كيف تطورت الأمم المتحدة في نصف قرن؟

الهدف من الكتاب – كما يقول مؤلفه حسن نافعة – هو مساعدة القارئ العربي على فَهْمِ هذه المنظمة العالمية وأهم سلبياتها وإيجابيّاتها والمُقترحات الرامية إلى تطويرها.

الكتاب صدر في الذكرى الـ 50 لتأسيس الأمم المتحدة ودخول ميثاقها حيّز التنفيذ
الكتاب صدر في الذكرى الـ 50 لتأسيس الأمم المتحدة ودخول ميثاقها حيّز التنفيذ

يعتبر كتاب "الأمم المتحدة في نصف قرن: دراسة في تطوّر التنظيم الدولي منذ 1945" للكاتب المصري المُتخصّص بالقانون والعلاقات الدولية الدكتور حسن نافعة، الصادر عن سلسلة عالم المعرفة (عدد تشرين أول/أكتوبر 1995) من أهم الكتب التي درست الأمم المتحدة وتأثيرها في الأزمات الدولية.

الكتاب صدر في مناسبة احتفاء الأمم المتحدة بمرور خمسين عاماً على تأسيسها ودخول ميثاقها حيّز التنفيذ. وقد أراد المؤلّف من هذه المناسبة فرصة لتأمّل مسيرة هذه المنظمة خاصة مع دخول النظام الدولي مرحلة جديدة من التحوّلات الهائلة وعلى رأسها انهيار حلف وارسو وتفكّك الاتحاد السوفياتي.

الهدف من الكتاب – كما يقول نافعة – هو مساعدة القارئ العربي على فَهْمِ هذه المنظمة العالمية وأهم سلبياتها وإيجابيّاتها والمُقترحات الرامية إلى تطويرها. فقد كتب الكثير عنها الكثير، بل لديها جهاز إعلامي ضخم منتشر في كل أنحاء العالم، ومع ذلك فإن تصوّر المواطن العادي عن الأمم المتحدة مازال مشوّشاً، وربما يعود السبب إلى نوعيّة الكتابات التي لا تخرج معظمها عن أنماطٍ ثلاثة:

فهي إما كتابات أكاديمية عادة ما تتّسم بالجفاء ولا تثير القارئ، وإما كتابات صحفية تتّسم بالانتقائية وتركّز على قضايا ساخِنة، وإما كتابات دعائية أو تسجيلية يقدّمها جهاز الإعلام في الأمم المتحدة.

لذا يؤكّد حسن نافعة احترامه للتقاليد المُتّبعة في سلسلة عالم المعرفة، مع مُراعاته الصارِمة للمنهج العلمي، من دون الوقوع في  الأكاديمية، العقيمة أحياناً.

يبدأ المؤلّف كتابه بفصل تمهيدي عن عصبة الأمم، فعلى الرغم من محاولات التنظيم الذي أحرزته إلا أنها لم تحل دون وقوع الحرب العالمية الثانية، التي أظهرت حقيقتين كان لهما تأثير كبير على تطوّر التنظيم الدولي:

الحقيقة الأولى: أن المجتمع الدولـي قـد وصـل إلى درجةٍ من تداخُل المصالح وتشابكها بحيث أصبح من المُتعذّر، حَصْر نطاق الحرب إذا ما اندلعت شرارتها داخل حيّـز إقـلـيـمـي أو جـغـرافـي، وكانت الحرب العالميـة الأولـى أوضـح شـاهِـد عـلـى هذه الحـقـيـقـة. فـفـي 28 حزيران/يونـيـو 1914 أطلـق طـالـب صربي متطرّف من مواطني البوسنة النار على وليّ عهد النمسا في سراييفو فأرداه قتيلاً. وما هي إلا أسابيع قليلة حتى بدأت حرب التي بقيت أكثر من أربع سنوات.

وهكذا وجدت ثلاثون دولة نفسـهـا مُشترِكة في حربٍ دارت معاركها البرية على قارات أوروبا وآسيا وإفريقيا والبحرية على اتّساع المحيطات كلها. حـتـى الولايات المتحدة التي كانت تنتهج سياسة العزلة التقليدية وتتبنّى سياستها الخارجية انطلاقاً من مبدأ مونرو الذي يحظِّر عليها الانغماس في شؤون الـقـارّة الأوروبـيـة، ومـقـابـل امـتـنـاع هـذه الأخـيـرة عـن الـتـدخّـل فــي شــؤون الأميركتين وجدت نفـسـهـا فـي وضـع اضـطـرت مـعـه لخـوض الحـرب إلـى جانب الحلفاء اعتباراً من نيسان/أبـريـل1917.

الحقيقة الثانية: في الحرب العالمية الأولى بلغ تعداد شعوب الدول التي أعلنت الحرب ضدّ بعضها البعـض بليون ونصف بليون نسمة (ينتمون إلى 33 دولة) قامت بتعبئة 70 مليون مقاتل. وبلغت خسائرها البشرية 10 ملايين قتيل و20 مليون جريح. كما بلغ حجم الخسائر المادية 208 بلايين دولار.

في هذا السياق لم يكن غريباً أن تعلو على الصعيدين الرسمي والشعبي صيحة تطالب بأن "لا يتكرّر هذا مرة أخرى" وظلّت هذه الصـيـحـة تـتـردّد طوال سنوات الحرب، وما إن انتهت الحرب حتى صدر العديد من الدراسات التي احتوت على تصوّرات ورؤى مختلفة حول سُبُل تـنـظـيـم عـالـم مـا بـعـد الحرب، اتفقت جميعها على ضرورة وضع إطار مؤسّسي دائم. وهكذا انتهت الحرب العالمية بتأسيس أول منظمة سياسية عالمية دائمة في تاريخ البشرية هي عصبة الأمم.

وينتقل نافعة إلى نشأة الأمم المتحـدة والـدور الـذي لعبته كل من الولايات المتحدة والقوى الكبرى الأخرى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، والـدول الـصـغـرى والمـتـوسّـطـة المـشـاركـة فـي مـؤتمــر ســان فرانسيسكو في صوغ ميثاقها.

ويشرح المؤلّف ويُحلّل نصوص الميثاق وما يتضمّنه من مبادئ وأهداف وقواعد عامة، ويُبيّن أجهزة الأمم المتحدة وفروعها الرئيسية وما تقـوم بـه مـن مـهـام ووظائف وآليـات صـنـع الـقـرار بـهـا ووسـائـلـهـا فـي تحقيق أهدافها ووظائفها.

ويفصّل المؤلّف ميثاق الأمم المتحدة المكوّن من ديباجة قصيـرة و111 مادة موزّعة على تسعة عشر فصلاً، بالإضافة إلى النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية والذي يتكوّن مـن 70 مادة تُعدّ جزءاً لا يتجزّأ من الميثـاق. وتفصّل هذه المواد الـغـرض مـن إنـشـاء منظّمة الأمم المتحدة.

يتحدّث الكاتب عن إدارة الأمم المتحدة للأزمات في الحرب البارِدة. ثم ينتقل إلى مناقشة تصفية الاستعمار. فقد احتلّت المسألة الاستعمارية حيّزاً لا بأس به في ميثاق الأمم المتحدة حيث شغلت ثلاثة فصول كاملة: الفصل الحادي عشر وعنوانه: «التصريح الخـاص بالأقاليم التي لا تتمتّع بـالحـُكـم الـذاتـي» (المـادتـان ٬73 74) والفصل الثاني عشر الذي يحتـوي عـلـى النصوص المتعلّقة بنظـام الـوصـايـة (المـادتان 75-85)، والفصل الثالث عشر والذي يحتوي على النصوص المـتـعـلـّقـة بـتـشـكـيـل ووظـائـف وســلــطــات وقــواعــد التصويت وإجراءات مجلس الوصاية (المادتان 86-91). ويبلغ عدد مواد هذه الفصول الثـلاثـة 19 مادة من إجمالي مواد الميثاق.

يقول نافعة: أسّست الأمم المتحدة عام 1964 لجنة أطلق عليها «لجنة تصفية الاستعمار» لكـي تـبـحـث بـصـفـة مـُنـتـظـمـة تـطـبـيـق "الإعلان خاص بمنح الاستقلال للبلدان والشعوب المستقرّة" الذي تبنّته الجمعية العامة بأغلبية ساحِقة وأصبح هو القرار 1514 الصادر في 14 كانون أول/ديسمبر لعام 1960. ووضـع التوصيات التي تساعد على التعجيل بالتنفيذ وإزالة العقبات التي تعترض طريقه. وأدّى نشاط هذه اللجنة إلى قيام الجمعية العامة باتّخاذ العديد من القرارات الخاصة بتنفيذ الإعلان والتي عكسـت هذه المواقف الراديكالية.

وقد استطاعت الجمعية العامة إحكام الحِصار والعزلة السياسية حول الدول الاستعمارية التي رفضت التعاون معها مـثـل الـبـرتـغـال (قـبـل انـدلاع الثورة فيها عام 1974) أو جنوب إفريقيا. واتّخذت قرارات عديدة لمساعدة حركات التحرّر الإفريقية في المستعمرات البرتغالية، كما قبلت ممثّلي بعض حركات الكفاح المُسلّح كمراقبين وساهمت بذلك مساهمة واسعة في مَنْحِ هذه الحركات الصفة التمثيلية والاعتراف الدولي اللازمين لدعم مسيرتها. وبالفعل تمكّن العديـد مـن هـذه الحـركـات مـن قـيـادة الـكـفـاح المُـسـلّـح نـحـو الاستقلال الفعلي بمساعدة الأمم المتحدة، وأصبحت دولاً أعضـاء فـيـهـا، كما وقفت الجمعية العامة بصلابة ضدّ سيـاسـة الـتـفـرقـة الـعـنـصـريـة فـي جنوب إفريقيا وضدّ استمرار احتلال هذه الدولة لاقليم جنوب غرب إفريقيا (ناميبيا في ما بعد)، وضدّ الحكم العنصري في روديسيا الجـنـوبـيـة ودفـعـت مجلس الأمن دفعاً لاتّخاذ عقوبات ضدّهما.

وهكذا أسهمت الأمم المتحدة إسهاماً كبيراً وضخماً في الـقـضـاء عـلـى الظاهِرة الاستعمارية. وكان النجاح حليفها في ما عدا بعض الحالات المهمة وذات الدلالة.

يقدِّم المؤلّف جردة حساب ودراسة لبعض الحالات الخاصة ويدرس بعض حـالات الـنـجـاح والفشل التي كانت لها دلالات خاصة بالنسبة لتوضيح أسلوب الأمم المتحدة في دارسة أدوارها ووظائفها وعلاقة ذلك كله بهيكل وموازين القوى فـي النظام الدولي.

ويُعدِّد الكاتِب الدول التي كانت تحت الوصاية، ويتوقّف عند حالات خاصة مثل المستعمرات الإيطالية واقليم جنوب غرب إفريقيا (ناميبيا) الذي  يُعتَبر "حال نجاح باهر"، فقد قادت الجمعية العامة للأمم المتحدة هذه المعركة على مدى أكثر من أربعين عاماً متصلة ، وأشركت معها كلاّ من محكمة العدل الدولية ومجلس الأمن ، بل  ومارست كل ما هو متصوّر من ضغوط على هذين الفرعين من أجل تحقيق هدف واحد وهو تمكين شعب ناميبيا من ممارسة حقه في تقرير مصيره ، والتخلّص من هيمنة جنوب إفريقيا وحكمها العنصري وتحقيق الاستقلال الكامل.

ويوضح الكاتب حجم المفارقة الهائلة بين ما آل إليه وضع القضية الفلسطينية داخل الأمم المتحدة مع نهاية الحرب البارِدة ، بالمقارنة مع القضية الناميبية. ففي الوقت الذي كان فيه رئيس دولة ناميبيا المستقلّة يؤدّي يمين الولاء عند تنصيبه أمام الأمـين الـعـام لـلأمم المتحدة تـقـديـراً وامتناناً لدور هذه المنظمة في تمكين شعب ناميبيا من مـمـارسـة حـقـوقـه. كانت عملية اسـتـبـعـاد الأمم المتحدة تمـامـاً مـن أيّ حـلٍ يـتـعـلّـق بـالـقـضـيـة الفلسطينية. وفـي تـقـديـر المؤلّف إن فـشـل الأمم المتحدة فـي الحـال الأخيرة يعود إلى عوامل كثيرة جداً أهمها:

 -الانحياز الكامل والمُطلَق من جانب الولايات المتحدة لـ "إسرائيل".

 - سوء الإدارة العربية للمسألة الفلسطـيـنـيـة وتحـوّلـهـا إلـى حـلـقـةٍ مـن حلقات الصراعات العربية - العربية.

 -اختلال موازين القوّة العسكرية على الأرض لمصلحة "إسرائيل".

 -اختلال موازين القوى العـالمـيـة تـدريـجــاً لمـصـلـحـة الـقـوى المُـسـانـدة لـ "إسرائيل".