"الشرق الأوسط وخرائط الدم"

يرى  الدكتور طارق عبود في كتابه "الشرق الأوسط وخرائط الدم" الصادر عن دار الفارابي، "أن تقسيم الشرق الأوسط لم يخرج من أذهان أصحاب القرار في الولايات المتحدة، وقد سعت الإدارات الأميركية المتعاقبة إلى إعادة ترتيب المنطقة وحدودها بناءً للرؤية الامريكية، ورسم خرائط الدول والكيانات الجديدة بدماء أبنائها".

كتاب "الشرق الأوسط وخرائط الدم" للباحث طارق عبود
كتاب "الشرق الأوسط وخرائط الدم" للباحث طارق عبود

شكلت أحداث العام 2011 بداية لمسيرة الدم والتوحش في منطقة الشرق الاوسط، بعدما فتنت الشعوب بسحر الثورة وشعارتها، ومن خلال من سمي بالربيع العربي الذي استحالت معه المنطقة إلى نار ودخان وقتل وتهجير، ولم تستوِ حالها إلى يومنا هذا.

لقد أدى "الجهاد العالمي"  دوراً مركزياً في هذه المرحلة، وتناسل من هذا الجهاد عدد غير قليل من الجماعات، ولكن كان أكثرها بروزاً تنظيم "داعش". وكان المؤسس لحرب طاحنة أعادت المنطقة إلى القرون المظلمة، فتقاطر عشرات الالاف من الإسلاميين من مختلف البلدان العربية والإسلامية، ليشكلوا هذه المنظومة الدموية الفاشلة المتلطية خلف عنوان الدين.

لقد تداعى كثير من الباحثين إلى مقاربة هذا التنظيم، ودراسة حالته، وأثر البعض قرءاة المشهد قراءة حدثية راهنة، أو ربطها بالخلفية التاريخية للمشاريع التقسيمية. لذا لم تكن حركة "داعش" مستقلة عما حدث في السنوات العجاف التي خلت.

يقول الكاتب طارق عبود "إن الغاية من مقاربتنا لم تقتصر على التعريف بتنظيم داعش، بل كانت لتوضيح علاقته بمشروع الشرق الأوسط الجديد، وإسهامه في محاولة إعادة ترتيب خريطة المنطقة، من الناحية الجيوسياسية". ويضيف "أن هذا هذا التنظيم شكل الذخيرة الفتاكة التي وضعها الأميركي في سلاحه، ورمى بها خصومه في المنطقة".

يرى عبود أن المشروع التكفيري والإرهابي تماهى مع المشروع الذي عمل على تنفيذه المحافظون الجدد، وهو مشروع قديم تجدد في ولايتي الرئيس جورج بوش الإبن الذي كانت أول تجلياته: اجتياح أفغانستان والعراق على خلفية أحداث 11 أيلول/ سبتمبر، القرار 1559 في لبنان، اغتيال رفيق الحريري، قيام ما ما سمي "ثورة الأرز" ما أدى إلى انسحاب الجيش السوري من لبنان، وعدوان تموز 2006.

يرى عدد من الباحثين أن النسخة الثانية من المشروع الأميركي كان عبر  أبناء هذه المنطقة، من أبناء جماعات الفكر الجهادي العالمي، الحليف السابق في أفغانستان، متجاوزين مرحلة العداء التي كانت مفيدة للطرفين، التي بدأت في 11 أيلول/ سبتمبر 2001

التقى المشروعان التكفيري والأميركي واستفاد كل من الطرفين، مع وجود اختلاف في أهداف كل منهما، والتوافق غير المباشر بينهما على المرحلة الاولى وهي مرحلة التمكين التي ارتبطت بالحاجة للإطاحة ببعض رؤوس الانظمة العربية، وصولاً إلى الهدف الأساس من المشروع، وهو سوريا والعراق لفصل سوريا عن محور المقاومة، واستفراد كل عضو على حدة، مما يتيح للأميركيين وإسرائيل وحلفائهما السيطرة العسكرية والسياسية على الشرق الأوسط. هذا المشروع كان المساهم الأبرز فيه تنظيم القاعدة الذي تفرع منه جماعات عدة، أهمها وأخطرها تنظيما داعش والنصرة.

تمحورت الإشكالية الرئيسية في الكتاب حول مشروع التقسيم الذي وضعه برنارد لويس، ثم طوره العقيد في الجيش الأميركي "رالف بيترز" من خلال دراسته الموسومة "حدود الدم".

ويسلط الكاتب الضؤ على  الدعم الأميركي والحلفاء للتنظيمات الإرهابية وتمويلها، وحمايتها إعلامياً وسياسياً في المحافل الدولية، ومجلس الأمن والجامعة الدول العربية. ويقول الكاتب "حاولنا إثبات ذلك من خلال الوثائق والأدلة، والتركيز على الوقائع التي تثبت الإتهام، ليصبح دليلاً ومرجعية تاريخية للمرحلة الأكثر خطورة التي مرت بها الأمة".

ولتوضيح كل هذه الإشكاليات يعود الكاتب إلى التعريف برؤية المحافظين الجدد، ومرجعية تنظيم القاعدة الذي نفذ المخطط.

قسّم عبود كتابه إلى أربعة فصول الفصل الأول يتحدث عن مشروع المحافظين الجدد ورؤيتهم السياسية، المبنية على الرؤية المسيحية المتصهينة  وكيف تمظهرت وتبلورت في مخطط تقسيم المنطقة، عبر مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي شكّل أيقونة المحافظين الجدد، وقد استحضر الكاتب ما استطاع من وثائق ودراسات من مراكز أبحاث أميركية، وعلى رأسها دراسة وزارة الدفاع الامريكية المسماة "حدود الدم" التي فصلت الخريطة الجديدة للمنطقة العربية - الإسلامية.

ويبحث عبود في الفصل الثاني مشروع جماعات "الجهاد الإسلامي" من التأسيس في أفغانستان، مع المؤسس الأول عبدالله عزام، وصولاً إلى داعش بقيادة أبو بكر البغدادي.

ويطل الكاتب في الفصل الثالث بشكل عميق على البنية العسكرية والأمنية لداعش، والتعريف بالشخصيات الأكثر أهمية فيه، من خلال البحث عن الدور الحاسم الذي أداه ضباط النظام العراقي السابق، من المؤسس والعقل المدبر "حجي بكر" إلى "ابي علي الأنباري" وغيرهما من عشرات الضباط الذين أسهموا في تأسيس داعش، والبدايات كانت في سجن "بوكا" الأميكي تحت أعين الجيش والاستخبارات الأمريكية ورعايتهما. وهي إشارة إلى عدم الإستخفاف بما حدث خلف جدران هذا السجن، إذ أن الغالبية من قيادات داعش  كانت مجموعة فيه، حيث شكل المكان الانسب لبناء داعش.

ولم ينسَ الكاتب أن يتوقف عند الأسباب الإجتماعية والسياسية التي حدثت بجيل من الشباب إلى الإنخراط في تشكيلات داعش، بسبب الممارسات القمعية للأنظمة العربية.

أما الفصل الرابع قفد تحدث فيه الكاتب عن دور الولايات المتحدة وحلفائها، من السعودية، وتركيا، قطر، إسرائيل، وتعاون الاردن، في الدعم المفتوح "للجماعات الجهادية".

وقد حاول الكاتب تجنب مزالق التعميم والأحكام المسبقة، والعمل على إزالة الغموض عن انفلاش هذه الظاهرة العجيبة التي تستحق عناء البحث.

وكما تقصد عبود أن تكون الوثائق والشهادات على الدعم الأميركي لداعش وأخواتها، مبنية على العمل البحثي العلمي، فحرص على أن يكون ذلك مترافقاً مع المراجع والمواقع الإلكترونية والصحف والفيديوهات وروابطها.