"الصبية والسيجارة": كيف تتعثر المصائر بأصغر حصى

تتمثل أهمية هذا الحدث ليس فقط في مدى فظاعة ربط الترفيه بالقتل، بل في التنبؤ الذي يطرحه فيما يخص الأحداث الحالية في سوريا

رواية "الصبية والسيجارة" للكاتب الفرنسي بونوا ديتيرتر
رواية "الصبية والسيجارة" للكاتب الفرنسي بونوا ديتيرتر

هل بوسع الأدب أن يكون عرّافاً؟ وهل يحقّ له قلب المفاهيم الأكثر رسوخاً كما لو أنه يعيد خلق العالم المألوف؟ "الصبية والسيجارة" بتوقيع بونوا ديتيرتر من أدب الديستوبيا، تحاول الإجابة عن هذين السؤالين على طريقتها. تنقسم الرواية إلى عشرة فصول تتناوب تمريرَ خطين دراميين يمتزجان حيناً، ويفترقان أحياناً، وفق طريقة سرد ذكية وممتعة.

 

الفصل الأول: السيجارة الأخيرة

تبدأ الرواية بشكل مباغت إلى حدّ ما، كما لو أنها تبدأ من منتصفها. يقول الكاتب في السطر الأول: "يبدو كلٌّ من النَّصين غير قابلٍ للنقاش"، كما لو أنه يفترض معرفتنا بما يتحدث عنه، مستخدماً "ال التعريف" لكلمة ليست فقط غير معرّفة لنا، بل ومبهمة أيضاً. تُستخدم هذه الطريقة غالباً في الأدب لتحفيز عنصر التشويق لدى القارئ، ولتتخلّص من الكليشيهات والمطمطات التوصيفية الزائدة.

أيضاً، ومن دون المزيد من التأخير، تتضح لنا المشكلة الأولية التي تطرحها الرواية عبر شخصيتين متعاكستين: السيد كوام لاوو شنغ، مدير السجن (فيتنامي، صغير الحجم، حاصل على شهادة في القانون)، والسيد ديزيري جونسون (فتىً أسود، طويل، هادئ، بجدائل على طريقة الراستا، متهم محكوم عليه بالموت). يمثّل الرجلان ليس فقط طرفي نقيض فيما يخص مفهوم العدالة العام، بل طرفي حبل يُشَدّ بانحياز كل منهما إلى "نصّ" قانوني يحاول تطبيقه. يريد المحكوم بالموت استغلال أمنيته الأخيرة لصالح سيجارة أخيرة، ويتخبط مدير السجن في لجّة قانون صارم يمنع التدخين.

الكثير من المعلومات في صفحات أولى يشي برواية ستتبع التكثيف، لكنه تكثيف سرعان ما يتفرفد مع صفحات مديدة وطويلة تناقش رغبة محكوم بالإعدام بسيجارة. "أريد أن أدخن سيجارتي"، تتكرر العبارة مراراً كما لو أنها لا تنتمي إلى رجل سوف يموت بعد ربع ساعة.
تظهر أيضاً مبكراً في الرواية قضية العنصرية، أولاً عبر اتهام ديزيري بالقتل من دون دلائل، فقط لأنه زنجي، وثانياً عبر شخصية الشرطي المقتول المعروف بعنصريته وإساءته للزنوج.
تظهر في هذا الفصل شخصية مركزية ثالثة هي المحامية مارين باتاكي(34 عاماً، قيمتها في سوق المحاماة تعادل الصفر تقريباً) وهي ترى في "السيجارة الأخيرة" فرصة جيدة للمماطلة وقلب  مجرى المحاكمة وهو ما يحدث فعلاً.

"المحكوم عليه هو دائماً محكوم عليه"، يصرّح محامي الادعاء بهذه العبارة، لكن الرواية ما تلبث أن تنقلب عليها كما سنقرأ.


الفصل الثاني: عالم يغزوه الصغار

كما في الفصل الأول، يبدأ الفصل الثاني مباغتاً، منتقلاً لخضم أحداث جديدة كليّاً. ننتقل من قاعة المحكمة إلى حافلة، ومن راوٍ يحكي لنا بصيغة الغائب عن مجريات محاكمة، إلى متكلّم يحدثنا عن نفسه؛ عن حافلة يركبها، وشوارع وأحداث يمرّ بها.
الرواية التي باغتتنا أولاً بسيجارة تغيّر مجرى الأحداث، تعود لتفاجئنا ببناء عالم له سمات خاصة ومقلوبة. في هذا العالم، يحتلّ الأطفال كل الأماكن في حافلة، ليتركوا البالغين والعجائز واقفين. في المقابل، يتقبّل الكبار هذا كما لو أنه الشيء الطبيعي، بل ويرون فيه "صورة مؤثرة لتجدد النوع وبقاء الإنسانية ومستقبل العالم". عكس الجميع، يقف المتحدث/ الراوي المجهول في الضفة المقابلة، كارهاً للأطفال إلى حدّ سيؤثر على مجرى حياته وأحداث الرواية بالتوازي.
ورغم أننا لا نزال لا نعرف محدّثنا إلا أننا نبدأ بالتعرّف على عالمه أكثر. تظهر لنا شخصية حبيبته "لطيفة" التي تريد طفلاً من "كاره الأطفال" هذا، وعمدة مدينته صاحب كومة الشعارات المنافقة.

لتطبيق واحد من هذه الشعارات "التعايش السعيد"، تتحول نصف مكاتب الحي الإداري إلى دور حضانة، في مقابل تخفيض عدد الموظفين الراشدين. هكذا تتضح أكثر فأكثر ملامح هذا العالم العجائبي الذي "يقوده الصغار" ويحتلّونه، بينما يُعاقب كلّ من يزعجهم. إزاء هذا "الاحتلال"، تنقسم ردود الأفعال ثلاثاً: الخانعون المطبطبون مع قطع الفراولة للأطفال، اللامبالون، والأقلّية التي تمقت هذا "المدّ المتعنت للموجة الطفولية"، والراوي على رأسهم.

في هذا البلد "الأطفال هم الذين يمثلون القانون"، يقول لنا الرواي ليمرّر بهذا، بالإضافة إلى المعنى المباشر، معنىً ضمنياً رمزياً لبلدانٍ كثيرة يحكمها "الصغار".

تتوضح لنا أكثر شخصية هذا الراوي الأربعينيّ الذي لن نعرف اسمه قط. إنه، مع حبيبته، شخص يريد أن يعيش وفق الفلسفة الأبيقورية، "الحياة من أجل المتعة"، مع الكثير من الحب والقراءة والمتع البسيطة، ومن دون الكثير من الطموح. لكن مجرى الرواية ما يلبث أن يوضّح أنه حتى هذه البساطة ليست بالمتناول.

 

الفصل الثالث: أبعاد السيجارة الأخيرة

يعود هذا الفصل إلى مشهد المحكمة، كما لو أنه يكمّل الفصل الأول، متجاهلاً القطع السردي.
وفي محاولتها لقلب المفاهيم، تقرن هذه الرواية التدخين بالحياة، ومنعه بالجرائم وتقييد الحريات. ففي مدينة تبالغ بمنع التدخين حتى في المنازل، تنقذ سيجارة محكوماً بالموت وتتحول إلى قضية رأي عام. كذلك تقرّر شركات التدخين الاستفادة من قضية جونسون لإعادة الترويج للدخان المزداد منعه، وتدافع عن "الحق بالسيجارة الأخيرة بوصفها صلة رمزية بهذه الأرض".
نلاحظ أن الكاتب يشدّد على ذكر السيجارة بصيغة المفرد توافقاً مع عنوان الرواية وللتأكيد على أهمية ما قد تفعله "سيجارة واحدة" كما سيكشف مجرى الرواية.
في إصراره على سيجارته الأخيرة ومواصفاتها، يتبدى السجين أكثر فأكثر منفصلاً عن واقعه وعن حقيقة موته الوشيك. وبطريقة ما، تمثّل السيجارة صلته بالحياة أو بديله عنها، أو الشيء الوحيد الذي يعتقد أنه قادر على انتزاعه من محاكمة غير عادلة جعلته قاتلاً بسبب لونه.  
بعد نقاش قضائي ومماحكات طويلة، يُسمح لجونسون بالسيجارة الأخيرة على أن تكون في فضاء مخصص للتدخين يُصمَّم لهذه الغاية قبل إعدامه بحقنة مميتة.

 

الفصل الرابع: الصبية والأبيقوري

يعود هذا الفصل إلى استخدام ضمير المتكلم التابع لشخص مجهول نتابع سَير حياته، ويتحدث لنا عن مراهقته ورغبته حينها بالدخول في عالم الكبار "ليدخن سيجارته الأولى". في المقابل، يُجبر المجتمع محدثنا أن يمشي عكس اتجاه أمنيته الأولى. وبدلاً عن تمنّي الدخول في سن الرشد، يتمنى الآن العودة إلى طفولته بسبب انحياز هذا المجتمع المبالغ به للأطفال. لقد أصبحت الطفولة هاهنا "حلم المجتمع" ورمزاً للنموذج المثالي الذي يتوق إليه الجميع.
ضمن خط سير الرواية عكس المألوف، يطرح الراوي فكرة "الأضرار الناجمة عن حماية البيئة"، كمفاقمة الاكتظاظ والتلوّث والهوس الزائد بالصحة وتقييد الحريات.
يمرّ هنا حدث يبدو بسيطاً لكنه ما يلبث أن يقلب سير حياة هذا الأبيقوري: تضبطه طفلة صغيرة وهو يدخن في أحد المراحيض، ليتحول عداؤه تجاهها وصفعها إلى قضية تحرش. الصبية الصغيرة تحلّ لنا لغز القسم الآخر من عنوان الرواية؛ لدينا الآن بالمحصلة سيجارة وصبية سيقلبان مسيرة حياتين.

في آخر هذا الفصل، يمسك صديقنا هذا جريدة وفي صفحتها الأولى يقرأ ما يربطه ببطل الرواية الآخر: "تسمح المحكمة العليا لديزيري جونسون أن يدخّن سيجارته الأخيرة قبل تنفيذ الإعدام".

 

الفصل الخامس: رهاب الطفولة

فيما يحاول العمدة صاحب فكرة "التعايش السعيد" أن يبدو شخصاً متحرراً من التحيّزات، تُظهره مبالغته منافقاً ممالئاً؛ لقد تزوج امرأة سوداء، تبنى أطفالاً من الجنس الأصفر، خاض مسيرة يسارية ثم اتحد مع رجال الأعمال في مجال الترفيه.
نتابع في هذا الفصل أيضاً تداعي حياة الشخص الكاره للأطفال الذي يجد نفسه الآن متهماً بقضية تحرش، بالتدخين، وبإيذاء سيدة رمى على رأسها عقب سيجارته. لكن، وبالرغم من أن هذا الانقلاب هو حدث هائل في حياة شخص يريد فقط العيش بسلام، نجده مستلبَاً من رغبة مازوشية بالتعرّض للعقاب والتوبيخ، وصاحب "ميل شاذ إلى خرق القانون". تظهر غرائبية هذه الشخصية أكثر أثناء التحقيق معه، فهو ليس فقط بعيد عن أن يكون متحرّشاً بالأطفال، بل ويكرههم بشكل مبالغ به. تظهر عبارات مثل "يسببون لي القشعريرة، يداهمونني، أفرّ منهم" وغيرها مما يشي بأن ما يعانيه ليس "البيدوفيليا" كما يُتهم، بل "البيدوفوبيا" أي رهاب الطفولة كما يُصرّح هو نفسه.

يُختتم الفصل بمشهد من حانة، يتشارك فيه محدثنا أهالي البلاد إدارة رؤوسهم نحو التلفاز متابعين ربيورتاجاً حول قضية "السيجارة الأخيرة".


الفصل السادس: تحيا الحياة

في نقلة سردية ممتعة، ينقل لنا الكاتب عبر ريبورتاج تلفزيوني وقائع حصول جونسون على سيجارته بعد أن قسّمت قضيته الآراء. بين منع التدخين وحق السجين بأمنية أخيرة، يتم التوصل إلى حلّ قضائي بتهيئة فضاء ملائم للتدخين على بعد كيلومتر من السجن في الهواء الطلق. ويبدي الكاتب الكثير من المسرحة لوصف هذا الحدث كما لو أنه حدث جلل، ليتضح لاحقاً أن هذا ملائم فعلاً للمنعطف الذي سيسببّه. يتقدم السجين كما لو كان بطلاً أسطورياً، رافعاً يده في إشارة نصر، مع شعور غامض بالرضى. يقطف باقة من الأزهار، يرسم بها حروفاً تشكّل رسالته الأخيرة للعالم: "تحيا الحياة". تقلّب هذه الكلمات الذهنية التي يُنظر بها إلى قاتل، ففكرة مثل هذه "لا تخرج من دماغ مجرم". يدخن جونسون سيجارته بهدوء ولا مبالاة كما لو أنه لم ينتهِ لتوه من توجيه رسالة للجماهير وللحياة التي ظنّ أنه مغادرها. يتصل الرئيس ويمنح عفواً للمحكوم عليه.

 

الفصل السابع: الحرّ سجيناً والسجين حرّاً

يحاول الكاتب ربط خطي سير الرواية بين الحين والآخر، بخيوط قليلة إنما مهمة لكي لا يكون الجزآن منفصلين ومتحايدين. على سبيل المثال، تقترح لطيفة استخدام مارين محامية ديزيري جونسون لتبرئة صديقها من تهمة التحرّش، لتدخل بهذا شخصية من الجزء الأول إلى الجزء الثاني. كذلك تربط السيجارة بين الشخصيتين في تناظر مقلوب: شخصية أنقذتها سيجارة، شخصية ورطتها سيجارة.

نشهد أيضاً تحوّلاً كبيراً في شخصية ديزيري. الشخصية التي عرفناها محكومة مضطهدة وتعاني العنصرية، تأخذ الآن شكل شخصية مجتمعية مرموقة تتصدر الصحف، صديقاً للحياة والطفولة والأزهار.

في المقابل، يدخل الأبيقوري السجن، لينقلب بهذا مجرى الرواية؛ الحرّ سجيناً والسجين حرّاً.

 

الفصل الثامن: الأدب متنبِئاً

إضافة إلى دعمه قضية المدخنين، يتولى ديزيري "بطل الحياة" قضية رهائن أكاديمية الشرطة. يمثل تاريخ 5 أيار – مايو علامة تحول فارقة في عالم الرواية، ففي هذا اليوم تقوم جماعة إرهابية "ضمير جون واين" باحتجاز ست رهائن في منطقة الشرق الأوسط، في الطريق إلى دمشق تحديداً. يبدو الحدث على فظاعته مألوفاً وواقعياً إلى أن تُضاف إليه أبعاد "فنية"، إذا صح التعبير. تريد الجماعة إعادة الهيبة لِــ"فنّ الإرهاب" فتؤسس، تيمناً ببرامج المواهب، ما تسميّه "أكاديمية الشرطة" التي يخوض فيها المختطفون مجموعة اختبارات ثم يصوّت المشاهدون لمن يريدون إنقاذ حياته.

تتمثل أهمية هذا الحدث ليس فقط في مدى فظاعة ربط الترفيه بالقتل، بل في التنبؤ الذي يطرحه فيما يخص الأحداث الحالية في سوريا. يرى النقاد أن "الصبية والسيجارة"، الصادرة بالفرنسية عام 2005، قدمت صورة استباقية لما سيفعله الإرهاب في سوريا بعد عام 2011.
المسابقة على وحشيتها تكشف الكثير فيما يخص الطبيعة البشرية بالعموم، والعربية/الغربية بالخصوص. بداية يُظهر العرب في تصويتهم انحيازهم المعتاد لبني دينهم. وبعد ذلك، يتورط العالم كلّه في اللعبة مظهراً انحيازاته؛ يصوّت العجائز للرهينة الأكبر سنّاً، ينحاز الشباب للشاب الأصغر، ويصوّت الصحافيون لإنقاذ حياة الصحافي المحتجز، وهكذا.  

 

الفصل التاسع: إعادة التصنيف

يتسم بطل الرواية المجهول الاسم بمحاولته إعادة تصنيف الأشياء، ممثلاً رؤية الرواية عكس الاتجاه السائد. على سبيل المثال، وفي تحديده لانحيازه في برنامج أكاديمية الشهداء، يقترح لنا: "الأطفال كائنات غير مكتملة تفكيرها منحصر في الأكل والبكاء والهيمنة، العجائز يشكّل الموت في نظرهم أمراً حميماً، النساء حصلن على ما يجب من مساواة، أما رجل الأربعين أو الخمسين فهو من يستحق المساندة والتعاطف؛ رجل لا يزال مليئاً بالحياة، لكن يصرّ الجميع على تهميشه.
يعطي مشهد المحكمة كذلك صورة روائية "غير واقعية" عن هذا العالم المقلوب: القاضي والمحامي فيه أطفال، والمرافعات مقتبسة عن مسلسل ميكي من عالم ديزني، ليقدّم ديتيرتر في تصويره لهذا المشهد، رؤيته لعالم غريب يحكمه الصغار.

 

الفصل العاشر: مثل دائرة

تدلّل هذه الرواية على أهمية الدعاية والإعلام وما يمكن لهما أن يفعلانه في العالم الاستهلاكي الحديث. تَحوّل ديزيري مع سيجارته إلى بطل إعلامي، وكيف تجذب أكاديمية الشرطة المشاهدين، مثالان واضحان عن ذلك.

تطرح لعبة أكاديمية الشرطة أسئلة خطيرة وغير إنسانية: من يستحق الحياة أكثر؟ هل يحب الجمهور القتل؟ هل العقل البشري ساديّ في زواياه المظلمة؟ لكنها تبقى أسئلة من غير أجوبة حاسمة.

مشهد إعدام الصحافي بذبحه أمام الكاميرا والتلويح برأسه يُرجع إلى الذهن فظاعة مشاهد مشابهة من الحرب السورية، ويطرح غرابة الاستباق الذي تقدمه الرواية.

بعد ذلك، وفي موقف يبدو استسلامياً،  ويخبئ هدفاً خفيّاً، يسلّم المحكوم الجديد نفسه للإرهابيين في مقابل أن يتم تحرير واحد من الأسرى، لتتم عميلة التبادل قرب الحدود السورية. الرجل الذي وجد نفسه متهماً فجأة، محارباً من الجميع، يعتقد أن بوسعه إثبات وجهة نظر أخيرة لا سيما فيما يخص إعادة تصنيف الفئات العمرية. وفي دفاعه عن فئة "الرجل الأربعينيّ العادي الضائع بين جيلين"، يختار المبادلة مع رجل أقرب ما يكون لشبيهه أو مرآته.
ما يحدث أن فشل هذه الشخصية بإثبات ذاتها ومبادئها المغايرة للسائد، يستمر بالفشل حتى النهاية؛ إذ تتم مبادلته بأصغر الرهائن سنّاً، ليَثبت بهذا تغلّب الصغار عليه مرة أخرى.
الرجل الذي عرفناه حتى اللحظة من دون اسم، ربما بسبب قضاياه الخاسرة، يصبح اسمه الآن "الأسير المتطوع"، ويبدأ بخوض اختبارات أكاديمية الشرطة مصمماً على الفوز وانتزاع نجاته بعد فشل مبادلته بمن يريد. رغم ذلك، يستمر الجمهور بالوقوف ضدّه ويفشل بالتحول إلى "ديزيري" إعلامياً. ومع خسارته بالتصويت، يواجه مصير الإعدام.
الرواية التي بدأت بمشهد إعدام، تنتهي بواحد. وبينما تدخلت الظروف والحظ لإلغاء المشهد الأول، تضافرت كل ظروف الرواية لتحقيق الثاني.

في اليوم الذي يفتتح به ديزيري "فضاء تدخين من أجل الحياة" يواجه ذو الأبيقورية المبتورة مصيره. ديزيري الذي ناضل للحصول على "سيجارة أخيرة" يعلن أنها ستظلّ الأخيرة وسيقلع عن التدخين. ويتضح بهذا الانعطاف الأخير أن هذه رواية لا تضمن أية قضيّة حتى النهاية، وتُعرّي عالماً يتقلّب ويمارس لا منطقيته في كل لحظة.

المشهد الأخير مشهد قاسٍ ومروع لرأس مقطوع ذي عينين فزعتين تطلبان الرحمة من قاتل ساديّ؛ قاتل تحوّل مؤخراً في مسيرة العالم الواقعي، إلى الكثير الكثير من القتَلة.