كاتب يهودي: الصهيونية عصابة تبحث عن المال وتشكّل خطراً على اليهود

يبدأ كتاب "أزهار الجليل" لإسرائيل شامير، الصادر عن دار كنعان في دمشق، بتعريف شخصية المؤلف وهو يهودي من أصل روسي، والذي سبق وخدم في جيش العدو، بأنه "من أصحاب الأصوات الشجاعة القليلة التي ظهرت في المجتمع الإسرائيلي، وتصدت للصهيونية التي كرست ثقافة عنصرية في المجتمع الإسرائيلي انتهت بها إلى رفض الآخر الفلسطيني بخاصة والتنكر لحقوقه وممارسة شتى أنواع القمع والمجازر، الأمر الذي يفتح على سؤال يطال مصداقية ما يشاع عن ديمقراطية "إسرائيل" بظل مجتمع تشبع بروح العنصرية ليدفع بأعتى رموزها لسدة السلطة بداية من بن غوريون ومروراً بشامير ونتنياهو وشارون وانتهاءاً بأولمرت".

يسأل "إسرائيل شامير" في كتابه: كيف رفض الكثيرون ومنهم بعض اليهود حرب فييتنام، واستنكروا جرائم الصرب في البوسنة والهرسك وروسيا في الشيشان في حين يُعجبون الآن حين يرون الجيش اليهودي يقوم بقتل المدنيين وهدم البيوت ومحاصرة القرى الفلسطينية؟ ويتساءل: هل تظاهر المثقفون الإسرائيليون بأعداد ضخمة في الساحات العامة التي تماثل بنسلفانيا أفنيو، أو ساحة الطرف الأغر في الصين، وهل رفع اليهود الأميركيون أصواتهم ضد اليهود الذين يقتلون الفلسطينيين بالسلاح الأميركي؟ وهل احتج اليهود الروس على خرق حقوق الإنسان مستعبدين في الأرض المقدسة؟
ويجيب الكاتب نفسه: كلا لم يحدث بل إن أدباءنا يعظمون شجاعة اليهود
وتوضح المقدمة أن إسرائيل شامير ذهب إلى أبعد من ذلك بقوله: "إن عنصريتنا ليست أقل انتشاراً وأذى من عنصرية الألمان، لقد كنا ضد العنصرية عندما كان الآخرون يمارسونها، وكنا ضد القتل والقوات الخاصة عندما كانت تقوم بأعمال ضدنا.. أما فرق القتل العائدة لنا، ووحدات القوات الخاصة اليهودية فهي موضع إعجابنا. ويضيف: إن الدولة اليهودية هي المكان الوحيد في العالم الذي فيه وحدات قتل قانونية، تتميز بسياسة الاغتيالات، وتمارس التعذيب بمستوى ما كان يحدث في العصور الوسطى الأوروبية".
وإسرائيل شامير قبل كل هذا ينطلق من ضرورة وشرعية الاعتراف بالآخر، والاعتراف بكافة حقوقه، وعلى رأسها حق العودة وهو ينضم بذلك إلى أصوات غير مرحب بها في الدولة العبرية، مثل نعوم تشومسكي ونورمان فنكلستاين وغيره..

يقول مقدم الكتاب الدكتور "مايكل نيومن" المحاضر في جامعة ترنت الكندية: ما يجعل مقالات شامير فريدة في قيمتها، هو علاقته بالأدب والتاريخ والجغرافيا، وهذه تزيد من إلهام قراء مقالاته التي قد لا تقتنع ببعضها.

 أولاً: لا يصنّف الناس حسب جنسياتهم فلسطيني، نرويجي،  بل هو معني بوجهات نظرهم.

ثانياً: يرى شامير جمال الأرض الفلسطينية، ويعشقها بعمق. ولا أحد يصف أرضها وتاريخها كما يفعل. نرى القاومة الفلسطينية العنيدة والمريرة من خلال عينيه، فنستطيع فهمها.

ثالثاً: يتحدث عن مشاعره، لكنه يعطي أدوات تفهم ما يشعر به إزاء التاريخ.

رابعاً: يكتشف ذهنه التنوير من خلال التطور الثاريخي والثقافي. كُتّاب الماضي ومفكروه هم أناس واقعيون بالنسبة له، مثل الناس الذين يلتقي بهم في رحلاته، لهذا يستطيع رؤية العالم من خلال أعينهم: مثلاً شامير وحده يستطيع التحدث عن "روب روي الفلسطيني" نسبة إلى رواية "روب روي" للبريطاني والتر سكوت التي تتحدث عن "روب روي ماكغريغور" التي تمثل شخصيته وأفعاله هي المفتاح لتطور الرواية، على الرغم من أنه ليس الشخصية الرئيسية. فيمتدح شامير شجاعة القنّاص الفلسطيني.

أخيراً، لا يكتفي شامير بالإدانة الأخلاقية. فهو حريص على فهم المجرم مثل فهمه للجريمة: يرتبط شارون وشعبه بالأرض – أي الفلسطينية - بشكل منحرف لأنهم يتخيلون أن من الممكن حب فلسطين من دون فلسطينيين. لكن فلسطين ليست جسداً ميتاً، بل هي بلد حي، والفلسطينيون روحها".

يقدّم شامير "الأدب والتاريخ وحتى الاقتصاد، كل حسب أسلوبه، شكلاً للروح الإنسانية، وبالتالي مفتاحاً لفهم واقعي لمغامرات المخلوقات البشرية. فلا يكتب لمجده الخاص، بل ليدعم حوافزنا".

يصف شامير النخبة الصهيونية بأنها عصابة تبحث عن المال وتشكل خطراً على بقية اليهود، كما هي خطر على غير اليهود.

يذكر المؤلف أن كتابه عبارة عن مقالات نشرت إبّان الانتفاضة الثانية، ولا تقتصر على الأحداث في فلسطين. إنها محاولة جريئة لربط العديد من الخيوط السياسية، اللاهوتية، العسكرية والاجتماعية، وتشكيل مفاهيم جديدة تقدم للناس أدوات جديدة للتحليل والتحرك. وإذ نسعى لتحرير فلسطين، فإن المؤلف يسعى لأهداف أوسع: تحرير الخطاب العام.

تحاول مقالات شامير إثبات الترابط الوثيق بين حركتي التحرر هاتين: يمكن تحرير فلسطين من خلال انتصار التنوع العالمي ومن خلال انتصار الروح بديمقراطية في الخطاب العام.

سوف نرى في المقالات أن فلسطين نموذجاً للعالم. ثمة قوى تعمل هنا لإفناء السكان الأصليين وتدمير الكنائس والجوامع، لتدمير الطبيعة فيها. لكن ثمة قوى مضادة مكونة من قوى مادية فضلاً عن القوى الروحية، جديدة وقديمة، وهي تجتذب أفضل الرجال والنساء إلى بوتقة المعركة من أجل فلسطين.

يندفع شامير المؤلف للقول: "كما أن المقالات – في هذا الكتاب - قصة حب، أنا عاشق للأرض المقدسة، لجداولها الرفيعة وأشجار زيتونها وشعبها، من فلسطنيين ومن تبنوا فلسطين". ويشبه شامير من يحب بلداً ويكره شعبه، كمن يحب إمراءة جميلة ويكره طبعها. إننا عندما نحب بلداً ونتمنى إبعاد أهله نمارس نوعاً من عشق الأجساد الميتة.

لقد انهارت فكرة الدولة اليهودية المنفصلة، خلال السنوات العشر الماضية. وضمن السياسات المجنونة للحكومة الإسرائيلية تم إستيراد مايزيد عن مليون عامل روماني وروسي وأوكراني وتايلندي وأفريقي. يزعم بعضهم أنهم من أصل يهودي.

ويستطرد شامير بقوله "المفارقة أن من ظل مخلصاً للتقاليد اليهودية هو معزول في الدولة اليهودية، كما حصل مع الأستاذ الراحل يشاياهو ليبوفيتش، أو سجين مثل الرابي المغربي اَرييه درعي".

يؤكد شامير "يجب أن ننهي هذا الوهم. اصطدمت أسطورة جمع اليهود بالواقع. لندع لأولاد فلسطين وبناتها أن يعودوا لإعادة بناء "صوبّا" أي المدفئة، وكانون - أي مشوى الفحم - يافا وعكا.