"الرحالة": متى وأين يستقر سامي كليب؟

كتاب "الرحالة" للزميل سامي كليب يذكرنا بأعمال كبار الأدباء الذين دوّنوا رحلاتهم إلى العالم، وتحديداً إلى هذا الشرق الذي يمتلك سحراً خاصاً.

كتاب "الرحالة" يذكرنا بأعمال كبار الأدباء الذين دوّنوا رحلاتهم إلى الشرق
كتاب "الرحالة" يذكرنا بأعمال كبار الأدباء الذين دوّنوا رحلاتهم إلى الشرق

 لطالما اعتبرته أستاذاً لي، ولطالما نظرت إليه على أنه أكثر من إعلامي. مذ بدأت أتابعه في التلفزيون راقني كثيراً أسلوبه المميّز في انتقاء المواضيع والضيوف بعناية، فضلاً عن قدرته الكبيرة على إمتاع مشاهديه من حيث جودة التقديم ودقة العبارة وكفاءتيْ التحاور والإصغاء العاليتين. سامي كليب معروف بأنْ لا سقف يعلو رأسه، ومع ذلك فهو لا يتوانى عن تناول أكثر القضايا صخباً بقدر كبير ولا محدود من الهدوء والتروي وإعطاء جميع وجهات النظر فرصاً متساوية للبروز، حتى وإن كان متبنياً لواحدة منها فقط.

في الكتابة هو، كما في التلفزيون، أنيق ودقيق. من يقرأ تحليلاته التي يواظب باستمرار على كتابتها ونشرها في صيغ كتب أو مقالات، يكتشف قدراً كبيراً من الصرامة مع الذات في التفكير والتعبير، ممزوجة بقدرة هائلة على الوصف الدقيق، على نحو يجعل نصوصه "متلفزة"، على حد تعبيره، واصفاً نصوصه المكتوبة. ولذلك ليس من الصعب أن تكتشف فيه الأديب الممسك زمام اللغة والتصوير الأدبي، وإجادة الوصف وإظهار كفاءة الاستحضار والتذكر، والخلو من التكلف والتعسف.

سامي كليب ينقل قراءه هذه المرة إلى نمط مختلف من أنماط الكتابة، بحيث يكتب عن مساحات التخوم الكبيرة بين شخصه ومهنته وحلمه. يكتب عن رحلاته، لا يجد غضاضة في وصف نفسه بـ"الرحالة". دوّن الرجل الكثير من التفاصيل التي شاهدها في البلدان التي زارها في كل مناحي الأرض. ولعل أكثر ما يلفت الانتباه فيما كتبه عن مشاهداته ومعايشاته للثقافات والمجتمعات والعادات هو رفضه التام للحدود. في ذهنه لا حدود بين الناس، ينظر إلى الاجتماع الإنساني كأي حقل متعدد الألوان والأشكال والأحجام، متى ما فقد تعدده فقد معناه.

لذلك أردت الإشارة منذ البداية إلى أننا إزاء كاتب أكثر من صحافي يعاين الأخبار ويرويها على نمط تقني. إن سامي كليب يدوّن رحلاته بنفَس أنثروبولوجي مفعم بالاحتفاء بالثقافات الإنسانية، يرى بعينه ويلامس بروحه وفكره دقائق الأمور من موقع العاشق للتنوع. لا يقدس ثقافة موطنه الكبير حد التقديس ولا ينظر بعين التفوق أو النقص إلى الثقافات الأخرى. إنها روح افتقدتها الأنثروبولوجيا بعد أن كرّسها صعود الأنثروبولوجيات الوطنية، التي عملت على هدم الرؤية الغربية الاستعلائية التي سكنت أنثروبولوجيا القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين.

كتاب "الرحالة" يذكرنا بأعمال كبار الأدباء الذين دوّنوا رحلاتهم إلى العالم، وتحديداً إلى هذا الشرق الذي يمتلك سحراً خاصاً في ذهن الكاتب، والذي برغم كل ما فيه من مآسي، وما يحدق به من مخاطر، يبقى المكان المفضل للرحالة سامي كليب، بالرغم أيضاً من أنه جاب أكثر بلاد العالم رفاهية وتقدماً، غير أنه يحكي عنها باستعذاب ملحوظ لا يخلو من رجاء لشرقه بأن ينعم يوماً هو الآخر بما بات ملكاً للإنسانية جمعاء في تلك البلاد، من منجزات ومن قيم ثقافية وحضارية.

لقد غاير كليب كل المقولات الاستشراقية التي تناولت شرقنا هذا، ودوّنها عنه الرحالة والحجاج الذين شرّح إدوارد سعيد في مؤلفه الشهير خلفياتهم، حقاً تخيلت لو امتد العمر بإدوارد إلى اليوم ليقرأ ما كتبه كليب عن هذا الشرق في كتابه هذا. ولذلك ربط سامي في مؤلفه منطلقاته بابن بطوطة الرحالة المغربي الشهير، لقد تمثله في رحلاته، ولم يتمثل "فلوبير" أو "شاتوبريان" أو "نرفال" أو "كينغليك"، وغيرهم من الرحالة والحجاج المتأدبين الذي أرسوا قواعد أدب الرحلة، والذين زاروا هذا الشرق. لقد كان سامي كليب ينظر إلى الشرق والى العالم وهو ابن الشرق، ولذلك فمن الطبيعي أن يكون كل الكتاب سعياً لملامسة قلق المعرفة الذي استقاه من ابن بطوطة، وكأن سؤال "أين أنت يا ابن بطوطة؟" صار ضمناً هو "أي أنت أيها المعنى في هذا العالم؟". 

وأنا أقرأ هذا الكتاب الطويل بتلذذ وشغف، دارت في بالي بعض الأسئلة من قبيل: هل أنا فعلا أقرأ لـ"رحالة"؟، بأي معنى يكون سامي كليب "رحالة"؟، هل هذا الكتاب ينتمي فقط لأدب الرحلة؟. ولم أتمالك نفسي من النزوع أحياناً كثيرة صوب استغوار اللامفكر فيه أو اللامعلن، ذلك أني على يقين أني أمام كاتب محترف متمكن من أدواته، ومهما طغت على الكتاب ومواضيعه فكرة الترحال، فإن الكاتب يرتحل بجسده بين الأمكنة وبفكره بين الفضاءات والثقافات، لكنه يقيم ويستقر في مكامن محددة لا يبرحها، يحملها معها وهي محل سكناه الدائم.

يقيم كليب داخل خبرته، المهنية منها والحياتية، خبرة الإعلامي المحترف المدقق في كل شيء، المهتم بجميع التفاصيل، رجل المعرفة الذي يشطر هوسه بها إلى شطرين كبيرين متساويين، أحدهما للسؤال والثاني للجواب. خبرة الإعلامي الذي يحاور ويسأل بنفس الاهتمام رجال الدولة وبائعي الرصيف على حد سواء. ذلك أن الرجل كما تابعته، لسنوات وكما عرفته صديقاً وأستاذاً، مخلصاً للمعرفة يتفقدها في كل مكان وعند كل إنسان يصادفه في حلّه وترحاله. ولذلك استقر في ذهني انطباع بأن الكتاب ينتمي إلى أدب الخبرة بنفس مدى انتمائه إلى أدب الرحلة. فالكتاب في نظري هو دروس مهداة لكل إعلامي يبحث عن التميّز.

يستقر كليب أيضاً داخل عروبته، داخل حلمه بأن تتحد هذه البلاد يوماً، وتزول الخلافات بين أهلها. في كل بلد عربي يزوره يحكي تفاصيل الزيارة، محتفياً بجمال الطبيعة أو جمال العادات والتقاليد ورسوخها وعمقها الإنساني، لكن ذلك لا يمنعه من تشخيص مشكلة السودان أو معاينة التحديات التي تطل برأسها على اليمن وتونس ومصر، وبالنسبة لي كان ما كتبه عن المغرب والجزائر وموريتانيا ذروة سنام الإشارات ذات الصلة بعروبة كليب. فالدول الثلاثة بينها خلافات كبيرة، وأواصر أخوة كبيرة أيضاً، وقد أبان الرحالة عن مهنية عالية وهو يعالج واحدة من أهم هذه الخلافات، يتعلق الأمر بالنزاع الدائر حول الصحراء المغربية، فلا هو انحاز لطرف على حساب مصالح الآخر، ولا هو فرط في حلمه وفكره الماثلين في الحاجة إلى إزالة الحدود بين أقاليم هذا الوطن العربي الجريح.

فتقسيم أي دولة عربية ليس هو خشبة خلاص نحو التنمية، خصوصاً حينما يضلع فيه العالم الأورو-أميركي الذي لا يحق لدوله وساسته أن يعطونا دروساً في الأخلاق. لو كان التقسيم فرصة لتحقيق النمو لحدث ذلك منذ تقسيم سايكس-بيكو، أو على الأقل لحصل أحد شطري السودان على الاستقلال أو النمو بعد تقسيمهما.

ثمة في ثنايا كتاب الرحالة صوت مضمر يقول إن "الاتحاد والصيغ الكونفدرالية التي تحترم الخصوصيات هي السبيل الوحيد نحو تحقيق النمو والازدهار في وطننا العربي". عروبة لا تمنع صاحبها الكاتب السامي من الصدح بين الفينة والأخرى، معلناً تذمره من خطاب الاستعلاء والوثوقية، وما إلى ذلك من عنتريات، فلا يحق لنا أن نلعن الاستعمار الفرنسي أو البريطاني أو الإيطالي ونحن نحتفي باستعمارنا في الماضي لأراضي الغير.

يقيم سامي داخل عروبته لكنه يقيم أيضاً داخل حسه النقدي، لا يمكن إيجاد أي نبرة تبرئ العرب مما يُتهمون به، ذلك أن التحيّز للحلم لا يعني القفز على الوقائع. ولهذا السبب ربما لم يتوانَ الكاتب عن التوقف عند أمازيغ شمال إفريقيا، وسرد لقاءاته مع بناة الحوار منهم، ممن ينتهجون الروية والهدوء في إيصال قناعاتهم، حتى ولو كانوا حاقدين على كل شيء عربي أو إسلامي، ويرفضون مجرد اطلاق تسمية العربي على بلاد المغرب. في ذهن كليب وقناعاته تسمية الوطن العربي لا تتناقض مطلقاً مع حقيقة وجود عرقيات أخرى، ذلك أن العروبة ثقافة إنسانية جامعة، قدمت لحمة لهذا النسيج الاجتماعي في هذه المنطقة طيلة قرون، وحصنته من الغزو والاحتلال، ومدته بروافع النضال التحرري منه لاحقاً، ولا يصح اختزالها في "عرق" يريد إقصاء أعراق أخرى.

لا يتوانى الرحالة عن مساءلة التمثلات العربية القائمة في المشرق حيال المسألة الأمازيغية، من قبيل نعتها بـ"النزعة الشوفينية" أو "الميل نحو إسرائيل"، وكأنه يريد أن يقول لهذه التمثلات: "كثيراً ما نهاجم الآخرين ونستعديهم مجاناً ومن دون أدلة". ثمة سؤال ضمني في ما كتبه عن المسألة "كيف نتهم بالتحالف مع العنصرية الصهيونية من قاوم الاستعمار، وكل خطابه ومشروعه ضد ما يراه هو من قبيل الإقصاء الثقافي واللغوي والعرقي؟".

وكما يتحسس صاحبنا من هوس المغالين بإسقاط التاريخ العربي على كل شيء، يتحسس من المغالين في الهجوم على التاريخ العربي، واتهامه بكل شيء سيء. ذلك أن الحضارة الإنسانية في هذا الشرق نتاج لتراكب وتضافر كل هذه النكهات الثقافية واللغوية والعرقية، ولم يكن من مكان للعنصرية والشوفينية إلا حينما طرأ طارئ ما منذ عقود، طارئ لم يرد سامي كليب في كتابه أن يفرد له مساحة ما، وكأنما يقاومه بإلغائه من الذاكرة، ما يعني بأن صاحبنا يعي جيداً أنه يقدم مساهمة في مجال "التأريخ".

ثمة في فكر كليب مساحات هائلة للمساكنة بين الأضداد، وجعلها تقتنع بأنها ليست أضداداً في كل شيء. هي نظرة إنسانية عميقة ومتقدمة جداً تتلاقى مع دعوات ما بعد الحداثة، حيث الحقيقة توجد في كل مكان، وكل منا يحمل في روحه جزءاً منها، ثمة لا شك في روح كليب الكثير من عوالق فكر وفلسفة الأنوار، كيف لا وهو مواطن فرنسي أيضاً، درس في أعرق جامعات فرنسا، وقرأ النصوص المؤسسة لهذا الفكر في مضانها.

يقيم كليب ويستقر إذن داخل إنسانيته، ويرتحل داخل فضاءاتها، لا حدود لديه بين ثقافات الإنسانية ومجموعاتها مهما ادعت هي ذلك. يمكن التوصل بسهولة إلى هكذا خلاصة من قراءة سيل التفاصيل التي يحكيها عن شرق العالم وغربه، شماله وجنوبه، دوله العظمى وقواه الصاعدة. لا يرى فقط ما تريد الآلة الأيديولوجية العالمية للناس أن يروه. يبحث في كل شيء عن كل شيء، لكنه لا يتجرد من إنسانيته قيد أنملة.

يصر الباحث الأكاديمي في تحليل الخطاب السياسي على اللغة، وهو الخبير بأسرارها، يتقن ملاعبتها، حتى يخيل إلى القارئ أنه يشاهد فيلماً سينمائياً خلاباً مكتمل الأركان، وليس نصاً مكتوباً بالحروف على الورق.

يرتحل سامي كليب بين بلدان العالم، راصداً وناقلاً ومدققاً وناقداً، لكن تتكامل دوائر الاستقرار الثلاثة التي يحملها كتابه؛ الخبرة والعروبة والإنسانية، وهي دوائر تجعل الرحلة على طول الكتاب رحلة داخل الثبات وثبات داخل الترحال.

ثمة الكثير مما يجدر قوله عن الكتاب، لكن ما ارتأيت كتابته هنا لا يعدو كونه تدوين خلاصات تحليلية ناجمة عن قراءة محكومة بعدة معرفية أتطلع إلى أن تكون متناسبة مع مضمون الكتاب وجودته، بالقدر الذي يشجع من يقرأها على قراءته.