فمن المقاهي ووسط البلد التي تمثل ركناً أساسياً في أعمال مكاوي سعيد، تنطلق الأحداث لتكشف عن ملامح الثورة الخفية ومحاولات الشخصيات، فضلاً عن حضور شخصيات حقيقية من الواقع المصري، وهي شخصية "خالد سعيد" الذي مهد لقيام ثورة 25 يناير. كل تلك الأحداث والتطرق إلى أحاديث المقاهي والغرق في الشؤون المحلية المصرية أهلت رواية "أن تحبك جيهان" كي تكون رواية شاملة تحكي عن الإنسان المصري الملتحف بالسمات الإنسانية العالمية، وهو ما جعل الرواية صالحة لكل قارئ.

توفي مكاوي سعيد عن واحد وستين عاماً في 9 ديسمبر كانون الأول الجاري، وترك ثلاث روايات لافتة هي «فئران السفينة» و«تغريدة البجعة» التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية عام 2007، و«أن تحبك جيهان»، وستّ مجموعات قصصية، أهمّها «الركض وراء الضوء»، و«سري الصغير»، «البهجة تحزم حقائبها» الحائزة على جائزة ساويرس في القصة القصيرة للكبار عام 2015، وثلاثة كتب سردية هي «مقتينات وسط البلد» و«عن الميدان وتجلياته» و«أحوال العباد»، وعدد من قصص الأطفال، وقصائد شعر كان ينشرها في صباه، لكنه لم يجمعها في ديوان.

وكان مكاوي قد بدأ يكتب القصائد الفصحى والعامية وهو طالب جامعي، متأثّراً في بصلاح عبد الصبور وبدر شاكر السياب وأحمد عبد المعطي حجازي ومحمد الفيتوري. وقد انهمك في كتابة مقالات ثقافية واجتماعية منتظمة لصحيفة «المصري اليوم» في السنوات الأخيرة، وحقق في فن المقال نجاحاً كبيراً.

يقول الكاتب عمار علي حسن: "لولا انسحاب مكاوي سعيد من الحياة الثقافية متأثراً بالرحيل المبكر للكاتب والقاص الموهوب يحيى الطاهر عبدالله، لكان بوسعه أن يكتب المزيد من الروايات والمجموعات القصصية، وهي مسألة انتبه إليها في السنوات الأخيرة، حين ترك وظيفته كمحاسب في إحدى شركات المقاولات وتفرغ للكتابة، عائداً إلى ما كان يتوقعه له الطاهر عبد الله، الذي راقت له موهبة مكاوي، فأثنى على قصصه، وزكّى بعضها للنشر في مجلات ودوريات ثقافية مصرية وعربية، وهي قصص نشر مكاوي".

حصل مكاوي على جوائز وتكريمات في مصر والبلاد العربية، كما ترجمت مجموعة من أعماله إلى اللغة الإنجليزية والألمانية والفرنسية.