عبد الناصر.. ما له وما عليه

بمناسبة احتفال وزارة الثقافة بمئوية جمال عبد الناصر، صدرت أخيراً عن المركز القومي للترجمة، الطبعة العربية من كتاب "ناصر" للصحافي الروسي أناتولي أغاريشيف، نقله إلى العربية سامي عمارة.

كتاب "ناصر" للصحافي الروسي أناتولي أغاريشيف
كتاب "ناصر" للصحافي الروسي أناتولي أغاريشيف

يتناول الكتاب المترجم عن الروسية بدقة حياة جمال عبد الناصر حسين (15 يناير/ كانون الثاني 1918 – 28 سبتمبر/ أيلول 1970). هو ثاني رؤساء مصر. تولى السلطة من سنة 1956 إلى وفاته. وهو أحد قادة حركة الضباط الأحرار في 23 يوليو/ تموز عام 1952، التي أطاحت بالملك فاروق (آخر حاكم من أسرة محمد علي)، والذي شغل منصب نائب رئيس الوزراء في حكومتها الجديدة. وصل عبد الناصر إلى الحكم فوضع أول رئيس لمصر محمد نجيب تحت الإقامة الجبرية، وذلك بعد تنامي الخلافات بين نجيب وبين مجلس قيادة الثورة. ثم استقال عبد الناصر من منصبه في الجيش وتولى رئاسة الوزراء ثم رئاسة الجمهورية باستفتاء شعبي يوم 23 يونيو/ حزيران عام 1956.

 فقد أدت سياسات عبد الناصر المحايدة خلال الحرب الباردة إلى توتر العلاقات مع القوى الغربية، التي سحبت تمويلها للسد العالي، الذي كان عبد الناصر يخطط لبنائه. ورد عبد الناصر على ذلك بتأميم شركة قناة السويس سنة 1956، ولاقى ذلك استحسانًا داخل مصر والوطن العربي. وبالتالي، قامت بريطانيا، وفرنسا، وإسرائيل باحتلال سيناء، لكنها انسحبت وسط ضغوط دولية، وقد عزز ذلك مكانة عبد الناصر السياسية بشكل ملحوظ. ومنذ ذلك الحين، نمت شعبية عبد الناصر في المنطقة بشكل كبير، وتزايدت الدعوات إلى الوحدة العربية تحت قيادته، وتحقق ذلك بتشكيل الجمهورية العربية المتحدة مع سوريا (1958 - 1961).

  تشهد سنة 1962 على بدء عبد الناصر سلسلة من القرارات الاشتراكية والإصلاحات التحديثية في مصر. وعلى الرغم من النكسات التي تعرضت لها قضيته القومية العربية، بحلول سنة 1963، وصل أنصار عبد الناصر إلى السلطة في دول عربية عدة، كما شارك عبد الناصر في الحرب الأهلية اليمنية. قدم ناصر دستورًا جديدًا في سنة 1964، وهو العام نفسه الذي أصبح فيه رئيسًا لحركة عدم الانحياز الدولية.

بدأ عبد الناصر ولايته الرئاسية الثانية في مارس/ آذار 1965 بعد انتخابه من دون معارضة. وتبع ذلك هزيمة مصر في عدوان إسرائيل في حزيران يونيو سنة 1967. واستقال عبد الناصر من جميع مناصبه السياسية بسبب تلك الهزيمة، ولكنه تراجع عن استقالته بعد مطالبات بعودته إلى الرئاسة. وبين سنتي 1967 و1968 عيّن عبد الناصر نفسه رئيسًا للوزراء بالإضافة إلى منصبه كرئيس للجمهورية. وشن حرب الاستنزاف لاستعادة الأراضي المحتلة في حرب 1967. وبدأ عملية عدم تسييس الجيش وأصدر مجموعة من الإصلاحات الليبرالية السياسية.

 الكاتب يتعرض إلى وجهات نظر مهمة، عن تحول مصر في عهد عبد الناصر - وللمرة الأولى - إلى عنصر فاعل وإيجابي في السياسة الدولية، بعد أن كانت مجرد عنصر من عناصر السياسة العالمية، وكيف أصبحت حركة يوليو/تموز المصرية بضربها المثل للشعوب المضطهدة بشأن قدرتها على التصدي بشكل فاعل لسيطرة الإمبريالية؛ علامة مهمة على طريق الصحوة الهائلة لحركة التحرر الوطني في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، وفي العالم العربي على وجه الخصوص، حيث غدا الشعب المصري دافعًا قويًا لعملية التحرر الوطني فى البلدان العربية، مثل حرب التحرير في الجزائر، وحصول تونس والمغرب واليمن الجنوبية والسودان على الاستقلال، والثورة في العراق وليبيا والتحولات التقدمية في سوريا.

 يسرد الكاتب كيف لعب ناصر دورًا فذًا فى خلق واستقرار حركة عدم الانحياز، وفى تعبئة البلدان العربية للتصدي لسياسات الكيان الإسرائيلي التوسعية.

وتقول هدى عبد الناصر في مقدمة الكتاب: "هذا الكتاب بذل فيه أناتولي أغاريشيف مجهودًا كبيرًا في جمع المعلومات وتحليلها، ومحاولة الوصول إلى فلسفة كل مرحلة من حياة عبد الناصر في طفولته وشبابه، قبل حركة يوليو/ تموز 1952، ثم بعد أن وصل إلى قمة السلطة، لم يتوقف عند الأحداث، وإنما تعمق أكثر في الأسباب والدوافع، ثم النتائج بما تحويه من نجاح وإخفاق. الواقع أن الكاتب أغاريشيف نجح في فهم التاريخ المصري المعاصر والمجتمع الذي نشأ فيه عبد الناصر، بل وعقلية العرب في القرن العشرين، وعبّر عن ذلك كله بأسلوب شيق يدفع القارئ إلى الاستزادة حتى آخر الكتاب".

وهنا تستطرد هدى عبدالناصر لتقول "أعرف أن هذا قد تطلب مجهودًا كبيرًا فى القراءة والمقابلات، ومما يجعل موضوع الكتاب صعبًا هو أن عبد الناصر ما زال موضع جدل دائر في مصر والعالم العربي حتى الاّن، بل وأن الهجوم عليه أصبح رمزًا لمعاداة مبادئه الأساسية في الاشتراكية والعدالة الاجتماعية والقضاء على الاحتكار وسيطرة رأس المال على الحكم".


عبد الناصر والاشتراكية

الرئيس المصري جمال عبد الناصر
الرئيس المصري جمال عبد الناصر

 اهتم المؤلف بتجربة تطبيق الاشتراكية في مصر، والتي تختلف عن الماركسية على الرغم من أن عبد الناصر قد قرأ مؤلفات ماركس ولينين. كما اهتم أغاريشيف بالماركسيين المصريين وأثرهم في برنامج حركة 23 يوليو/ تموز، لكنه لم يتعرض للأزمة التي حدثت بين عبد الناصر والشيوعين العرب عمومًا بعد الوحدة المصرية - السوريا، واشتراط عبد الناصر إلغاء الأحزاب ومنها الحزب الشيوعي السوري.

  لقد عُرف ناصر بعلاقته الحميمة مع المصريين العاديين، على الرغم من أن محاولات اغتياله كانت لا مثيل لها بين خلفائه. وكان ناصر خطيبًا ماهرًا، فأعطى 1359 خطبة بين سنتي 1953 و1970، وهو رقم قياسي بالنسبة لأي رئيس مصري. كتب المؤرخ إيلي بوده أن من الثوابت في شخصية عبد الناصر "قدرته على تمثيل الأصالة المصرية، في الانتصار أو الهزيمة". وساهمت الصحافة الوطنية أيضًا في تعزيز شعبيته، وخاصة بعد تأميم وسائل الإعلام الرسمية.

  بالرغم من كثرة الانتقادات التي وجهت لناصر من قبل المثقفين المصريين في أعقاب حرب الأيام الستة وحتى وفاته في سنة 1970، كان عامة الناس يزدادون تعاطفًا معه، أثناء حياته وبعد وفاته، وفقًا لبوده. حتى يومنا هذا، يعتبر ناصر شخصية بارزة في جميع أنحاء الوطن العربي، ورمزًا للوحدة العربية، وشخصية هامة في تاريخ الشرق الأوسط الحديث. ويعتبر أيضًا مدافعاً عن العدالة الاجتماعية في مصر. تقول مجلة التايم الأميركية أنه على الرغم من أخطائه وأوجه القصور لديه، أضفى ناصر شعورًا بالقيمة الشخصية والكرامة الوطنية، التي كان المصريون والعرب لا يعرفونها منذ 400 سنة.    

  من جملة الانتقادات الداخلية التي وجهت إلى عبد الناصر كانت إطلاق يد المشير عبد الحكيم عامر، الذي يتهمه كثيرون بعدم المسؤولية والاستعلاء. في هذا السياق يتهم عامر بأنه كان مسؤولًا عن هزيمة  يونيو/ حزيران عام 1967 وعن فشل الوحدة مع سوريا، وعن فشل مشاريع الوحدة مع العراق واليمن جنبًا إلى جنب مع أنور السادات بسبب تصرفات الجيش في سوريا واليمن التي عدت كتصرفات قوات غازية ومحتلة ذات طبيعة عنجهية.


مكانة عبد الناصر عربيًا

من مشاهد تشييع الرئيس المصري جمال عبد الناصر
من مشاهد تشييع الرئيس المصري جمال عبد الناصر

كان من الممكن أن يكون عبد الناصر قادرًا على تجسيد الإرادة الشعبية العربية، فلقد استوحيت العديد من الثورات القومية في الوطن العربي من أفكاره، إذ كانت إنجازاته غير مسبوقة بالنسبة للزعماء العرب الآخرين. فمركزية ناصر في المنطقة جعلت إحدى أولويات الرؤساء القوميين العرب إقامة علاقات جيدة مع مصر، من أجل كسب شعبية بين مواطني بلادهم. وكان نظام سيطرة الدولة الخاص بناصر قدوة لجميع الدول العربية تقريبًا، ومنها الجزائر وسوريا والعراق وتونس واليمن، والسودان، وليبيا. فنجد أحمد بن بلة، أول رئيس للجزائر، ناصريًا. وأصبح عبد الله السلال (أحد حلفاء ناصر) رئيساً لليمن الشمالي. وحدثت انقلابات أخرى متأثرة بناصر، كتلك التي وقعت في العراق في يوليو/ تموز 1958 وسوريا في سنة 1963، ومعمر القذافي الذي أطاح بالنظام الملكي الليبي في الفاتح من سبتمبر/ أيلول سنة 1969، واعتبر ناصر بطل وسعى لخلافته في "زعامة العرب". وأيضًا في سنة 1969، العقيد جعفر النميري، المؤيد لناصر، استولى على السلطة في السودان. وانتشرت أفكار عبد الناصر القومية في جميع أنحاء الوطن العربي، وخاصة بين الفلسطينيين، وفي جنوب اليمن، ودول الخليج العربية، والعراق.

 بعد انتهاء القمة العربية يوم 28 سبتمبر/ أيلول 1970، عانى عبد الناصر من نوبة قلبية. ونقل على الفور إلى منزله، حيث فحصه الأطباء. توفي ناصر بعد ساعات عدة، حوالي الساعة السادسة مساء. وفقًا لطبيبه، الصاوي حبيبي، كان السبب المرجح لوفاة عبد الناصر هو تصلب الشرايين، والدوالي، والمضاعفات من مرض السكري منذ فترة طويلة. وكان ناصر يدخن بكثرة، هذا بالإضافة إلى تاريخ عائلته في أمراض القلب التي تسببت في وفاة اثنين من أشقائه في الخمسينات من نفس الحالة. بالرغم من كل ذلك فإن الحالة الصحية لناصر لم تكن معروفة للجمهور قبل وفاته. بعد الإعلان عن وفاة عبد الناصر، عمت حالة من الصدمة في مصر والوطن العربي. حضر جنازة عبد الناصر في القاهرة في الأول من أكتوبر/ تشرين الأول بين خمسة وسبعة ملايين مشيّع. حضر جميع رؤساء الدول العربية، باستثناء العاهل السعودي الملك فيصل. بكى الملك حسين ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات علناً، وأغمي على معمر القذافي من الاضطراب العاطفي مرتين. وحضر الدفن عدد قليل من الشخصيات غير العربية الكبرى، منها رئيس الوزراء السوفيتي أليكسي كوسيغين ورئيس الوزراء الفرنسي جاك شابان دلماس.

 بعد أن بدأ الموكب بالتحرك، أخذ المشيعون يهتفون: "لا إله إلا الله، ناصر هو حبيب الله ... كلنا ناصر". حاولت الشرطة دون جدوى تهدئة الحشود، ونتيجة لذلك، تم إجلاء معظم الشخصيات الأجنبية. وكان المقصد النهائي للموكب هو مسجد النصر، الذي تم تغيير اسمه فيما بعد ليصبح مسجد عبد الناصر، حيث دفن الرئيس الراحل.

 


كاريزما عبد الناصر

بسبب قدرته على تحفيز المشاعر القومية، "بكى الرجال والنساء، والأطفال، وصرخوا في الشوارع" بعد سماع وفاته. وكان رد الفعل العربي عامة هو الحداد ، وتدفق الآلاف من الناس في شوارع المدن الرئيسية في جميع أنحاء الوطن العربي. وانطلقت مسيرة ضخمة في بيروت وقتل فيها أكثر من عشرة أشخاص في نتيجة للفوضى، وفي القدس، سار ما يقرب من 75.000 عربي خلال البلدة القديمة وهم يهتفون "ناصر لن يموت أبداً". شريف حتاتة، السجين السياسي سابقاً في عهد جمال عبد الناصر، قال "إن العالم لن يرى مرة أخرى خمسة ملايين من الناس يبكون معًا جمال عبد الناصر".

  مؤلف الكتاب هو أناتولي أغاريشيف، صحافي سوفياتي شغل العديد من المناصب القيادية في صحيفة "كومسومولسكايا برافدا" إحدى أكبر الصحف السوفياتية والروسية الواسعة الانتشار التي أوفدته لاحقًا الى القاهرة مراسلًا لها في نهاية الستينيات من القرن الماضي، ارتبط بعلاقات واسعة مع مختلف رجالات السياسة والثقافة في مصر والعديد من البلدان العربية.