عن الأخلاقيات البيولوجية الإسلامية

في عام 1995، أنشأ الرئيس الأميركي بيل كلينتون مجلس الرئيس للأخلاقيات البيولوجية، في إشارة إلى أن هذا المجال قد وصل أخيراً إلى مستوى غير مسبوق من النُضج والقبول في الولايات المتحدة الأميركية

عن الأخلاقيات البيولوجية الإسلامية
عن الأخلاقيات البيولوجية الإسلامية

الأخلاقيات البيولوجية هي من المواضيع التي شغلت الكثير من المفكّرين، وخاصة في العقدين الأخيرين، وذلك مع اختلاف الدين والعقيدة والزمان والمكان، فمثلاً الأخلاقيات البيولوجية (المسيحية) جاءت مع مؤلّفات كولسون تشارلز ووكر "الكرامة الإنسانية في قرن التكنولوجيا الحيوية: رؤية مسيحية للسياسة العامة"، وكذلك دونيرز غروف، "إلينوي: إينترفرستي للصحافة"، وديمي، تيموثي ج. وغاري ب. ستيوارت في كتاب "الانتحار: الجواب المسيحي والاعتبارات الحيوية لاختيار الحياة"، والبابا يوحنا بولس الثاني "بشارة الذاتية: إنجيل الحياة"، وجون كيلنر "أخلاقيات بيولوجية ومستقبل الطب: تقييم المسيحي"، وآخرون غيرهم.

أما الأخلاقيات البيولوجية اليهودية، التي جاءت ممثلة في مؤلّفات، بلايش ج. ديفيد. "اليهودية والشفاء"، ودورف إليوت ن. "مسائل الحياة والموت: نهج يهودي لآداب مهنة الطب الحديثة"، وفرييدمان ب.، "الواجب والعِلاج: أسس الأخلاقيات الحيوية اليهودية"، وجاكوبوفيتس الأول، آداب مهنة الطب اليهودية، وماكلير آرون ل، "مسؤوليات الحياة والموت في اليهودية الأخلاقيات الطبية الحيوية"، ومايباوم م، "أخلاقيات مهنة الطب (التقدمية) اليهودية"، وروزنر فريد، "الطب الحديث والأخلاق اليهودية"، وزوهار، نعوم ج، "البدائل في أخلاقيات بيولوجية اليهودية".

  ما بين المسيحية واليهودية تطوّر الأمر وصولًا إلى ما يخصّ الإسلام، فقد صدرت حديثاً عن المركز القومي للترجمة في القاهرة ترجمة كتاب "الأخلاقيات البيولوجية الإسلامية - مشكلات وآفاق" للمؤلّف داريوش أتيجتكي، وترجمته لبنى الريدي، حيث يقدّم هذا الكتاب تحليلاَ نقدياً للجَدَل الدائِر فى البلدان الإسلامية نتيجة استخدام التكنولوجيات الطبية الجديدة مثل الاستنساخ، وزرع الأعضاء، والتخصيب في المختبر، إلخ، وإن كانت هذه الأخلاقيات قد صيغت في عام 1927 من قِبَل فريتز يار، الذي "توقعّ الكثير من الجدل والمناقشات الجارية حالياً في مجال البحوث البيولوجية التي تنطوي على الكثير" في مقال حول "حتمية أخلاقيات بيولوجية"، كما سمّاها، في ما يتعلّق بالاستخدام العِلمي.

 والحقيقة أنه في عام 1970، جاء عالِم الكيمياء الحيوية الأميركي فان رينسيلار بوتر ليستخدم أيضاً المُصطلح مع معنى أوسع نطاقاً، وبالتالي توليد "أخلاق عالمية" وليست إسلامية فقط، فجاء بدراسة تمثّل صلة بين الأحياء، والبيئة، والطب والقِيَم الإنسانية، ذلك كله من أجل تحقيق بقاء كل من البشر وأنواع الحيوانات الأخرى.

 كذلك بحلول السبعينات من القرن العشرين، جاءت مجموعة خبراء بأخلاقيات بيولوجية وبرامج أخلاقيات بيولوجية أكاديمية انبثقت من بين هذه المؤسّسات الأقدم كان مركز هاستينغز (المعروف أصلًا باسم معهد المجتمع - الأخلاق وعلوم الحياة)، الذي تأسّس في عام 1969 على يد الفيلسوف دانيال كالاهان والطبيب النفساني ويلارد جايلين، ومعهد كينيدي للأخلاقيات، الذي أنشئ في جامعة جورج تاون في عام 1971. وقد تم  نشر مبادئ أخلاقيات الطب الحيوي من قِبَل جيمس ف. تشايلدرس وتوم بوشامب، وهو أول كتاب منهجى أميركي للأخلاقيات البيولوجية، وإن حدّد هنا لحظة تحوّل ملحوظ في التخصّص.

 

الأخلاقيات البيولوجية خلال العقود الثلاثة الأخيرة

 خلال العقود الثلاثة اللاحقة، ظهرت قضايا أخلاقيات بيولوجية اكتسبت اهتماماً واسع النطاق من خلال القضايا المعروضة على المحاكم المُحيطة بمقتل كارين آن كوينلان، ونانسي كروزان وتيري شيافو. المجال طوّر كادره الخاص من دُعاة معروفين على نطاق واسع، مثل آل عزنسين في جامعة واشنطن، وجون فليتشر في جامعة فرجينيا، ويعقوب م. ابيل في جامعة براون، وروث فادن في جامعة جونز هوبكنز، وآرثر كابلان في جامعة بنسلفانيا.

  في عام 1995، أنشأ الرئيس الأميركي بيل كلينتون مجلس الرئيس للأخلاقيات البيولوجية، في إشارة إلى أن هذا المجال قد وصل أخيراً إلى مستوى غير مسبوق من النُضج والقبول في الولايات المتحدة الأميركية. أما الرئيس جورج دبليو بوش فقد اعتمد على مجلس بشأن أخلاقيات بيولوجية في إصدار القرارات في مجالات مثل التمويل العام لأبحاث الخلايا الجزعية الجنينية.

  الغرض من مجال أخلاقيات بيولوجية هو تناول رقعة واسعة من تساؤل الإنسان، والذي يتراوح من المُناقشات حول حدود الحياة (مثل الإجهاض والقتل الرحيم) إلى تخصيص موارد الرعاية الصحية الشحيحة (مثل التبرّع بالأعضاء، وترشيد الرعاية الصحية) إلى الحق في رفض الرعاية الطبية لأسبابٍ دينية أو ثقافية.

  الواقع أن علماء الأخلاقيات البيولوجية كثيراً ما يختلفون في ما بينهم على الحدود الدقيقة لهذا التخصّص، مُتجادلين ما إذا كان هذا المجال يجب أن يهتمّ بالتقييم الأخلاقي لجميع المسائل التي تنطوي على البيولوجيا والطب، أو مُجرّد مجموعة فرعية من هذه الأسئلة. بعض عُلماء الأخلاقيات البيولوجية يضيّقون التقييم الأخلاقي فقط إلى أخلاقية العلاجات الطبية أو الابتكارات التكنولوجية، وتوقيت العلاج الطبي للبشر. آخرون يوسّعون نطاق التقييم الأخلاقي ليشمل أخلاقية جميع الإجراءات التي قد تساعد أو تضرّ الكائنات الحيّة القادِرة على شعور الخوف والألم، وتشمل داخل أخلاقيات بيولوجية جميع هذه الأعمال من احتمال في ما يتعلّق بالطب والبيولوجيا.

   مع ذلك، فإن معظم عُلماء الأخلاقيات البيولوجية يشتركون في الالتزام بمناقشة هذه القضايا المُعقّدة بطريقةٍ صادقةٍ، مُتحضّرة وذكية، باستخدام أدوات من تخصّصات مختلفة كثيرة التي "تغذّي" المجال لإنتاج أطُر ذات مغزى للتحليل.

ويأتي عُلماء الأخلاقيات البيولوجية من تشكيلة واسعة من الخلفيات وحصلوا على التدريب في مجموعة متنوّعة من التخصّصات. ويحتوي  هذا المجال على أفراد مُدرَّبين في الفلسفة، مثل بيتر سنغر من جامعة برينستون ودانيال بروك من جامعة هارفارد، وأخلاقيون مُدرّبون طبياً سريرياً مثل مارك زيغلر من جامعة شيكاغو، وجوزيف فينز من جامعة كورنيل، ومحامون، مثل يعقوب ابيل وويسلي ج. سميث، واقتصاديون سياسيون، مثل فرانسيس فوكوياما، وعُلماء لاهوت بينهم جيمس تشايلدرس.

وقد هيمن على المجال سابقاً الفلاسفة المُدرَّبون رسمياً، وأصبح بشكل مُتزايد مُتعدّد التخصّصات، مع بعض النقّاد، مُدّعين أن أساليب الفلسفة التحليلية كان لها أثر سلبي على تطوير المجال. والمجلات الرائدة في هذا المجال تشمل تقارير مركز هاستينغز، ومجلة آداب مهنة الطب ودورية كمبريدج لأخلاقيات الرعاية الصحية.

كما أن للعديد من الطوائف الدينية تاريخها الخاص في التحقيق في قضايا أخلاقيات بيولوجية وقد وضعت قواعد ومبادئ توجيهية بشأن كيفيّة التعامل مع هذه القضايا من خلال وجهة نظر كل إيمان منها.

 

تحليل المستويات الدينية والقانونية

  يتناول هذا التحليل مستويات عدّة دينية وقانونية وسياسية، حيث يُقارن مواقف السلطات الدينية المُعاصِرة والتقليدية، والقوانين السارية في البلدان الإسلامية، ومواقف وسلوك السكان والأسَر والأفراد، وكذلك لوائح الجمعيات الطبية ولجان أخلاقيات البيولوجيا.. إلخ.

  ويُلاحظ الكاتب وجود ثروة عظيمة من الأفكار، والمواقف والتيارات الفرعية في الأخلاقيات البيولوجية الإسلامية؛ وهو يعتقد أن هذه الثروة لا تعرقل لكنها، على النقيض، تحفّز لأن جذورها ممتدّة في المصادر المُقدّسة، حتى وإن كانت القضايا محل النقاش تتعلّق بالأخلاق. فالأخلاقيات البيولوجية الإسلامية غنيّة بالفكر، والأفكار والمواقف المُتنوّعة التي تستهدف جميعها أن تكتسب الشرعية بواسطة النصوص المُقدّسة.

ومن ناحية أخرى، لا توجد سلطة شرعية دينية عُليا أو حاكمية، ويؤدّي ذلك حتماً إلى تعدّد التفسيرات والمواقف. وهنا على الجميع أن يدرك تماماً أن هذه التعدّدية قد زادت أيضاً مع انتشار الإسلام وسط شعوب مختلفة.

وجاءت الأخلاقيات البيولوجية الإسلامية في عدد من المؤلّفات منها، الخياط م ه، "الصحّة والسلوك الإسلامي" في جريدة الجندي، و"سياسة الصحة، الأخلاق والقِيَم الإنسانية: منظور إسلامي" (الكويت: المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية)، وكذلك مؤلّفات إبراهيم أبو الفضل محسن، "الإجهاض، تحديد النسل، الأمومة البديلة: منظور إسلامي"، وجون اسبوزيتو، "الأمومة البديلة" في موسوعة أوكسفورد للعالم الإسلامي الحديث (مجلّد. 4 نيويورك: مطبعة جامعة أوكسفورد). وأنس كاريتش، "أخلاقيات الاستنساخ" في مجلة إسلاميكا.

 ويبقى أن الأديان اليهودية، المسيحية والإسلامية وضعت كل واحدة منها كميّة كبيرة من المؤلّفات حول هذه المسائل. ففي العديد من الثقافات الآسيوية، على سبيل المثال، هناك نقاش حيوي حول قضايا الأخلاقيات الحيوية. فأخلاقيات بيولوجية البوذية، بصفةٍ عامةٍ، تتميّز بنظرةٍ طبيعيةٍ تؤدّي إلى نهجٍ عقلاني عملي. والحقيقة أن علماء الأخلاقيات الحيوية البوذيين يشملون داميان كيون. وفي الهند، فاندانا شيفا هي رائدة في الأخلاقيات الحيوية تتحدّث من التقاليد الهندوسية.