الفكرة... والدولة.. صراع الحضور الفلسطيني في زمن الانتكاسات

يتناول الكتاب صعود حركة المقاومة الفلسطينية منذ حرب 1967، وما تحقّق نتيجة هذا الصعود من حضور للشعب الفلسطيني وقضيته

الفكرة... والدولة.. صراع الحضور الفلسطيني في زمن الانتكاسات

يتناول الكتاب صعود حركة المقاومة الفلسطينية منذ حرب 1967، وما تحقّق نتيجة هذا الصعود من حضور للشعب الفلسطيني وقضيته خلال السنوات التالية، رغم «الانتكاسات» التي واجهتها المقاومة في العقود اللاحقة، والتي لم تتمكن من فرض الاستسلام السياسي أو الفكري، حيث بقيت فكرة الدولة راسخة لدى الأجيال الفلسطينية المتعاقبة.

في كتابه هذا، المقسّم إلى جزئين، يتعرّض المؤلّف، بالتحليل والنقد، لمرحلة مفصلية من تاريخ المنطقة المعاصر، وهي مرحلة صعود «حضور» الشعب الفلسطيني بعد عدوان عام 1967. وهي، في آنٍ واحد، مرحلة من الإنجازات المهمة على صعيد إحياء الهوية الوطنية واستعادة وحدة مشاعر الانتماء إلى تجمعات الشعب الفلسطيني؛ وبالنتيجة، تحقيق أوسع اعتراف عالمي بالهوية والحقوق الوطنية لهذا الشعب.

ويغطّي الكتاب تطوّرات المسيرة التحرّرية الفلسطينية المعاصرة، في سياقها الإقليمي والدولي، من دون التقليل من أهمية العوامل الذاتية (الفلسطينية) وتأثيرها، أكانت نقاط القوّة، أم الأخطاء والقصورات التي وقعت فيها هذه المسيرة، لكن مع وضعها في سياقها الجغرافي - السياسي المتداخل باستمرار مع الوضع الفلسطيني، بعد حرب 1967 كما قبلها.

يبدأ المؤلّف الفصل الأول، وعنوانه (صعود الحضور الفلسطيني في أعقاب «النكسة»)، بالتأكيد أن نتائج حرب حزيران - يونيو 1967 كانت، في واقع الحال، بمثابة نكبة ثانية لشعوب المنطقة، ومكمّلة للنكبة الأولى التي حصلت للشعب الفلسطيني في أيار 1948، وخصوصاً على خلفية ما حملته السنوات اللاحقة من تطوّرات في المحيط العربي.

فالإقرار بالهزيمة في العام 1967 لم يكن يعني فقط الإقرار بواقع وجود «إسرائيل»، والتوسع الذي قامت به لتتجاوز المساحة المخصّصة لها في خريطة التقسيم لسنة 1947 خلال حرب 1948/1949 وما بعدها؛ بل أيضاً بمشروعية توسعها الإضافي الجديد المفترض بعد حرب 1967، تحت يافطة «الحدود الآمنة والقابلة للدفاع عنها»، على أرضية كونها «الطرف المنتصر» في الحرب الأخيرة.

وفي هذا السياق، «يلتقط» المؤلّف بعض المؤشرات والمواقف العربية أو الأميركية، والتي صبّت جميعها في خانة «تثبيت» «الإنجاز» الإسرائيلي في العام 1967، سياسياً واستراتيجياً، برغم المحاولات الفلسطينية والعربية للنهوض من رماد هزيمة 1967. ومن أهم تلك المؤشّرات والمواقف:

- معارضة حركة المقاومة الفلسطينية (الحديثة النشأة) للقرار الدولي (242) حول الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة في العام 1967، لم تمنع مصر والأردن من تأييد القرار، الذي قد يحقّق المطالب العربية، فيما اعتبرته «إسرائيل» مجرّد إطار للتفاوض وليس للتنفيذ.

- رأى المؤرّخ الإسرائيلي آفي شلايم أن التصعيد الإسرائيلي الذي حصل في العام 1969/ 1970 ضدّ مصر، كانت له أهداف عسكرية ردعية وأهداف سياسية غير معلنة، وأهمها إسقاط الرئيس المصري جمال عبد الناصر، واستبدال نظامه بنظامٍ موالٍ للغرب.

- حصلت خلافات بين القيادة الفلسطينية في تلك المرحلة (أبو عمّار وأبو إياد وآخرون) وبين عبد الناصر، بشأن المبادرات الدولية التي طرحت، وكانت مستندة، نظرياً على الأقل، إلى القرار 242.

وقد انطلق عبد الناصر من تقديره لموازين القوى الإقليمية والدولية وما يمكن أن يتحقق في ظلّها، في مقابل طرح حركة «فتح» شعار «الدولة الديمقراطية في فلسطين، وذلك في أواخر العام 1968، والتي تتسع لكلّ المواطنين المقيمين فيها، وللفلسطينيين المشرّدين العائدين إليها.

- نقلاً عن صلاح خلف (أبو إياد)، فقد دعا عبد الناصر القيادات الفلسطينية في تلك المرحلة إلى التفكير في «مرحلة» النضال، قائلاً «إن دويلة في الضفة الغربية وغزة هي خير من لا شيء»، فردّ (أبو إياد)، كما نقل محمد داود عودة (أبو داود)، بالتمسك «باستعادة أراضينا كاملة».

- بات معروفاً بأن كلّ مبادرات ومشاريع وزير الخارجية الأميركي وليم روجرز بشأن الصراع العربي - الإسرائيلي، والتي أجاز الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون طرحها في الفترة 1969 - 1970، كانت تلقى اعتراضاً من مستشاره للأمن القومي، هنري كيسنجر الذي كان يعمل على عرقلتها؛ وهو الذي كان يرى الصراع العربي - الإسرائيلي من منظار المواجهة مع السوفيات حصراً.

- في أيلول - سبتمبر 1970 حصل تطوّران دراماتيكيان غيّرا كثيراً من المعطيات في المنطقة، وخصوصاً بالنسبة إلى حركة المقاومة الفلسطينية: الأول هو الصدام الكبير بين القوات النظامية الأردنية وقوات المقاومة في الأردن (أيلول الأسود)، والذي شكّل بداية النهاية لوجود فصائل المقاومة هناك؛ والتطور الثاني هو وفاة جمال عبد الناصر في 28/9/1970، حيث بدا أن صدامات الأردن قد فاقمت من وضعه الصحّي، الذي كان مضطرباً أصلاً في سنواته الأخيرة.

وفي المقابل، اندفع الطرف الإسرائيلي، مستغلاً الظروف الإقليمية، لاستكمال وظيفة حرب 1967، في محاولة منه لفرض الهزيمة على شعوب المحيط العربي، وعلى الشعب الفلسطيني في المقام الأول، كون مجرّد «الحضور» الفلسطيني على المسرح الإقليمي والدولي يشكّل تذكيراً بالجريمة «الأصلية» التكوينية للمشروع الصهيوني؛ جريمة اقتلاع شعب كامل من وطنه، ومحاولة شطبه من الخريطة السياسية والجغرافية للمنطقة. وهذا النهج الإسرائيلي ترجم في الفترة 1970 - 1971 بقمع عنيف للمقاومة في غزة وللحراكات الشعبية في الضفة الغربية.

- هذا النهج الإسرائيلي القمعي والاستئصالي لم يمنع تزايد الأصداء الدولية (الأوروبية والآسيوية) للحضور الفلسطيني المقاوم، فيما كانت المنطقة العربية تشهد «فشلاً مؤلماً» لقمة عربية في الرباط، بسبب خلافات بين مصر والسعودية بالخصوص حول أفق الحرب مع «إسرائيل» بعد هزيمة 1967.

- في تلك المرحلة أقرّت الإدارة الأميركية بصعود «العامل» الفلسطيني، لكنها لم تسلّم بـ«حقوق» له، وهي التي باتت بعد حرب 1967 مصدر التسليح الرئيسي لإسرائيل وركيزتها السياسية الرئيسية على المسرح الدولي.

وهكذا بدا الوضع في أواخر العام 1970 كأن الأمور قد بدأت تتطوّر في المنطقة بشكل أكثر راحة لإسرائيل؛ فيما وجدت الحركة الوطنية الفلسطينية نفسها أمام وضع جديد حرج، وتحدّيات كبيرة كان عليها أن تتجاوزها في السنوات اللاحقة، كي تحافظ على زخم الإقرار الدولي بالحضور الفلسطيني، وتسعى إلى ترجمته إلى حقائق على الأرض.


شبح المأزق الاستراتيجي

في الفصل الثاني (شبح «المأزق الاستراتيجي»، واجتهادات التجاوز)، ترد حقائق مثيرة حول المرحلة التي تلت «أيلول الأسود» 1970، وخسارة الساحة الأردنية كـ«قاعدة آمنة» للمقاومة، بالتزامن مع ضربة كبيرة تلقتّها المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، من قِبل سلطات الاحتلال الإسرائيلية بقيادة أريئيل شارون. لقد تفاقمت أزمة «الشعارات الكبيرة» مع افتقاد المقاومة لقاعدتها الآمنة، في أواخر سنة 1971، وظهر ما يسمّى «المأزق الاستراتيجي» الذي وقعت فيه تلك المقاومة، مع انكشاف الالتقاء الموضوعي للأنظمة العربية مع الاستعمار والصهيونية، من خلال رفضها لجعل قضية فلسطين المحور الذي تخوض بواسطته معركة حريتها واستقلالها.

في هذه الأثناء، برزت محاولات لفرض التمثيل الصحيح للشعب الفلسطيني، داخل وخارج فلسطين، وللتطوير البرنامجي التمثيلي، عربياً ودولياً، حيث ظهرت، في أواخر سنة 1971، إشارات إلى حقوق الشعب الفلسطيني في بعض قرارات الدورة السادسة والعشرين للجمعية العامة للأمم المتحدة.

ومن ثمّ أتت حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973 لتطرح تحديات جديدة على الحركة الفلسطينية، بشأن كيفية التعامل مع مرحلة ما بعد هذه الحرب، والتي أرادها الرئيس المصري أنور السادات حرباً لتحريك عملية التفاوض مع العدو الإسرائيلي. وفي هذا السياق ازداد القلق الفلسطيني من التوجه العربي نحو «الحلول الثنائية الجزئية»، بعيداً عن الحلّ الشامل وعن الدور الرئيسي لمنظمة التحرير، بصفتها الممثّل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني.

لكن المستغرب أن يعمد المجلس الوطني الفلسطيني في تلك المرحلة (يونيو - حزيران 1974) إلى إقرار ما سمِّي (البرنامج المرحلي) والذي تضمّن اعترافاً ضمنياً بمسار التسوية الذي طرِح في حينه، حيث شكّل المعارضون «جبهة الرفض» لمقاومة هذا المسار وإسقاطه (فصائل فلسطينية ممثّلة داخل اللجنة التنفيذية للمنظمة). وعلى المستوى العربي، فشلت محاولات أميركية لاستبعاد المنطمة من المحافل الدولية المعنية بالقضية الفلسطينية، لتقرّ قمة الرباط العربية في وقت لاحق تمثيل منظمة التحرير الفلسطينية لشعبها، ولتستقبل الأمم المتحدة رئيسها ياسر عرفات (في أواخر العام 1974). وقد توصلت الأمم المتحدة، في 22/11/1974، إلى قرارين مهمين: القرار 3236 الذي يتناول الحقوق الفلسطينية، والقرار 3237 الذي يدعو منظمة التحرير الفلسطينية إلى المشاركة في أعمال الأمم المتحدة بصفة مراقب.

وفي أواخر 1975، أصدرت الأمم المتحدة القرار 3375، الذي «يطالب بدعوة منظمة التحرير الفلسطينية، ممثّلة الشعب الفلسطيني، إلى الاشتراك في جميع الجهود والمداولات والمؤتمرات التي تُعقد بشأن الشرق الأوسط تحت رعاية الأمم المتحدة، على قدم المساواة مع سائر الأطراف، على أساس القرار 3236...»، الذي يؤكد مضمون الحقوق الفلسطينية.

في الفصول الآتية، يتابع المؤلّف تحليل بعض المحطات التاريخية التي مرّت بها القضية الفلسطينية، ومنها الانتكاسة الكبرى في المسيرة الفلسطينية، والتي حصلت بإخراج مصر من المواجهة، عبر الصفقة التي رتّبها وزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر، مع الرئيس المصري أنور السادات، بعد حرب 1973، ضمن ما سمّي «فضّ الاشتباك» على الجبهة المصرية، في 1 أيلول/سبتمبر 1975. والأخطر هو ما جرى لاحقاً حين زار السادات القدس المحتلة، بذريعة استدراج تنازلات إسرائيلية، بينما الذي حصل هو العكس تماماً؛ حيث استدرج رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن التنازلات من السادات نفسه، بل وطالبه بالمزيد.

وهكذا وقّع السادات، في أيلول/سبتمبر من العام 1978، على اتفاقية كمب ديفيد، والتي ووجهت بمعارضة فلسطينية ومصرية وعربية عارمة.


الاجتياح الإسرائيلي للبنان

لم يكن استبدال ساحة الأردن بالساحة اللبنانية بالخيار السهل بالنسبة للفصائل الفلسطينية التي كانت تصرّ على استمرار القتال ضدّ «إسرائيل» ومقاومة محاولات «تدجين» منظمة التحرير وإدخاله في نفق التسوية المظلم. فقد واجهت المقاومة الفلسطينية معارضة لبنانية (رسمية وبعض القوى المسيحية) داخلية في لبنان، بموازاة توترات خارجية، أدت إلى إشعال فتيل حرب أهلية في هذا البلد، هدفت لإشغال معارضي الصفقة المنفردة التي تمت على الجبهة المصرية.

ومن ثم حصل الاجتياح الإسرائيلي للبنان، في حزيران - يونيو 1982، والذي أدّى إلى إخراج المقاومة الفلسطينية من ساحة جديدة كانت تعوّل عليها قيادة المقاومة كثيراً، في مقابل فشل إسرائيلي في تحويل لبنان إلى محمية إسرائيلية، وتحويل الأردن إلى دولة فلسطينية، وبما يتيح لإسرائيل ضم الأراضي الفلسطينية التي احتلتها منذ سنة 1967 نهائياً.

وفي الجانب العربي، «أثمرت» المساعي الأميركية تهميشاً لمنظمة التحرير وتفكيكاً للمعارضة العربية لنهج كامب ديفيد، وبما يخدم الأهداف الإسرائيلية التي وضِعت لحرب لبنان. كما حصلت تصدّعات في صفوف «جبهة الصمود والتصدي»، وتحديداً ما بين سورية والعراق، حيث انخرط الأخير لاحقاً في حرب استنزاف طويلة مع إيران، وليتهمش بسببها الصراع مع «إسرائيل» لسنوات طويلة تلت.

كما حصلت توترات خطيرة في العلاقات السورية - الفلسطينية، ترجمت في «حرب المخيّمات» التي دارت في أواسطلثمانينات القرن العشرين، ما بين حركة أمل والقوى الفلسطينية في مخيمات بيروت وضاحيتها الجنوبية وفي الجنوب اللبناني.

على الجبهة المقابلة، كان التحالف الأميركي الاستراتيجي مع «إسرائيل» يتعزّز ويتطوّر، إلى حدّ إشراك اللوبي الصهيوني في صنع القرار الأميركي، وخاصة بعد سقوط شاه إيران، حليف الولايات المتحدة، وحلول نظام ثوري معادٍ لإسرائيل مكانه.

وهذا الدعم الأميركي غير المسبوق لإسرائيل أتاح لها شنّ حرب شاملة على الحركة الوطنية الفلسطينية في الأراضي المحتلة (1967)، وليبرز في حينه حلم «ضفة غربية يهودية» بعد «قوننة» تهويد القدس المحتلة، في أجندة الأحزاب اليمينية الحاكمة في «إسرائيل»، والتي جعلت من الاستيطان والقمع أهم وسائلها لتحقيق هذا الحلم التوراتي القديم.

في تلك المرحلة السوداء من تاريخ الشعب الفلسطيني والشعوب العربية، فاجأت الانتفاضة الفلسطينية الأولى (1987) «إسرائيل» والعالم بفرضها حضوراً فلسطينياً متوهجاً لم يكن في الحسبان، وذلك كردٍ شعبي واضح ومؤثر على سياسة القمع والاستيطان الإسرائيلية، والتي كانت تتحرك في ظلّ دعم أمريكي مطلق، لم يستطع إجهاض الانتفاضة أو إحباطها خلال السنوات التي مضت على اندلاع تلك الانتفاضة الكبرى.

لكن، على المستوى السياسي، استطاعت الإدارة الأميركية إبعاد منظمة التحرير عن دائرة أيّ استثمار سياسي ممكن لتضحيات وإنجازات الانتفاضة الأولى، من خلال حوارات مباشرة أطلقتها مع قيادة المنظمة، أو عبر ما سمّي «مبادرة شامير» للسلام (رئيس وزراء إسرائيل حينها - آذار/مارس 1989).


الغزو العراقي للكويت

في الجزء الثاني من كتابه، يكشف المؤلّف داود تلحمي، عن حقائق مثيرة تتعلق بالسياسات الأميركية والإسرائيلية في المنطقة، والتي سعت لاستثمار التطورات أو المتغيرات الكبرى التي حصلت، بهدف تصفية القضية الفلسطينية ومحو الكيانية الفلسطينية، وذلك منذ غزو العراق (في عهد النظام السابق) للكويت في العام 1990، والحرب الأميركية التي شنّت لإسقاط هذا النظام، وصولاً إلى مؤتمر مدريد للتسوية، الذي عقِد في أواخر العام 1991، برعاية دولية، والذي أدّى إلى إطلاق «مسار أوسلو»، بكلّ تداعياته الكارثية على شعب فلسطين وشعوب المنطقة عموماً.

ويمكن إيجاز أبرز هذه الحقائق المثيرة على الشكل الآتي:

- بعد انتهاء الحرب الأميركية على العراق (حرب الخليج الثانية)، خاطب وزير الخارجية الأميركية آنذاك، جيمس بيكر، المسؤولين السوريين الذين التقاهم في دمشق، بلغة لم يكونوا يتوقعونها، إذ قال لهم إن الولايات المتحدة هي الطرف المنتصر، وإن العرب، كلّ العرب، هم المعسكر الخاسر في الحرب؛ وهو ما يعني معسكر الخاسرين، في نظر الأميركيين، يشمل حتى أولئك الذين شاركوا في الائتلاف الدولي الذي قادته الولايات المتحدة في الحرب.

- مارس بيكر هذا ضغوطاً كبيرة على الفلسطينيين لدفعهم إلى المشاركة في «مؤتمر السلام»، الذي سعى الأميركيون من خلاله لاستثمار انتصارهم العسكري في الحرب على العراق، على المستوى السياسي الاستراتيجي في المنطقة؛ فقد ركّز بيكر على الطرف الفلسطيني الضعيف، وأرغمه على تقديم التنازلات، بحضور ناقص عن الآخرين، وكجزء من وفد أردني - فلسطيني مشترك، مع تأجيل بحث مسألة القدس.. وغير ذلك من الشروط والأسس المجحفة التي تضمّنتها رسالة الدعوة الموّجهة من بيكر، حسبما ينقل السياسي والكاتب الفلسطيني ممدوح نوفل.

- يقول مارتن إنديك، مسؤول ملف الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي الأميركي، في عهد بيل كلينتون (الذي خلف إدارة بوش الأب)، إنه بالنسبة إلى الفلسطينيين، «فليس هناك أيّ بديل من الولوج في مفاوضات بشأن مضمون ترتيبات الحكم الذاتي الانتقالي من دون معرفة الوضعية النهائية للضفة الغربية وغزة»، وذلك في معرض حديثه عن ما سمّاه الفراغ الناجم عن «انهيار الاتحاد السوفياتي وهزيمة العراق وانهيار الجبهة الراديكالية والرفضية في الشرق الأوسط»؛ وهو الفراغ الذي تسعى قوىً ذات لباس ديني لملئه، على حدّ تعبيره.

- ينقل الخبير المتابع لقضايا الاستيطان، جيفري أرونسون، عن شمعون بيريس قوله، في مؤتمر لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، عقِد في مدينة غرناطة الإسبانية، في أواخر سنة 1993، إن «الحل الدائم»، حسب تصوّره، هو صيغة دولة في قطاع غزة وكيان مشترك للفلسطينيين والمستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية، وبرلمان محلي مشترك؛ ويصوّت المستوطنون للكنيست، والفلسطينيون يصوّتون لمرشحين في البرلمان الأردني.

وخلص أرونسون في سياق التقرير ذاته الذي أورد كلام بيريس إلى القول بأن الفروق مع أفكار زعماء الليكود في الغرف المغلقة كانت طفيفة.

- يقول حيدر عبد الشافي، رئيس الوفد الفلسطيني في أثناء مفاوضات مدريد - واشنطن، في مقابلة أجرِيت معه في واشنطن في تموز/ يوليو 1995، إنه «لا يمكن إلاّ أن نشعر بأن ما نراه الآن هو الوضعية النهائية، وإلاّ لماذا يستمرون في مصادرة مساحات واسعة من الأرض في الضفة الغربية، والعمل على تدعيم المستوطنات وبناء شبكات طرق وبنى تحتية جديدة تقوّي قبضتهم؟».

- بعد فشل قمة كمب ديفيد، التي عقِدت برعاية الرئيس الأميركي بيل كلينتون، بين إيهودا باراك، رئيس الحكومة الإسرائيلية، والرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، في نهاية تموز – يوليو من العام 2000، كشف كلينتون أن «باراك لم يساوم بأيّ شكل من الأشكال في شأن المصالح الحيوية لأمن دولة إسرائيل، وأن التقدم الأكبر الذي حققته المحادثات كان في مجال الأمن، إذ توافر إجماع مثير للدهشة»، على حدّ تعبيره.

وأشار كلينتون بوضوح إلى إمكان إعادة النظر في معارضته (الظرفية) لنقل السفارة الأميركية إلى القدس، «في ضوء التطورات الأخيرة»، مذكّراً بأنه كان دائماً من أنصار نقل السفارة إلى القدس الغربية، لكن جرى التأجيل لعدم التأثير في عملية السلام».

- يقول أرئييل شارون، رئيس الحكومة الإسرائيلية، في العام 2001، حول خيار التسوية، ما معناه أن من الممكن أن تكون قدرة العالم العربي على إلحاق الضرر بكيانه، بعد عشرة أعوام أو خمسة عشر عاماً، أقلّ مما هي عليه اليوم، وذلك لأن «إسرائيل» ستكون ذات اقتصاد مزدهر، في حين أن من الممكن حدوث تدهور في العالم العربي، بسبب التطورات التكنولوجية والبيئية؛ وبالتالي انخفاض أسعار النفط، في حين أن «إسرائيل» ستقوى. ويستنتج شارون من ذلك أن الزمن لا يعمل ضدّ كيانه. ولذلك ثمّة أهمية للتوصل إلى حلول (مع العرب) تمتد لفترة زمنية طويلة.

يختم مؤلّف هذا الكتاب، داود تلحمي، بالقول إن المسألة المباشرة بالنسبة إلى الشعب الفلسطيني، بعد كلّ تجارب التفاوض الفاشلة التي شهدها خلال العقود الأخيرة، ليست الاختيار بين «الدولة الصغيرة» أو «الدولة الواحدة». بل تبقى المسألة الأساسية هي السعي لإيجاد السبل الملائمة لإحداث التغيير الضروري في موازين القوى (مع الكيان الإسرائيلي)، في شتّى المجالات، لتوفير الشروط التي تسمح برفع الظلم الواقع على الشعب الفلسطيني، وإن بشكل أوّلي وجزئي في الأمد الأقرب، على أمل أن تتوفر شروط تاريخية لاحقة لإنجاز حلٍ أكثر جذرية وشمولية، يُنهي كلّ الظلم الذي وقع على الشعب الفلسطيني، منذ سبعة عقود كاملة.

 

*حسن صعب كاتب لبناني.


 
}