هل ثمة علاقة بين المسرح والسجن؟

ما هو الدور المأمول للمسرح كي يكون بديلاً للسجن في توفير عقوبة ذات بعد إيجابي؟ هذا ما حاولت الباحثة البريطانية كايومي مكافنشي تناوله في كتابها.

كتاب "المسرح والسجن" للباحثة البريطانية كايومي مكافنشي
كتاب "المسرح والسجن" للباحثة البريطانية كايومي مكافنشي

تجربة السجن مريرة وهذا العِقاب يشكّل منظومة مكلفة مالياً ونفسياً. لكن بعض الباحثين يرى  للمسرح دوراً كي يكون بديلاً عن السجن من خلال توفير عقوبة ذات بعد إيجابي. وقد حاولت الباحثة البريطانية كايومي مكافنشي تناولها في كتابها "المسرح والسجن".

"في السجن لا تقول انتهى كل شيء. في السجن تقول ابتدأ كل شيء والبداية هي الحرية"، هكذا كتب (محمود درويش). فالسجن تأديب وتهذيب وإصلاح. هذه العبارة أثارت جدل في بريطانيا بعد إعداد سجناء، يقضون عقوبات طويلة. مسرحية استعراضية لرواية الأديب الفرنسي فيكتور هوغو (1802 - 1885) المعروفة عربيًا بـ«البؤساء» (1862) التي أنتجت السينما منها ستة أفلام أمينة للرواية الأصلية، وعددًا لا يحصى من التحويرات المعدلة، أشهرها على المسرح كانت الاستعراضية الموسيقية في لندن وبرودواي.

  جاءت البداية عندما ألّف أوسكار وايلد كتابه "من الأعماق" في السجن، والذي يتناول فيه بعضًا من معايشاته فيه، والذي ترك في نفس الكاتب الإيرلندي أثرًا موجعًا ربما كان مصدراً لكتابة أهم نصوصه. تثير العلاقة بين الإبداع والسجن جدلاً موسعاً حول مفاهيم عديدة تتصل بمفهوم العقوبة والحرية وتمثلهما أدباً وفناً. فالسجن وعقوباته ليست رادعًا، وهذا ما تشير إليه إحصائيات معدل الجريمة، وأن نسبة المسجونين في ازدياد مستمر ولا فرق في ذلك بين سجون في دول متقدمة أو متأخرة. وكذلك فإن السجن لا يؤدي إلى إصلاح نزلائه، بل تؤكد العديد من الدراسات أن نسبة لا يستهان بها من المسجونين يعودون إلى السجن مرات عدة وبعضهم يتمرس على نوعيات مختلفة من الجرائم تعرف عليها خلف أسوار السجن.

  إن الرأي العام أو العقل الجماعي، غالبًا ما يخضع للعواطف أكثر منه للتفكير المنطقي البارد، يخلط في معظم الأحوال بين مفهومي العدل: الذي يشتمل على كل من عقاب فاعل الضرر وتعويض المتضرر، والجزاء: الذي لا تعويض فيه للمتضرر سوى نشوة عاطفية لحظة شفاء الغليل بمفهوم بدائي، عندما يتدلى المذنب من نهاية حبل المشنقة، أو يغلق وراءه باب الزنزانة، وتنتهي حياته تمامًا وراء قضبان «السجن المؤبد». ففي "البؤساء" نجد بطل الرواية جان فالجان يذهب إلى معتقل الأغلال بالأشغال الشاقة في قطع الأحجار. جريمته سرقة رغيف خبز وهو على وشك الموت جوعاً. المعتقل هنا وسيلة انتقام، بدلاً من العدالة الإنسانية، كأن يجبر فالجان مثلاً على العمل لفترة يفوق أجرها ثمن تعويض الخباز عن تحطيم نافذته.

  قد يكون من أشهر ما تناول السجون والمسجونين، رواية "البؤساء" لفيكتور هوغو التي نشرت سنة 1862، وتعد من أشهر روايات القرن التاسع عشر، إنه يصف وينتقد في هذا الكتاب الظلم الاجتماعي في فرنسا بين سقوط نابليون في عام 1815 والثورة الفاشلة ضد الملك لويس فيليب في عام 1832. إنه يكتب في مقدمته للكتاب: "تخلق العادات والقوانين في فرنسا ظرفًا اجتماعيًا هو نوع من جحيم بشري. فطالما توجد لا مبالاة وفقر على الأرض، كتب كهذا الكتاب ستكون ضرورية دائماً". 

تصف "البؤساء" حياة عدد من الشخصيات الفرنسية على طول القرن التاسع عشر الذي يتضمن حروب نابليون، مركزةً على شخصية السجين السابق جان فالجان ومعاناته بعد خروجه من السجن. تعرض الرواية طبيعة الخير والشر والقانون في قصة أخاذة تظهر فيها معالم باريس، والأخلاق، والفلسفة، والقانون، والعدالة، والدين وطبيعة الرومانسية والحب العائلي.

   لقد أُلهم فيكتور هوغو من شخصية المجرم/ الشرطي فرانسوا فيدوك ولكنه قسّم تلك الشخصية إلى شخصيتين في قصته. رواية "البؤساء" ظهرت على المسرح والشاشة عبر المسرحية التي تحمل نفس الاسم وأيضاً تم إنشاء فيلم للرواية نفسها باسم البؤساء (فيلم 2012) وقد حقق مبيعات ضخمة حتى أن تقييمه قد وصل إلى 7.6/10 وقد حصل على جوائز عدة.

وترصد المؤلّفة العلاقة بين المسرح ومجالات الحياة؛ التي التفت إليها وإلى أهميتها كثير من الباحثين، والمراجع التي نُشرت في هذا الشأن خلال الربع قرن الأخير، ومنها علاقة المسرح بالصحة، والتربية، والنفط، والحرب، وعالم المال والمصارف وغيرها. ينطلق الكتاب من الحديث عن السجون والعقاب، وأن هذه المنظومة المكلفة، التي أصبح العديد من الدول حول العالم يضيق ذرعًا من تكاليفها الباهظة وتأثيرها السلبي اقتصاديًا في الوقت الذي لا تحقق المنتظر منها اجتماعيًا، بل وفشلت في بلوغ أي من أهدافها التي أنشئت لأجلها.

  هنا ترى مكافنشي أن السجن وعقوباته ليست رادعًا، وهذا ما تشير إليه إحصائيات معدل الجريمة، وأن نسبة المسجونين في ازدياد مستمر ولا فرق في ذلك بين سجون في دول متقدمة أو متأخرة، وكذلك فإن السجن لا يؤدي إلى إصلاح نزلائه، بل تؤكد العديد من الدراسات أن نسبة لا يستهان بها من المساجين يعودون إلى السجن مرات عدة وبعضهم يتمرس على نوعيات مختلفة من الجرائم تعرف عليها خلف أسوار السجن.

 

العلاقة بين المسرح ومجالات الحياة

  حاولت الكاتبة أن تستعرض ظهور عروض مسرحية في بعض السجون وكيف جرى وضع العراقيل في وجهها من قبل السلطات المسؤولة، خوفًا من أن تدفع السجناء إلى التذمّر ومقاومة واقعهم، وصولًا إلى ما حدث من تغيّرات اليوم، وما هو الدور المأمول للمسرح الذي يمكن أن يكون بديلاً للسجن في توفير عقوبة ذات بعد إيجابي؟. فالإحساس بالذنب وألم النفس أشد من الجسد، بالاعتماد على دراسات علمية وتطبيقية.

  نظر في وجهه، لتصطدم عينيه بشيء ما، ثم باغته وهو يشير تجاهه بإبهامه: "أنت – لا تزال حياً- فلا تستسلم لشيطانك وابحث في داخلك عن نفسك". عبارة واجهته في أحد العروض في مسرح في لندن؛ حرّكت مشاعر الشاب ثم أصابت اللاوعي عنده، فجعلته يقاوم آثار مشاكله الصحية ويطرد مشاعر غضبه وحنقه على الحياة لرحيل أخته، واختار طريقه بثقة وتمسك به ولم يلتفت لمن قللوا من شأنه. فأصبح هذا الشاب دانييل داي لويس أحد من أنجبتهم بريطانيا من ممثلين، والوحيد الذي حصد جائزة الأوسكار ثلاث مرات. تلك أبسط صور لعلاقة المسرح الجوهرية بكل مجالات الحياة، والسجن إحداها.

  بناءً على هذه التجربة رصدت الناقدة الاجتماعية البريطانية كايومي مكافنشي هذه العلاقة في عدد من مؤلفاتها من زوايا مختلفة، ومنها كتابها الهام "المسرح والسجن"، الذي قام بتصديره مهموم آخر هو "جيمس طومسون ونقله إلى العربية كل من ياسمين أحمد فتحي ومحمود كامل.   

 

المسرح والأدوار الاجتماعية والانسانية

  لأنها دارسة ومولعة بالدراما، وبالمسرح بشكل خاصة وأدواره الاجتماعية والإنسانية، ولأنها امرأة، فقد قاد كل ذلك كايومي إلى اختيار علاقة المسرح بالمسجونات كموضوع لرسالة الدكتوراه الخاصة بها في كلية الملكة ماري في جامعة لندن، لتكن بداية بحث مستمر لا ينتهي منذ عام 1998، ومؤلفات تتضمن قراءات للواقع وما أحدثته بعض التجارب التطبيقية بهدف تغيير وتطوير بعض الرؤى حول السجون ودور المسرح الرئيسي فيه وربما لا بديل له.

 ثم تغولت الكاتبة في محور آخر عن تناول العروض المسرحية للسجون وما يحدث فيها، حيث لعبت هذه العروض في ذلك على وتر فضول الجمهور بالخارج والذي لا يعرف ما يحدث في الداخل. إلا أن الصور المنقولة كثيرًا ما جاءت جزئية أو مبتورة؛ ربما لعدم قدرة القائمين عليها في الوصول إلى العمق، بينما تحتاج العروض القليلة الأخرى التي تمكنت من ذلك إلى الاستمرار طويلًا لتقويم الصور الذهنية المشوهة التي صدّرتها أشكال الدراما الأخرى كالتلفزيون والسينما. إلا أنها لا تقوى على الاستمرار نتيجة الضعف المادي أو تسرّب اليأس لديهم والتحوّل إلى نوعيات أخرى، فنادرًا ما نجد مسرحًا أو فرقة مسرحية تتبنى هذه العلاقة وتعتنقها.

 

تجارب مسرحية ناجحة حول السجون

  إضافة إلى ذلك، ورغم ضعف ما أحدثته فكرة المسرح حول السجن، إلا أن هناك تجارب وجدتها مكافنشي تستحق التوقف عندها، ومنها مسرحية "العدالة" لجون جالسورتي التي أسهمت في تحوّل حاسم في الإصلاح الجزائي مطلع القرن العشرين، ومسرحية "الأمر لا يتعلق بطيور العندليب" لذات المؤلف وحاول خلالها توفير رؤية للجمهور مغايرة للسجون والعدالة، ومسرحية "الحظ وعيون الرجال" لجون هربرت التي ألقت الضوء بقوة علي أهمية تأهيل المسجونين بعد الخروج من السجن.

  ذهبت مكافنشي في محور آخر إلى المسارح التي لم تكتفِ بدورها خارج السجون لصالح الجمهور، ولكنها اخترقتها للعمل لصالح نزلائه، وأن المحاولات بدأت منذ سبعينيات القرن الماضي، برغم الظروف الصعبة وغير المناسبة لتقديم عروض مسرحية، وخاصة أن هناك بعض التجارب القديمة منذ القرن السابع عشر أظهرت أن المسرح والسجن عالمان لا يمكن أن يتمازجا مطلقًا، ولكن المقاومة واستمرار التجارب ساعدا في تجاوز هذا الاعتقاد. وفي مرحلة متقدمة؛ تبلورت فكرة مشاركة المسجونين أنفسهم في التجارب وأجزاء من العروض المسرحية، وكان الغرض الخفي وراء بعض هذه التجارب هو اختبار مدى إمكانية أن تترك تأثيرًا يسهم في بداية إصلاح وتهذيب المسجونين.

  وتصل الكاتبة إلى محور أخير ورؤية دور المسرح الجوهري في عالم السجون من اتجاهات عدة؛ فيمكن وضع نصوص وعمل عروض مسرحية تسهم في إصلاح وتهذيب المسجونين وتهيئتهم للخروج من السجن والاندماج في المجتمع كعنصر صالح منتج. كما يمكن تأسيس فرق مسرحية من المسجونين يكون تأثيرها أكبر وأكثر إقناعًا لزملائهم.

  يمكن للمسرح أن يُعِد أيضًا عروضًا خاصة لذوي المسجونين لتهيئتهم للتعامل مع أبنائهم أثناء فترة العقوبة أو بعد الخروج من السجن، وعروض أخرى لعموم الجمهور تقدم صورة صحيحة لمنظومة السجن والمنتج المنتظر لمواطن مؤهل يجب احتضانه ودعمه، ومن ثم يربح المجتمع عنصرًا إيجابيًا فعالًا. ويمنح المسرح كذلك للمسجونين فرصًا لا تحصى للتزوّد بالعلم والثقافة، والتعرّف على مهن تناسب قدراتهم الفكرية والعقلية، وبعضها في المجالات الثقافية والفنية ومن ثم يصلحون ككوادر تخدم علاقة المسرح بالسجن، ويكون لخوضهم هذه التجربة ما يمنحهم ميزات عن غيرهم، وتكسبهم قدرة أكبر على إنتاج أفكار أكثر فاعلية وأيسر في تطبيقها.

  كل هذه المحاور إجمالًا؛ تتجه نحو فكرة ربما تبدو مجنونة لكنها ممكنة، في أن يصبح المسرح بديلًا للسجن في توفير عقوبة ذات بعد إيجابي، فالإحساس بالذنب وألم النفس أشد من الجسد، بعدها يمكن للمسرح أن يبدأ بالتهذيب والإصلاح عبر مراحل عدة. هذا البديل المسرحي سيعتمد على دراسات علمية وتطبيقية بعضها خضع للتجربة وحقق نتائج جيدة. وتكمن الصعوبة هنا في أن على الدول أن تعتنق هذا الفكر وتدرك فوائده الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية، لكن؛ وبطبيعة الحال، لا يمكن لدولة أن تتبنى هذا الفكر من دون أن يكون لديها مسرح مؤهل لذلك.

يقول أدونيس: "ما أكثر الأوطان التي يبدأ فيها سجن المواطنين بالنشيد الوطني".

ففي بلد لا يحكم فيه القانون يمضي فيه الناس إلى السجن بمحض الصدفة. كذلك لا يوجد مستقبل في بلد يتمدد فيه الفقر كما يتمدد ثعبان في الرمل. وعليه ينبغي أن يعلم من يفتح سجنًا أنه لن يقفل أبدًا، فالسجن ليس فقط الجدران الأربعة وليس الجلاد أو التعذيب، إنه بالدرجة الأولى خوف الإنسان ورعبه، حتى قبل أن يدخل السجن، وهذا بالضبط ما يريده الجلادون وما يجعل الإنسان سجينًا دائمًا.

  يبقى أن مسرحة العمل الأدبي العملاق المعقد الذي يؤرخ لفترة صاخبة في التاريخ يحتاج إلى عبقرية لتحويلها إلى مشاهد بسيطة التعبير توصل رسالتها إلى المتفرج. ففي عام 2018 فضل السجناء البريطانيون الشكل الاستعراضي الموسيقي ليحكي أحداث 17 عامًا في 27 أغنية راقصة. وبعد شهر من البروفات أصبحت المسرحية جاهزة وثمن التذكرة سبعون جنيهًا، مثل أفخم المسرحيات في منطقة الويست إند في لندن. الجدل، بين معترض على التجربة ومتحمس لها، يعود إلى الاختلاف في تفسير مفهوم تأديب وتهذيب وإصلاح (ولها مقابل في كل لغات العالم).

  كذلك فإن فلسفة السجن الحديثة بعد مرحلة العقاب بالتأديب يؤهل السجين ليعود كقوة عاملة يستفيد منها المجتمع، وهي وراء فلسفة التأديب والتهذيب والإصلاح، لكن المجتمع مكوّن من أفراد يراها كل منهم من منظور تجربته الخاصة، بل تتغير رؤية الفرد وسط مجموعة تتداخل عواطفه وتفكيره مع تفكيرها الجماعي. والأغلبية ترى السجن غاية هي العقاب لا وسيلة للإصلاح.

إن البلدان التي تطبق المراحل الثلاثية للسجن تخضع مصلحة السجون فيها لوزارة العدل إداريًا، ولا تتبع وزارة الداخلية أو المؤسسة الأمنية؛ فالقضاء في الديمقراطيات الناضجة سلطة مستقلة عن السلطتين التشريعية والتنفيذية.