الذكرى السنوية للفريق الشاذلي: العقل المدبّر لحرب أكتوبر

يتناول الكتاب سيرة الفريق سعد الدين الشاذلي بطل حرب أكتوبر 1973 ضد الاحتلال الإسرائيلي.

الذكرى السنوية للفريق الشاذلي: العقل المدبّر لحرب أكتوبر
الذكرى السنوية للفريق الشاذلي: العقل المدبّر لحرب أكتوبر

يذكر الكاتب المصري مصطفى عبيد في كتابه "الفريق الشاذلي: العسكري الأبيض" الصادر عن دار "الرواق للنشر والتوزيع" في القاهرة، أن السادات أبعد "العقل المدبر لحرب أكتوبر، بفعل الدسائس وحقد المنافسين. ففي 12 كانون الأول/ ديسمبر 1973، وقبل مرور تسعة أشهر على الحرب، قرر إعفاء الشاذلي من منصبه كقائد أركان حرب وتعيينه سفيرأ لمصر في لندن، بسبب خلاف في وجهات النظر حول كيفية التعامل مع ثغرة الدفرسوار".

وتذكر زوجة الشاذلي بأنها صُدمت "عندما وجدت جميع القادة العسكريين ملتفيّن حول السادات ليعلنوا للناس على التلفزيون، كيف فازوا في حرب أكتوبر، وتجاهل السادات دور زوجي، الذى كان وقتها جالساً فى البيت بعد الخلاف الذى وقع بينهما وخروجه من الخدمة".

وتذكر أيضاً: "يومها عزمتني جيهان السادات فى القصر على حفلة شاي، علشان ماشوفش الحفلة دي فى التلفزيون، فقد كانت سياسية لدرجة كبيرة". وتؤكد السيدة الشاذلي: "أن السادات ما اشتغلش فى الجيش، كان نقيباً، وكان فى سلاح الإشارة، ولم يدرس فى كلية أركان الحرب، وأخذته عظمة العبور، وهنا يجب أن يكون درساً للأجيال بألا يتدخل القرار السياسى فى القرار العسكري".

ويستانف عبيد: "الفريق الشاذلي بصفته قائداً لأركان القوات المسلحة المصرية، كان يترأس (الرئيس المصري الأسبق) محمد حسني مبارك الذي كان برتبة "لواء" خلال حرب أكتوبر".

وعندما أصبح مبارك رئيساً لمصر تعمّد تزوير التاريخ،"ليبالغ في مجده الشخصي، بزعم دوره المحوري في الضربة الجوية في نصر أكتوبر، رغم محدودية دورها بشهادة العسكريين والمؤرخين، حتى ظن كثير من أبناء جيل مبارك أنه كان قائداً عاماً للمعركة. فقد كانت الأوركسترا الإعلامية لمبارك تحجب أي حديث عن دورٍ اَخر غيره، ومارست تجاهلاً متعمّداً تجاه باقي قادة القوات المسلحة"، بحسب ما جاء في الكتاب.

وقد حذف مبارك الشاذلي من  كل صور الحرب التي أخذت له مع القادة والرئيس السادات، ففي صورة "اللقطة المشهورة" التي فيها السادات والجمسي أمام الخريطة وفي غرفة العمليات، حذف مبارك صورة الشاذلي، ووضع صورته بدلاً منها، التي يرتدي فيها البذلة العسكرية وعليها رتبة فريق، رغم أن مبارك في وقت حرب اكتوبر  - تشرين الأول 1973  كان كما ذكرنا برتبة لواء.

وعندما زار الشاذلي بانوراما حرب أكتوبر فوجئ بأن صورته غير موجودة في بانورما حرب أكتوبر، فأيقن أن صنّاع الدعاية "المباركية" هم من فعل ذلك.

وأسوأ من ذلك أن الرئيس مبارك تجرأ وحاكم – ولأول مرة في تاريخ الحروب – بطل الحرب ومفتاح النصر، ولفقّ للفريق الشاذلي أخطر اتهام يمس الوطنية، وهو الإتهام بالخيانة وإفشاء أسرار عسكرية.

وتمت محاكمة الرجل غيابياً، وصدر حكم بسجنه وهو في المنفى الإختياري، وعندما عاد إلى حضن الوطن قُبض عليه في المطار، وأودع السجن حتى أنصفه القضاء المصري.

ورغم أن خبر رحيل الفريق الشاذلي نشر في الصحف بشكلٍ هامشي، كما يقول صديقه الروائي جمال الغيطاني، إلا أن تزامن ذكرى رحيل سعد الدين الشاذلي في 10 فبراير / شباط 2011 في الليلة التي تم  فيها إرغام الرئيس المصري مبارك عن التخلي عن السلطة، بعد ثلاثة عقود من الفساد والطغيان، يستحق التأمل واستخلاص العبر.

يقول المؤلف عبيد: "أبت إرادة الله أن يُنكر الفضل، وتُسرق البطولات، ويُزيف الوعي، فقُيدت عشرات الأقلام لترد الإعتبار للبطل الحقيقي، الذي خطط ودرس وتوقع ودرب وعبأ جنوده وتحمل المسئولية كاملة، وساهم فى تحقيق نصر عسكري مازال يُدَرَّس فى كبرى المراكز البحثية والجامعات العسكرية إلى اليوم. كنت محظوظاً أننى اقتربت من حياته وفكره وأسرته ومعاركه. وصدق قوله تعالى: "ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين".

وشاء الله أن يعطي أجره العظيم للفريق الشاذلي على صبره الجميل، وأن "يرد له الاعتبار، كما تقول عائلته. ففي يوم وفاة الشاذلي، صلى عليه ثلاثة ملايين نسمة، بينما أخرج مبارك  من قصره بطريقة مهينة.

وتقول إبنته شهدان: "وصلنا آلاف التلغرافات من القوات المسلحة، وتلغرافات من شخصيات من الشعب عادية لم يلتقِ بهم الفريق من قبل. وأغرب تلغراف وصلني يوم 13 شباط/ فبراير 2011 مكتوب فيه (آسف لعدم حضور العزاء لأنني خارج القاهرة) والتوقيع محمد السيد حسني مبارك".

أعاد الرئيس المصري عبد الفتّاح السيسي له اعتباره فكرّم عائلته، ثم خرّج دفعة من الكلية الحربية وشارعاً ومدرجاً جامعياً باسم الفريق الشاذلي، وكأنها رسالة إلهية بأن الله رد لسعد حقه". بعدما كان السادات كرّم قادة الحرب بمنحهم أوسمة ونياشين، وتناسى الشاذلي، وبعد أن منح مبارك أوسمة ونياشين لفريق كرة القدم بعد فوزه ببطولة أفريقيا.

ربما تمّت معاقبة الشاذلي لانه يعشق الرئيس جمال عبد الناصر، فيروي مصطفى عبيد: أن الشاذلي كان مفتوناً بشخصية ناصر ويدافع باستماتة عن جميع أفعاله، أحياناً عبر مبررات تبدو واهية، وقد اعتذر عام 1953 عن عرض عبد الناصر الانضمام إلى جهاز المخابرات بعد إعادة تنظيمه، مفضلاً الاستمرار في الخدمة العسكرية، وحينما عاد من الولايات المتحدة كلفّه عبدالناصر بإنشاء أول فرقة مظلات في مصر أثناء العدوان الثلاثي على مصر.

ومن المفارقات التي يتميز بها الشاذلي – حسب قول صاحب الكتاب عبيد - أنه في حرب 1967 وقد كان برتبة لواء، يقود وحدة عسكرية تضم 1500 عسكري، وبعد تدهور الأمور وقصف العديد من المواقع العسكرية المصرية، ودخول الطائرات الإسرائيلية التي كانت تجوب الأجواء المصرية، قرر بخبرته العسكرية السير في الاتجاه المضاد والتوغل داخل الحدود الإسرائيلية نحو 20 كيلو متراًَ، وعسكر هناك بجانب بئر مياه ، وعلم هنالك بدخول قوات العدو رفح، وعدم تمكنهم من ضربه لأنه كان بين جبلين، وبعدها وصله أمر بالإنسحاب، وبينما كان ينفذ تعرضت قواته لقصف كثيف فخسر 20% منهم ، وقد كانت مهمته منع عبور قوات "إسرائيل" إلى غرب قناة السويس.

ويرى عبيد: "أن أخطر ما قدّمه الشاذلي في مذكراته تأكيده على أنه لم تكن هناك خطة هجوم حتى عام 1971، بخلاف ما ذكره محمد فوزي وزير الحربية خلال الفترة 1968 إلى 1971، فقد وضع الشاذلي بعد توليه رئاسة الأركان خطة أطلق عليها "المآذن العالية"، كأول خطة هجومية، وكان تنفيذها يتطلب موافقة الاتحاد السوفياتي على توفير السلاح اللازم بأسرع وقت. وذكر الشاذلي أن خطته تطورت حتى وصلت إلى الشكل النهائي الذي جرى في حرب أكتوبر 1973 وأطلق عليها اسم خطة "بدر".

ويشبه الروائي المصري يوسف القعيد الذي كان أحد مجندي الجيش المصري عندما كان الفريق سعد الدين الشاذلي رئيساً لأركان حرب الجيش المصري، الدور الذي قام به الأخير مع وزير الحربية الأسبق الفريق أول محمد فوزي، بما قامت به إيزيس في التاريخ المصري القديم. عندما جمعت اشلاء أوزوريس من كل زاوية في بر مصر لكي تنفخ فيها روح الحياة.

ويصف القعيد أهمية الكتيبات التي أشرف الشاذلي على إعدادها، والتي تبث الصمود في الجنود وترغبهم في الشهادة وتؤكد على عقيدتهم الدينية بقوله: بأنها "كانت مكتوبة بلغة مشبعة بالعاطفة وحب الوطن وأنسنة عملية الدفاع عنه".

إن هذا الكتاب، كما يقول مؤلفه عبيد: "محاولة متواضعة من كاتب لا يمتلك التميّز، إنما يمتلك الرغبة لإعادة اكتشاف الشاذلي المحلل البارع في السياسة والعسكرية".

ترك الفريق الشاذلي أربعة كتب: "مذكرات حرب أكتوبر"، "أربع سنوات في السلك الدبلوماسي"، "الخيار العسكري العربي"، و"الحرب الصليبية الثامنة".