"الحب والخبز".. قصص من النكبة

عاشت المؤلفة جانباً من فصول المأساة حينما أطبق ليل الفاجعة على الشعب العربي الفلسطيني عام 1948 بهول النكبة الطامية وتشرّد المواطن في الجبال والوهاد المجاورة وهو في ذهول أليم.

رواية "الحب والخبز" للدكتورة آسيا عبدالهادي
رواية "الحب والخبز" للدكتورة آسيا عبدالهادي

تقول آسيا عبدالهادي كاتبة رواية "الحب والخبز" إن الكثيرين وبخاصة من أبناء أُمتنا العربية يتساءلون أين كان الفلسطنيون بعد نكبة 1948؟ وكيف عاشوا؟ وماذا فعلوا؟ ويعتقد معظم الناس أن المقاومة الفلسطينية اندثرت في الفترة اللاحقة لعام النكبة. والحقيقة أنها لم تندثر وإن في هذا الاعتقاد ظلماً فالمقاومة الفلسطينية استمرت بشكل او بآخر وكلها لوحقت وأجهضت وتم وأدها بطرق شتى وقدم الفلسطينيون أعداداً من الشهداء مضوا في صمت ولسنوات عديدة بعد النكبة. وحتى لا يضيف البعض صفة الفداء على هؤلاء المناضلين أسموهم بـ"المتسللين" وطعنوا في شرعية جهادهم وصنفوا مجموعات من اللصوص تتسلل الى الأرض المحتلة لتنهب وتسرق مع أن الواقع غير ذلك.

إن أحداث هذه الرواية تشكل جزءاً كبيراً من الواقع الفلسطيني الأليم الذي عاشته معظم الأسر الفلسطينية ما بين عامي 1948- 1967. وفصول الرواية التي يقول في تقديمها الأستاذ عبدالعزيز السيد: "آسيا خولة عبدالهادي قدر لطفولتها أن تنمو وسط الصبار، وأن تطالها أشواكه القاسية، وشاءت المقادير أن تعيش هذه التجربة، وأن تحملها جرحاً ضمن جراح النكبة التي تعيش في فؤادها، وان تختزتها مع سنوات العمر ضمن ما تختزن من معاناة لا يهون معها الهناء الأسري ولا نعيم العيش!".  فالكاتبة مشحونة فصول روايتها بفيض من عذوبة وعذاب، ومن يأس وأمل، وانطفاء ونداء، وليل يعقبه نهار، وانكسار يقترن بالانتصار في حمى الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي ومطامع الصهاينة في الأرض المحتلة وصفحات مشرقة تبعث على الأمل الوليد من نضال وصمود أولئك الصابرين الجبابرة في تحدي عصابات "إسرائيل"، التي تمارس ضد السكان - أفراداً وجماعات - أبشع أنواع الأساليب الحاقدة، والقمع والإرهاب، وتدمير البيوت على رؤوس ساكنيها الآمنين؛ لتوطين "مهاجرين" جدد مستوردين مكان أهل البلاد الشرعيين، تحت سمع وبصر هذا العالم من أدناه إلى أقصاه.

الصيغة الموضوعية التي تمازجت في رواية الأديبة آسيا (خولة) عبد الهادي تفجرت بكم هائل من المشاعر الإنسانية المضغوطة، عبر حكايات وصور دامية، ومعاناة ليس لها مدى إبان الهجرة والتهجير القمعي لأبناء فلسطين، وما أبدى السكان من ضروب المواجهة والتضحية والتحدي، من شيوخ ونساء وأطفال أذهلوا بني صهيون بتمسكهم بأرضهم، ودفاعهم عنها حتى الرمق الأخير وسقوط آلاف الضحايا والجرحى والمفقودين والمشردين بفعل الهجمة الإسرائيلية الاستعمارية الشرسة مما ليس له نظير في التاريخ الحديث.

لقد صدر كثير من الروايات والقصص عن فلسطين وقضيتها ومأساتها وصمود أبنائها، ولكن رواية "الحب والخبز" بما تضمنته من سرد واقعي ومآسٍ حقيقية وخلفية أليمة للأحداث الدامية وأبعادها، جعل هذه الرواية تتميز عن سواها بأنها الأفضل والأعمق والأصدق، في نظري. فقد عاشت المؤلفة جانباً من فصول المأساة حينما أطبق ليل الفاجعة على الشعب العربي الفلسطيني عام 1948 بهول النكبة الطامية وتشرّد المواطن في الجبال والوهاد المجاورة وهو في ذهول أليم. ترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن هول الكارثة أناخ على العقل يعطله وعلى الوجدان يسحقه.. كأنما هو يوم الفزع الأكبر.. ولف ذلك القتام مناحي الوطن العربي الذي لم يستطع أن يكون بمنأى عن الإعصار وإن حاول البعض مكابرة أن يتظاهروا بذلك. بيد أن الشعب العربي الفلسطيني وما فيه من عنفوان الحياة لا يستكين لقهر، ولا يذل لجبروت وغدر ما لبث أن تململ من الكهوف والمغاور والخيام يلملم جراحه، ويعض على الألم ويمسح عليها بؤر الأمل المختزن في أعماق الروح. فلم تمضِ شهور إلا وكان الليل الفلسطيني الحزين عباءة تنطلق تحت مظلتها مجموعات متناثرة من هنا وهناك صوب الغرب تحاول بحرارة الروح وبقايا العزيمة أن تثأر من العدو المحتل قبل أن تحكم السلطات من الجانبين السيطرة على خطوط الضياع التي رسمتها الجريمة وأكدتها اتفاقات الهدنة.

حتى هذه الخطوط بعد أن زرعت الأسلاك الشائكة والألغام من حولها وفي جسد فلسطين لم تحل تماماً بين المواطن والوطن. لعشرات الشهور ظل الأرق المحفوف بالرعب يستولي خلالها على الغاصب الصهيوني. فقد صوّرت الرواية صورة جمالية رائعة للواقع الفلسطيني المرير.