الزحف غير المقدس: تأميم الدولة للدين

إن الدراسة المتأنية لظاهرة هجرة المصريين إلى الخارج، من شأنها أن تمدنا بتفاصيل ومعلومات ذات قيمة فيما يخص تطبيقات مفهوم المواطنة في المجتمع المصري.

يبحث الكتاب مسألة المواطنة عن طريق دراسة العلاقة الشائكة ما بين الدين والسلطة.

في هذا الكتاب، يتعرض الباحث والأكاديمي المصري الدكتور سيف الدين عبد الفتاح، لواحد من أهم الموضوعات المُثارة على الساحة السياسية في المنطقة العربية في الفترة الأخيرة، ألا وهو موضوع المواطنة، وذلك عن طريق دراسة العلاقة الجدلية الشائكة ما بين الدين من جهة والسلطة من جهة أخرى، والبحث في الكيفية التي عملت الدولة من خلالها على بسط نفوذها على مظاهر التديّن القائمة في المجتمع، فيما يبدو كنوع من التأميم، والذي وصفه الباحث في كتابه بـ"الزحف غير المقدس".

 

 كيف نبحث في مفهوم المواطنة وتطبيقاتها؟

في بداية كتابه، يستعرض عبد الفتاح الآليات التي استخدمها في سبيل دراسة موضوع المواطنة، فيؤكد على أن الطرق والمناهج التقليدية والتي لطالما لجأ الباحثون العرب إليها، للولوج إلى سبر أغوار هذا الموضوع المعقد، لن تمكّنه من الخروج بنتائج جديدة، بل ستقف عند حد التنظيرات المكررة والتي اعتادت أن تدرس المواطنة من خلال قضايا العلمانية أو مشكلات الأقباط أو الهوية.

من هنا يقرر الباحث أنه قد لجأ إلى منهج جديد وغير منتشر بين الدارسين والباحثين، وهو المنهج الذي يقوم على النظر إلى المجتمع على كونه نصاً. ويبيّن الباحث أهمية تلك المنهجية بقوله "إن قراءة النص المجتمعي يمكن أن تعكسه مصادر غير تقليدية ومادة معلومات مختلفة، تغلب على معظمها فكرة اللقطات من خلال حادثات تبدو فردية، ولكنها بالنظر العميق غير ذلك، وبالنظر الدقيق فهي إن لم تمثل ظاهرة فإنها تؤشر عليها، وهي لقطات كالبؤرة المجمعة للصورة والعدسة اللامة للحدث وبلورته".

ويرد عبد الفتاح على الباحثين الذين قد يعترضون على منهجيته، لكونها تميل إلى الفردية وأخذ لقطات بعينها، واقتطاعها من السياق، واستصدار أحكام عمومية على المجتمع ككل، فيقول إن تلك المنهجية قد تمت الاستعانة بها من قبل في الكثير من الدراسات الجادة والمهمة، ومنها على سبيل المثال ما فعله الكاتب تيموثي ميتشل في كتابه المهم "استعمار مصر"، والذي درس فيه من خلال فكرة "المعرض" الكيفية التي استخدمها الاستعمار الغربي في مد سيطرته على المنطقة العربية في نهايات القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين.

 

ما بين مفهومي الدين والدولة

يلفت المؤلف النظر إلى أن من المهم أن نجد تعريفاً شاملاً لكل من الدين والدولة قبل أن نحاول أن نتعرف على الكيفية التي تقوم بها الدولة بتأميم الدين لصالحها.

يعرّف سيف عبد الفتاح الدين، بقوله: "يكون الدين إيماناً بالله يعمّر دنيا الناس، وعقيدة تخلق حضارة، وعبادة تربّي مجتمعاً... الدين انطلاق للحياة والسلوك والتشريع من دون أن ينحصر في مجموعة من الكلمات أو التقاليد والمظاهر الجامدة المتنافية التي تتضمنها الأوراق وتتناولها الشفاه... دين الحياة، دين للواقع".

معنى ذلك أن عبد الفتاح يرى أن الدين يتداخل بشكل أو بآخر في جميع النواحي الاجتماعية، فهو يتفاعل مع كل السياقات القائمة، حيث يعمل من خلالها على تنفيذ أهدافه وغاياته الرئيسة، والتي يقسّمها الباحث إلى شقين أساسيين، أولهما عبادة الله تعالى عن طريق توحيده وتنفيذ أوامره واجتناب نواهيه، وثانيهما الحفاظ على الإنسان والجنس البشري عن طريق العمل على عمران الأرض واقامة الحضارة.

بعد ذلك يتطرق المؤلف إلى تعريف الدولة، ويقصد بها الدولة القائمة في المنطقة العربية، والتي تختلف كثيراً عن مثيلتها التي ظهرت في الدول الغربية، فيؤكد على أن الدولة في مجتمعاتنا كانت ذات نشأة مشوّهة، حيث يمكن أن نصفها بالدولة الحابسة أكثر من وصفها بالدولة الحارسة. ويؤكد عبد الفتاح أن مفهوم السيادة عند الدول القومية العربية من شأنه أن يزيد تلك المسألة جلاءً ووضوحاً، فالسيادة في الدول العربية قد ارتبطت بأربعة أمور جوهرية، وهي أنها "سلطة عليا، سلطة أصيلة، سلطة واحدة غير مجزأة، سلطة آمرة".

معنى أنها سلطة عليا، أنه لا توجد سلطة أعلى منها أو موازية لها "فهي تسمو فوق الجميع وتفرض ذاتها". أما معنى كونها أصيلة، فهي أنها لا تستمد أصلها من سلطة أخرى. وفي ما يخص مركزيتها وعدم قابليتها للتجزئة، فإن ذلك يعني أنه ورغم وجود سلطات مختلفة ومتعددة في الدولة، فإن تلك السلطات لا تتقاسم السلطة فيما بينها كما يبدو في الظاهر، بل إنها في الحقيقة تتقاسم الاختصاصات ليس إلا.

أخيراً، فإن معنى أن تكون الدولة القومية آمرة، هي أنها تقوم بإصدار الأحكام والقرارات من قبلها، فلا يحق لأحد من الأفراد الرفض أو الاعتراض، "ولا يتبدى ذلك في القوانين الصادرة من سلطتها التشريعية فقط، وإنما يتبدى ذلك أيضاً فيما يصدر عنها من قرارات إدارية: كالقرارات الصادرة بنزع الملكية الخاصة للمنفعة العامة، والقرارات الصادرة عن الإدارة باعتبارها سلطة ضبط أو سلطة شرطة/ بوليس". ويسمّي عبد الفتاح تلك الدولة التي وصفها في السطور السابقة باسم "الدولة المتألهة" أو الألوهية البديلة.

ويؤكد المؤلف على أن مؤسسات الدولة في المنطقة العربية قد شهدت تداخلاً كبيراً في الوظائف والاختصاصات والصلاحيات، حيث يذكر بوضوح "أن الدولة –السيادة كما آلت إليه في بلادنا إنما عبّرت عن تماهٍ بين الحدود بين مفاهيم تعودنا أن نميّز فيها بينها من مثل الدولة، السلطة، الحكومة، السلطة التنفيذية، النظام السياسي، جهة الإدارة والبيروقراطية... كل ذلك وفق عناصر مشوّشة في الإدراك، مشوّهة في الممارسة، أصبح لا حد بينها ولا فصل".

ويحدد عبد الفتاح أحد أهم معالم الارتباك والتشويش الذي طال فكرة السيادة، عندما يتطرق إلى عدد من المصطلحات والمفاهيم المؤدلجة التي يتم ترديدها بكثرة في محيط المنطقة العربية، مثل الأمة والشعب والوطن والجماهير، وهي كلها مصطلحات تستخدمها السلطة في سبيل فرض قوتها في داخل مناطق نفوذها، مما يستتبع تحول العلاقة ما بين الحاكم والمحكوم إلى علاقة جبرية لا سبيل للفكاك من قيودها وأسرها، وتتحول الدولة فيها إلى تنين أسطوري مثل ذلك الذي أشار إليه توماس هوبز في عدد من أهم كتاباته.

ويلاحظ الباحث أن القوة والنفوذ الهائلين اللذين تستخدمهما الدولة مع المواطنين، يترافقان ويتلازمان دائماً مع حالة من الخضوع والاستكانة التي تتعامل بها الدولة-التنين مع المجتمع الدولي، ومع القوى العظمى التي توجد في العالم.

ويلاحظ عبد الفتاح أن الدولة قد لجأت من خلال سبل شتى، لشرعنة ومنطقة فرض سلطتها المطلقة على رعاياها، وكان مفهوم المواطنة هو أحد أهم تلك الطرق وأكثرها فاعلية ونجاحاً، ذلك أن السلطة عملت على تقديم نموذج للمواطن الصالح، وهو ذلك الذي يكون فيه الفرد متماشياً مع سياسات الدولة وتوجهاتها وميولها، بينما صار كل فرد يرفض أو ينتقد تلك السياسات، يتم التعامل معه بوصفه مواطن غير صالح، وتُلصق به صفات سلبية مذمومة، مثل الخيانة والشذوذ الفكري.

من هنا فإن المواطن الذي يريد أن ينتقد الدولة في المحيط العربي، قد صار يتعرض لضغط هائل، وذلك من طريقين: الطريق الأول هو طريق داخلي، ويتمثل في الضغط الواقع عليه من السلطة المستبدة التي لا تتقبل النقد أو الاعتراض. أما الطريق الثاني فهو طريق خارجي، وهو ذلك الذي تمثّله الضغوطات التي تفرضها القوى العُظمى على الدولة نفسها.

ويلفت عبد الفتاح النظر إلى أن الأسباب التي دعت إلى ظهور مصطلحات ومفاهيم مثل المواطن والمواطنة داخل الدولة، كانت هي نفسها التي دعت إلى ظهور مصطلحات مثل العدو، والصديق، والحليف، ومحور الشر والدول المارقة على الصعيد السياسي العالمي، حيث احتاجت القوى العُظمى، والتي تقف الولايات المتحدة الأميركية، في الطليعة منها لاستحداث مفاهيم دولية جديدة تدلل على التبعية والخضوع، خصوصاً بعد أحداث الحادي عشر من أيلول - سبتمبر 2001.

ويرى الباحث أن تلك المصطلحات والمفاهيم التي حاولت عن طريقها الدولة / القوى العُظمى، أن تشرعن لسلطتها الهائلة على الفرد/ الدولة، قد أهملت بالكلية السياق الذي ينظر إلى العملية السياسية على كونها تستهدف الصالح العام أو المصلحة المشتركة في المقام الأول، حيث خرجت تلك العملية عن المسار الذي يفترض أن تسير فيه. فقد "انتقلت الشرعية من مفهوم تتم صياغته وفق مقتضيات عناصر الرضا العام، ضمن شبكية العلاقات الداخلية بين الحاكم والمحكوم، وظل البعد الخارجي فيها الذي يتعلق بالسياسات الخارجية للدول مشدوداً إلى أصل الرضا العام الداخلي في إطار اكتساب أو اضفاء الشرعية، انقلب هذا الأمر الآن حيث تتم صياغة مفهوم الشرعية صياغة لاعتبارات خارجية في سياق سياسة كونية لدولة أعظم، بدأت تصدر صكوك غفران وشهادات إبراء ذمة وشهادات نوايا حسنة وطيبة، وفي المقابل صارت تصدر شهادات محاسبة وعقوبات وحصار، بل وحملات تأديبية خارج الولايات المتحدة، ضمن عملية كبرى لعولمة الأمن الأميركي".


ماذا نعني بـ"الزحف على الدين وتأميمه"؟

بعد أن أوضح المؤلف في الجزء الأول من كتابه، ما يقصده بمصطلحي الدين الشامل والدولة المسيطرة، فإننا نجده في الجزء الثاني من كتابه يعمل على شرح الكيفية التي عملت من خلالها الدولة على السطو والزحف على مخصصات الظاهرة الدينية.

يوضح عبد الفتاح أن الدولة قد استخدمت استراتيجية محددة في سبيل الوصول إلى غاياتها وأهدافها، الشق الأول من تلك الاستراتيجية تمثل في رفض ممارسة الجماعات والأحزاب الدينية للسياسة، حيث تمت تسمية ذلك الفعل بتسييس الدين، وتم رفضه من جانب مؤسسات الدولة بشكل كامل وتام، ومن أهم الأمثلة على ذلك رفض الدولة المصرية عبر عهودها المختلفة لجماعة الإخوان المسلمين وتسميتها بالجماعة المحظورة، وذلك برغم الثقل الكبير الذي تمتلكه تلك الجماعة في الشارع المصري.

أما الشق الثاني من الاستراتيجية فقد تمثل في عملية احتكار الدين، من خلال الانفراد بسلطتي الانتقاء والتأويل، وهو ما يعني أن الدولة - من خلال مؤسساتها الدينية الرسمية- قد مارست سلطة اختيار نصوص دينية معيّنة يتم وضعها في حيز الاهتمام والتركيز. كما أنها أيضاً قد قامت بتأويل النصوص الدينية بالشكل الذي يتناسب مع توجهاتها وأهدافها الكلية.

بعد ذلك يتعرض الباحث لبعض المفاهيم والمصطلحات الدينية، والتي لجأت الدولة إلى استعمالها في سياقات مختلفة، بهدف تدعيم سلطتها وسيطرتها المطلقة على رعاياها.

من تلك المفاهيم مفهوم البيعة، وهو وإن كان مفهوماً دينياً يرتبط في أغلب الأوقات بعملية اختيار السلطة السياسية، إلا أن الدولة الحديثة قد وظفته بشكل مغاير، حيث أضحى يعبّر عن الإجماع الشعبي والمطلق لصاحب السلطة، ومن ثم فلم يكن من العجيب أن نسمع عن مصطلحات مثل "مواكب البيعة" أو "تجديد البيعة" في أثناء العمليات الانتخابية أو الاستفتاءات الصورية التي يجري فيها إعادة التأكيد على شرعية رئيس الدولة كل بضعة أعوام.

ومن تلك المفاهيم أيضاً، مفهوم التوبة، وهو بالأساس مفهوم عقائدي ديني بامتياز، ويشير إلى إقلاع الفرد عن المعاصي والذنوب، وعودته إلى طريق الحق والدين. وبحسب ما يؤكد المؤلف فإن الدولة قد اختطفت ذلك المفهوم لصالحها عندما وصفت به بعض المتشددين الذين رجعوا عن معتقداتهم ورضوا بسلطة الدولة واستكانوا لها.

أيضا يذكر المؤلف مفهوم الشهادة بكونه أحد تلك المفاهيم التي اختطفتها الدولة، حيث يذكر أن المعنى الأصلي للشهادة، كان ينحصر في التأكيد على موثوقية العقود والمواثيق، ولكن الدولة سرعان ما لجأت إلى استخدام ذلك المصطلح في سياق محاولة إضفاء الشرعية على الانتخابات والاستفتاءات التي تدعو المواطنين إلى المشاركة فيها. وكان الهدف الأول من ذلك هو إضفاء الشرعية على تلك الممارسات السلطوية. ومن هنا فلم يكن غريباً أن نجد بعض الدعوات السياسية تقول بأن المشاركة في الانتخابات واجب شرعي، وأن من يرفض المشاركة مثله مثل الذي يكتم شهادته.

ويشير عبد الفتاح إلى مفهوم الحسبة من ضمن المفاهيم التي طالها الكثير من التغيير على يد الدولة، فالحسبة والتي شرّعها الدين الإسلامي لجميع المسلمين للمساهمة بدور فعال في سبيل الأمر بالمعروف من جهة والنهي عن المنكر من جهة أخرى، صار في ظل سيطرة الدولة الحديثة، أمراً مقصوراً على الدولة فحسب، حيث أضحى النائب العام هو الشخص الوحيد الذي يملك صلاحية تحريك دعاوي الحسبة، دوناً عن جميع الأفراد في المجتمع.

بعد ذلك ينتقل المؤلف ليلقي الضوء على أحد أبرز الممارسات الاحتكارية المهمة التي تمارسها الدولة ضد المواطن، وهي تلك التي تتبدى في صيغ العقود التي تعرف باسم عقود الإذعان.

عقود الإذعان، هي تلك العقود التي توثق لعقد يتم ما بين طرفين، أحدهما تكون له سلطة مطلقة في معظم البنود، بينما يكون الطرف الأخر خاضعاً مغلوباً على أمره في معظم النقاط.

يلاحظ الدكتور سيف عبد الفتاح أن هذه العقود بالذات، تنتشر انتشاراً كثيفاً في المجتمعات العربية، حيث تدخل ضمن نطاقها عقود الكهرباء والمياه والغاز والاتصالات وغير ذلك من المرافق والخدمات التي تحتكرها الدولة، أو تعطي سلطة احتكارها لمجموعة من شركات القطاع الخاص. فذلك النوع من العقود قد حظي بانتشار كبير جداً في المنطقة العربية، إلى الحد الذي عُرف معه باسم "العقود النموذجية"، هذا مع العلم أن تلك الصيغة التعاقدية لم تحظَ بانتشار في الدول الغربية التي تنتهج الخط الديموقراطي.

ويرى الكاتب أن ذلك النوع من العقود يشهد على مواطنة المغارم، وهي تلك التي يكون فيها المواطن "لا حقوق له، بينما تكون الدولة لها كل الحقوق"، مما يؤدي إلى استباحة حقوق المواطن والنظر إليه على كونه مملوكاً.

ويرى عبد الفتاح أن تلك السياسة، لا تتماشى مطلقاً مع الغايات الدينية، والتي يعبّر القول المأثور "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً" عن مضامينها الأصيلة، فالإسلام قد حرص على تكريم الإنسان وعلى التأكيد على صفات الحرية والمسؤولية التي يتمتع بها. ومن هنا ظهرت القاعدة الفقهية التي تؤكد على أن المُكره لا يمين له، وأن المُستكره لا يمكن أن يحاسب على أفعاله وتصرفاته.

ويواصل المؤلف بعد ذلك التعليق على مشاهداته الشخصية في المجتمع المصري، فيتكلم عن الفقر الذي أصاب شريحة كبيرة من المجتمع، فيؤكد على أن حالة الفقر المدقع لا تظهر في أي مجتمع إلا بسبب الفساد والغنى الفاحش، ويدلل على ذلك بقول الإمام علي بن أبي طالب: "ما جاع فقير إلا بما متع به غني".

ويذكر عبد الفتاح إحدى الحالات المؤسفة التي كان هو شخصياً شاهداً عليها، عندما انتحر واحد من أكثر طلابه تفوقاً واجتهاداً، بعدما يئس من الحصول على فرصة الوظيفة التي تليق به، وهو الأمر الذي يحتج به المؤلف على انتشار الظلم الاجتماعي الذي يبعد الأفراد كثيراً عن القيم الحقيقية لفكرة المواطنة، وما ارتبط بها من مبادئ وحقوق.

وفي سياق متصل، يتعرض المؤلف لمشكلة ازدياد عدد السكان، وكيف أن الدولة قد عملت منذ أمد بعيد على اعتبار أن الزيادة السكانية هي واحدة من أهم المشكلات الكارثية التي تواجه المجتمع المصري. فتلك الفكرة التي روّجت لها الدولة، ما هي إلا محاولة من السلطات لإزاحة العبء والمسؤولية من على كاهلها، وأنها بتلك الطريقة قد حاولت أن تبرّر عجزها وقلة حيلتها أمام الشعب، كما أن ذلك الأسلوب في المعالجة كان من شأنه أن يدعم من مفهوم "المواطن العبء"، وهو ما يتنافى ويتعارض بشكل صارخ مع قيم المواطنة.

ويرى المؤلف أن الخطاب الديني يركز ويؤكد على أن الزيادة السكانية ليست أمراً سلبياً على الإطلاق، بدليل أن العديد من الأحاديث النبوية قد حضت وشجعت على التناسل والتكاثر. ولكن المؤلف في الوقت ذاته يستدعي بعض الأحاديث التي تذكر أن العبرة والمباهاة ليست في العدد فحسب، ويستنبط منها أهمية التنمية والتوعية للسكان، حيث يعتقد أن تلك التنمية من شأنها حل المشكلة السكانية، خصوصاً إن توافرت النية الصادقة من السلطة لتضييق الفوارق الطبقية وتحقيق العدالة الاجتماعية.


كيف تجلّت حقيقة المواطنة في النصوص الأدبية؟

بعد أن استعرض المؤلف لعدد كبير من الظواهر المؤسفة التي يظهر فيها التعارض ما بين القيم الدينية وتطبيقات مفهوم المواطنة في المجتمع المصري، يبدأ في استعراض بعض النصوص الأدبية والتي تتضح فيها مظاهر تلك الحالة الجدلية الإشكالية، حيث يذهب عبد الفتاح إلى إعادة قراءة العديد من النصوص الشعرية والحكايات الشعبية والنكات والأمثال، نابشاً فيما بينها عما يخدم بحثه ودراسته.

في المجال الشعري، يتخذ المؤلف من قصائد الشاعر أحمد مطر نموذجاً، حيث يعرض لبعض قصائده التي يتحدث فيها عن قضايا وثيقة الصلة بموضوع البحث، منها ضياع حقوق الأفراد في بلادهم، وسياسات الإفقار، والفساد والرشوة والمحسوبية.

أما فيما يخص النكات، فإن المؤلف يرجع لكتاب جيمس سكوت المعنون بالمقاومة بالحيلة: كيف يهمس المحكومون من وراء ظهر حكامهم؟، مؤكداً على أن "النكتة سلاح الضعفاء، ولكنها بأي حال لا تستدعي فقط ضحكاً كالبكاء، ولكنها تستدعي كل عناصر النقد لكل ما ينتهك عناصر العلاقة السياسية أو يمنعها أو يقطع من أوصالها".

وبالنسبة للأمثال الشعبية القديمة والحديثة، فإن الدكتور سيف عبد الفتاح يشير إلى كونها أحد أهم مصادر البحث في العلاقة المضطربة القائمة بين السلطة والمجتمع، فهي بحسب وجهة نظره "إنما تعبّر عن ذاكرة الخريطة الإدراكية للشخصية المصرية، وما تعبّر عنه من تفاعل المتناقضات داخل الإنسان المصري (المواطن)، في تصوّره لذاته وتصوّر علاقاته، ويقيناً على رأسها علاقته مع السلطة".

 

الهجرة والمواطنة

يرى المؤلف أن الدراسة المتأنية لظاهرة هجرة المصريين إلى الخارج، من شأنها أن تمدنا بتفاصيل ومعلومات ذات قيمة فيما يخص تطبيقات مفهوم المواطنة في المجتمع المصري.

يقسّم عبد الفتاح المواطنين إلى قسمين، القسم الأول وهو القسم الذي اصطلح على تسميته بالمواطن المملوك، وهو الذي يوجد داخل الدولة، وتعتبره السلطة في حالة خنوع وخضوع مطلق لها؟ ومن هنا فإنها لا تهتم بأمره ولا تلقي له بالاً.

أما القسم الثاني، فهو ذاك الذي يسمّيه المؤلف بالمواطن الإعلاني، وهو ذلك المواطن الذي لم يجد فرصة مواتية للتفوق داخل حدود دولته، فقام بالهجرة إلى إحدى الدول المتقدمة، واستطاع أن يحقق ذاته فيها، وهو الأمر الذي تتنبه له الدولة المصرية بمجرد تحققه، فنجدها تعمل على استثمار تفوق ذلك المواطن بشتى السبل الممكنة، فتستخدمه بشكل إعلاني دعائي، وتحاول أن تستعين به في سبيل الترويج لشرعيتها من جهة وللتأكيد على تفوق سياستها من جهة أخرى.

وما بين القسمين السابقين، يظهر قسم جديد إلى الوجود، وهو ذلك القسم الذي يسمّيه عبد الفتاح باسم مشروع مهاجر، وتكون أحلام أفراد هذا القسم منحصرة في الهروب من الواقع المر، والحصول على الشهرة التي حصل عليها أفراد القسم الثاني، خصوصاً بعد أن عرفوا أن السياسات المطبقة في بلادهم تسير في اتجاه تدعيم المثل الذي يقول إنه لا كرامة لنبي في وطنه وأن زمار الحي لا يطرب.