في"حرب الكلب الثانية".. لا مكان إلّا للخوف

هذه الفوضى التي تجلّت في الأمكنة كلها انسحبت على الطبيعة، فتوقفت الشمس عن الإشراق نهائيًا، وسيطر الليل الدامس على أجواء المدينة، إضافة إلى زيادة معدل نفوق الطيور والحيوانات، وتجمع الفصول الأربعة في فصل واحد طويل.

رواية "حرب الكلب الثانية" للروائي إبراهيم نصرالله

 "على نحو متسارع بدأ النّهار يقصر بطريقة غير مفهومة. وبمرور أقلّ من عشر سنوات لم يعد طول النّهار أكثر من خمس ساعات .. اختلطت الفصول، بحيث تجمّعت في فصل واحد طويل..

احتكرت القوى الكبرى تقنيات الضوء، بحيث تجسدت الفكرة الأسطورية القديمة عن عالمي الظلام والنور. وفي ظل ضعف الحكومات، تولى السيطرة على الحياة في البلاد، وإدارة شؤونها مباشرة، ما بات يُعرف باسم "القلاع".

بهذه المقدمة القصيرة يختصر إبراهيم نصرالله، في روايته "حرب الكلب الثانية" الحائزة على جائزة البوكر للعام 2018، حالة العالم المفترض في المستقبل، عالم تتحكم فيه الفوضى، والظلام والحروب، والقوى الكبرى.

 في العادة كان المفكرون والمبدعون منذ عصور بعيدة يضعون التصورات والأمنيات للعالم المثالي، أو للمدينة الفاضلة التي يسعى بنو آدم إليها. وهذا ما بدأه أفلاطون في تصوره لتلك المدينة، عبر تخيّل المكان والزمان اللذين يعيش فيهما الناس، متنعمين بالأمن والسلام والرخاء، في وصف متأمل للعالم المثالي المرتجى أو "اليوتوبيا"، كما أطلق عليها الكاتب "توماس مور". ولقد كتب ثلةٌ من الروائيين في هذا النوع  الأدبي. ولكن ظهر فيما بعد نوعٌ آخر من الكتابة، هو ما سمّيّ بـ"الديستوبيا". استهله الكاتب الإنجليزي "جويف هول" في روايته "العالم الآخر والعالم ذاته" وهي أولى روايات الأدب الديستوبي، والتي تم نشرها في العام 1607. وارتقت شهرته مع الكاتب "جورج اورويل" في رائعته "1984"، والتي تعدٌّ درّة هذا الأدب. وكان قد سبقها عددّ من الأعمال كـ"آلة الزمن" في العام 1895 للكاتب البريطاني "هـربرت.جورج. ويلز" و"العقب الحديدي" لـ"جاك لندن" و"نحن"We  (1924) للروسي "يفيغني زامياتين" و"فهرنهايت 451" (1953) لـ"راي برادبوري" وغيرها الكثير من الروايات.

هذا  الأدب المؤسَّس على استشراف المستقبل والحياة الإنسانية، برؤية سوداوية، يختلف عن رواية "نهاية العالم" التي تقارب كارثة طبيعية كالزلازل والبراكين العنيفة والفيضانات (التسونامي) أو تدمير الأرض عبر حرب نووية بين متخاصمين. في النوع الجديد، يركّز الكاتب على علاقات الجنس البشري البينية، متكلمًا على عالم وهمي، أو على المدينة الفاسدة، التي تحكمها سلطة إستبدادية متسلّطة وقمعية، مشكّلًا مكانًا غارقًا في الفساد والظلم والقمع والقهر، عالم تنعدم فيه العلاقات الإنسانية والتسامح والخير، وتعمّه الفوضى، ويتصدره الانتقام، والقتل والجريمة، ويتجه البشر فيه نحو العزلة والإغتراب الروحي بتأثير من طغيان المادة. وذلك قد يكون سعيًا -من الروائي-  إلى تنبيه البشرية من الخطر المحدق بها، بسبب التغوّل والتوحش الذي يمارسه الجنس البشري بحق نفسه، وبحق الطبيعة وباقي الكائنات الحية.  

 ولم تكن رواية "حرب الكلب الثانية" التي تنتمي إلى "الديستوبيا"  Dystopia –الوحيدة أو الأولى التي خاضت في هذا النوع من السرد. بل إنها شكّلت حلقة في سلسلة من الروايات التي سبقنا الغرب - كالعادة- في تلمّس هذا الخطر. وقد دخل الكتّاب العرب هذا المضمار حديثًا، وقد كان الروائيان المصريان أحمد خالد توفيق في روايته "يوتوبيا" عام 2008، و"محمد ربيع" في "عطارد" التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر في العام 2016، سبّاقَين في هذا النوع السردي الذي يصوّر عالمًا مظلمًا جدًا للقادم من السنين، في زمن سيفقد الناس فيه الكثير من حريتهم ومشاعرهم ومواردهم.

والظاهر- كما نجدُ في الحكاية- فإنّ الرخاء الظاهري المتمثّل في "اليوتوبيا" المفترضة أو المأمولة – ظاهريًا، من خلال التكنولوجيا المذهلة التي سيصبح عليها العالم، سيكون في مواجهة انحدار مفجع في جوانب أساسية من الحياة، يتمظهر في حكومة شمولية، أو في سيطرة "التافهين" الذين يحرصون على تعميم الخواء العام في المجتمع، وتذويب الحريات الفردية، بحيث يرتبط الشخص بكل المتعلقات التي يفرضها الحاكم من جهة، والتقدم التكنولوجي المفرط من جهة أخرى، لتصبح المشاعر الإنسانية في أمكنة نائية من السلوك البشري الجمعي.

 

كوكب الأرض تحكمه الفوضى

   يسحبكَ إبراهيم نصرالله من واقعك المعيش، إلى عالم متخيّل يحمل في تفصيلاته كثيرًا من الحقائق الموجودة في عالمنا اليوم، ولكنها مستورة بقشرة من النفي الذي نمارسه، لئلا نصاب بحالة من الهذيان واليأس والقنوط. حتى تشعر كأنك ستلتقي بعد قليل بـ"شبيهك" أو يلتقي بك. أو ربما يكون أحدٌ ما قد استنسخك وتقمّص كيانك. "أظن أن هذا أعظم إنجاز طبي حتى الآن: يدخل الإنسان من فتحة ويخرج من الأخرى إنسانًا آخر، بل على صورة أي إنسان آخر يريد أن يكون مثله".

   تنهض رواية "حرب الكلب الثانية" على عالم من الفانتازيا والخيال العلمي، وهي تقارب التوحش الإنساني بكل تفاصيله.

نجدُ في الرواية تناصًا مع رواية "1984" لجورج أورويل: فبدل الحزب الذي يخترع كل شيء، والحزب هو الذي يملك كل المعلومات، وهو الذي يتحكم في الحاضر. ولأنه يملك القدرة على التزييف، فإنه يتحكم في الماضي أيضًا، والمستقبل، ويعيش الناس تحت سيطرة الحزب تمامًا بحيث لا يذكر أي أحد الماضي الذي تم تغييره، ويكتفون بالمعلومات التي يتلقونها من الحزب، ويعدون التفكير جريمة. ويحكم الحزب شخصية أسطورية لا تظهر أبدًا لكننا نرى ملصقات لوجهه في كل مكان: "الأخ الأكبر يراقبك". نجدُ في رواية نصرالله أنّ "القلعة" هي التي تشغل مكان الحزب، وهي المتحكّمة بماضي الناس وحاضرهم، وأنّ والشخص الحاكم هو "مدير القلعة" ومعه الضابط، الذي هو من دون إسم أيضًا. وهذا لا يسيء إلى العمل، بل قد يكون مؤشرًا على أنّ الأزمنة ولو اختلفت، فإنّ الظالمين والمتحكمين بحيوات الناس هم أنفسهم، وإن تغيرت ألقابهم أو أسماؤهم. 

في العودة إلى الرواية، فإن شخصياتها من دون أسماء، ما عدا "راشد" وزوجته "سلام"، في دلالة على ضياع الهوية والأسماء وحتى الوجوه، وكأنّ العيش في هذه المدينة لا يحتاج إلى أسماء.

 "راشد" صاحب الشخصية الكاريزماتية، وهو الطبيب المهيمن على الحكاية، يتلوى تحت سياط المحققين، وهو المعارض الشرس، والنزيل الدائم في السجون والأقبية بسبب أفكاره ومعارضته للسلطة، يتحوّل من معارض للنظام السياسي الفاسد، إلى متطرف أكثر فسادًا، بمشاركة سجّانيه، "المدير العام والضابط". يقرر "راشد" تغيير مصير حياته ومسارها، ولذلك قرر أن يكون قريبًا من "السلطة" واختار أن يناسب "الضابط" الذي كان يقوم بتعذبيه، ويتزوج إحدى أختيه الجميلتين. في البداية ترددت السلطة في طلبه، ولكنها وافقت بعد أن أجرت بحثًا مسحيًا على عقله والأفكار الموجودة في داخله، لتصل إلى نتيجة مفادها أنه لا يحمل لها أيّ شرّ.

 ينخرط الدكتور راشد باللعبة، ليصبح هو العقل المفكّر لكل المشاريع الشريرة التي لم تخطر على بال الحكام، وعلى رأسها الإتجار بالبشر. فتعمّ الفوضى في المدينة، ويتقدّم التغوّل المادي مسيطرًا على كل شيء سواه، وتصبح المشافي وسيارات الإسعاف هي أمكنة الموت والمساومة على البشر، بدلًا من أن تكون أمكنة للشفاء والعلاج وتخفيف الألم، فتتحكّم الفوضى في مشهدية الحكاية، وفي تفاصيل الحياة، ويصبح الخوف من الآخر هو المهيمن على العقول،  ولا سيّما من كل شبيه أصبح كابوسًا مرعبًا.

هذه الفوضى التي تجلّت في الأمكنة كلها، وجميعها أصبحت أمكنة معادية، انسحبت على الطبيعة، فتوقفت الشمس عن الإشراق نهائيًا، وسيطر الليل الدامس على أجواء المدينة، إضافة إلى زيادة معدل نفوق الطيور والحيوانات، وتجمع الفصول الأربعة في فصل واحد طويل..  ما أحدث تغييرات أيضًا في الصفات الجينية والوراثية على الكوكب، فتحوّل الإنسان إلى وحش كاسر لا يرحم. وبرزت ظاهرة اختفاء صفة الوفاء عند الكلاب. وعند دراسة علماء الأحياء لهذه الظاهرة، تبيّن أنّ أنواعًا عديدة من الحيوانات والحشرات صارت تقلّد الإنسان بشكل من الأشكال.

القلعة، الغرف السوداء، والتحكّم بالماضي والمستقبل

  يسلّط الكاتب الضوء على "القلعة" التي تدير المدينة الفاسدة، التي تختصر المكان في الرواية. "القلعة" التي تمثّل القوى الكبرى في العالم، وهي التي تخطط لقتل الناس، وسلب ثروات الشعوب، وجعلها كأنموذج مصغّر عن العالم الجديد، يحكمها ضباط غير معروفي الأسماء، يخافون من الناس، ويحددون مصائر المواطنين، ولا سيما بعد تمتّعهم بـ"قوة إبصار بوميّة"  لكي يستطيعوا أن يبصروا في الليل، لأنّ النهار أصبح خمس ساعات فقط.

القلعة التي فرضت على المواطنين التخلّص من الماضي، فتحكّمت السلطة بذاكرتهم، عبر قوانين حديدية مسحت منها كل الماضي وأخفت كل سجلات "حرب الكلب الأولى" وإحصائياتها وأسبابها، وما تخللها من قتل ودمار أحرق البلد برّمته. هذا المسح للماضي كان بهدف منع الناس من التعلّم من أخطاء الماضي، لكي يبقوا أسرى التخلّف والجهل، ولكي لا تزعج الحاكم أي ثورة أو وعي مفترض.

 

العنوان، والكلب الذي يسبّب حروبًا

   يحيل العنوان إلى الحرب العالمية الثانية التي يقزّم الكاتب أهدافها، ككل الحروب التي  يخوضها البشر لأسباب تافهة، فـ"حرب الكلب الأولى" سببها خلاف على بيع (كلب) بين رجلين، يتطوّر إلى حرب طاحنة ومدمرة، امتدت إلى المدن البعيدة، وسقط ضحيتها عددٌ كبيرٌ من الطرفين، ولم ينجُ منها إلا (الكلب) موضوع النزاع. وحرب الكلب الثانية التي اشتعل أوارها بسبب الأشباه، وفيها يتحول راشد نفسه شبيهًا للضابط شقيق زوجته، ويتحول الضابط شبيهًا بالمدير العام. ولكن ما أثار زوبعة هائلة في المدينة وزعزع أركان الدولة، هو ظهور شبيه للسيد الرئيس، وهو ما جعل السلطات تفرض حظر التجول، وجعل الأشباه يبحثون عن الذين يشبهونهم كي يقوموا بقتلهم. ومن هنا اندلعت حرب الكلب الثانية بين الأصول والنسخ المزيّفة. وأفضت بـ"راشد" إلى السجن، وذاق التعذيب مرة أخرى، حيث تعرف إلى زنزانات الجحيم، لكنه لم يعترف، فأدرك المدير والضابط أن هذه الضحية هو راشد بعينه، وليس أي شبيه آخر بعد أن اشتبهت الأمور على الجميع.

وفي الحرب الثالثة الموعودة، يظهر الراصد الجوي ممتطيًا ناقة، فيخرج له راشد بعمامته الضخمة وثوبه الأسود صائحاً بصوت عالٍ: «ثكلتكَ أمُّك يا ابن الغبراء، ما الذي أعادكَ إلينا؟». يشير هذا المشهد إلى أنّ الأزمنة لا تتكرر، إنما البشر هم الذين يكررون الخطايا نفسها، مستندين إلى مسوغات وحجج مختلفة لخوض الحروب التي لا تنتهي. وقد تعود حرب داحس والغبراء، أو حرب البسوس مرة أخرى، وربما لأسباب أتفه منها وأوضع.

أما الزمان، فهو زمن قادم وقريب، زمن قاتم ليله طويل، ونهاره قصير، يسود فيه من يمتلك قوة "البوم" على النظر. في زمن السرد، كان كثيرٌ مما ساقه الكاتب موجودًا، ونعيشه حاليًا، وما تفاصيل التطوّر التكنولوجي غير المتاح اليوم، ما هو إلّا مسألة وقت لا غير.

"الرواية بالتأكيد هي رواية تسعى إلى هز القارئ، لضعضعة مفاهيم الاطمئنان بأنه يستطيع أن ينجو، لأن لا أحد يستطيع أن ينجو إن بدأ العالم حوله بالانهيار. "...هناك الغطرسة التي تمارس علينا من قبل دول كبرى. هذه تسمى غطرسة ظلامية. هناك قتل لأبنائنا وأطفالنا وإفقارنا وسرقة ثرواتنا في هذا العالم العربي. وهذا أحدث نوعًا من الظلامية وليس فقط الظلامية التي تصدر من هذا التنظيم (المتطرف) الصغير أو ذلك التنظيم الصغير". هذا ما قاله الكاتب بعد نيله جائزة "البوكر"، وهو أكثر من يستطيع أن يعبّر عما أراد أن يوصله من هذه الرواية.


 
}