اليوم الأخير لأدولف هتلر

هي السيرة الذاتية لـ"لأدولف هتلر" بشكل مختصر ومكثف، منذ مولده ومراهقته ودخوله الجيش الألماني في الحرب العالمية الأولى، إلى دخوله عالم السياسة، وكيف أصبح الحاكم الأول لألمانيا.

  • اليوم الأخير لأدولف هتلر

يتألف كتاب (اليوم الأخير لأدولف هتلر) للكاتب دافيد سولار من خمسة فصول وخاتمة.

جاءت بداية هتلر نفسه عندما بدأ كطالب رسم فاشل ليكتسب بمنتهى السرعة مهارات الخطابة والدعاية والديماجوجية والسيطرة على الجماهير. وقد صمم على الوصول متأخرًا حتى يتطلَّع الجميع لحضوره، ويبدأ خطبه بصوت خفيض بحيث لا يسمعه سوى جلوس الصف الأول فيتوق جلوس الصفوف الخلفية لسماع كلماته، ثم لا يلبث أن يهز بصوته الجهور جنبات القاعة حتى يكاد يصيب الحاضرين بالصمم. حيث أنه تدرب على يد شخص كان يدعي كذبًا قدرته على استبصار المستقبل، وقد ركز على استخدام اليد والإيماءات التي يمكن القيام بها عن طريق الذراع.

  كان هتلر يحلم أن يصبح مهندسًا معماريًا، وكان عنيداً، متكبِّراً، ضعيف المستوى الدراسي، لا يقبل النصح واللوم. "لديه ذاكرة فولاذية لم يرزق بها بشر من قبل". فاشل في دراسته، لم يكن يهتم سوى بالرسم الذي كان موهوبًا فيه، وفشل في الالتحاق بكلية الهندسة بسبب مستواه الدراسي، وفشل في الالتحاق بكلية الفنون الجميلة بسبب أن قدراته الفنية في الرسم دون المستوى. كان فنانًا في رسم الأماكن ولكنه كان عاجزًا عن رسم الوجوه الإنسانية. كان لا يدخن ولا يشرب الكحول، قليل المأكل، نباتي، لا يطيق الجنس الآخر، انعزالي، قليل الأصدقاء، لا يعرف كيف يستمتع مع زملائه، مارس كل أعمال الأجرة، يقضي وقت فراغه في رفقة الكتب أو رسوماته، ينفق أغلب أمواله على عروض الأوبرا.. كان محاضرًا فريدًا متعصبًا لوطنه، وطابعه المباشر في دحض الحجج يجعل الحاضرين في حالة انتباه عام، سيطرت حنجرته الحماسية على المستمعين وأطلقت عيناه الزرقاوان ألسنة اللهب.

وعلى الرغم من ذلك تسلم هتلر مقاليد الحكم في ألمانيا، التي كانت حينئذٍ مهزومة في الحرب، مدمرة اقتصاديًا، موقعة على معاهدة "فرساي" والتي تنص على تحديد عدد أفراد الجيش، والقدرات العسكرية الألمانية. لكنه بعد ذلك زاد القدرات العسكرية الألمانية، وألغى معاهدة فرساي، وأنشأ المصانع ووصلت البطالة إلى معدلات منخفضة، كما انتعش الاقتصاد الألماني.

   بسّط هتلر أفكار الاشتراكية القومية ورؤاها السياسية والإيديولوجية، حيث وضعها في كتابه "كفاحي"، وفحواها أن الاختلاف بين الأجناس والأفراد أمر فرضته الطبيعة في نظامها الأزلي وأن (العنصر الآري) هو العنصر الوحيد الخلاق في تاريخ البشرية، وأن الشعب هو الوحدة الطبيعية الأساسية للبشرية، والشعب الجرماني هو أعظم الشعوب قاطبة وإنما الماركسية والشيوعية بتأكيدها للعالمية والصراع الطبقي، وخلف الماركسية يكمن العدو الأكبر وهم اليهود الذين يجسّدون الشر على الإطلاق ويريدون تدمير العنصر الآري، لذلك يجب تطهير الرايخ منهم والحفاظ على نقاء الدم الآري.

  عبر سلسلة من الإجراءات التي أزاح بها خصومه من المسرح السياسي ثبت دعائم دكتاتوريته الشخصية المطلقة. حيث أنه عندما احترق الرايخستاغ أعلن حالة الطوارئ وحصل على تفويض بإصدار القوانين من دون الرجوع إلى البرلمان، وبدأ بتطهير جهاز الدولة من الخصوم ومن غير الآريين، وانطلقت حملة ضد الشيوعيين واليهود والأحزاب المعارضة، كما ألغيت النقابات وشكلت جبهة العمل الألمانية وأعقبها أسست منظمة شبيبة هتلر لتربية الشباب وتدريبهم حسب المبادئ النازية الآرية.

  بعد موت هندنبورغ دُمج منصبا مستشار الرايخ ورئيس الرايخ في شخص هتلر، الذي أدى له الجيش قسم الولاء وتحولت ألمانيا إلى دولة الحزب الواحد الذي سيطر على مجالات الحياة كافة بواسطة جهاز الغستابو (الشرطة السرية) ومنظمات الحزب العسكرية. وهكذا أمسك هتلر بزمام الأمور وبكل مفاتيح السلطة المدنية والعسكرية والشعبية التي تركزت في شخص الفورَر (الزعيم). وظل ينادي بالقومية وتوحيد الدولة الجيرمانية، ويؤيِّد العنصرية ويعادي السامية.

   كان هتلى يرى أن اليهودي ليس إنسانًا، بل هو شيطان فائق القدرات الجهنمية، مسئول عن الحداثة التي طالما أزعجته في الموسيقى، والفنون الجميلة، والإباحية، والزنا، والنقد الصحافي للوطنية واستغلال الرأسمالية، وأيضًا كان مسئولًا عن عجز الشعوب عن الارتقاء. فكان اليهود – في نظره - يتنصلون من الحرب ويوفرون مجهودهم لمرحلة النصر. يقول هتلر: "لا يتقبل اليهود أي شيء من الشعب الذي يعيشون بينه سوى اللغة فتجدهم يلجأون لتكوين مجتمعات منغلقة ترفض المجتمع وترفض التخلِّي عن المزايا التي تتمتَّع بها، فهو عرق غريب، يستنزفون ويمصون ثروات الشعوب ويتحولون إلى مصاصي دماء شعوبهم، يدمرون الكبرياء الوطني وقوة الشعوب عن طريق الرأي العام والصحافة، والاشتراكية والديمقراطية ليست سوى وسيلتهم للوصول إلى السلطة وجني المال".

  هرب هتلر من الخدمة العسكرية في بلد مولده "النمسا"، ولكنه تطوَّع للحرب مع الجيش الألماني في الحرب العالمية الأولى التى رأى أنها ستوحِّد الدولة الجيرمانية -شارك بها كجندي مراسلة، جندي يتفوَّق على نفسه في أداء واجبه، يتطوَّع في الكثير من المهام الطارئة، وحصل على العديد من الأوسمة. قامت الحرب العالمية الأولى بسبب صربيا والنمسا، وانتهت بهزيمة ألمانيا وقبولها شروط الهدنة رغمًا عنها مما أدى إلى التضخُّم، والبطالة، والجوع، والفوضى السياسية.

  في نهاية درامية سريعة، وبحلول نهاية عام 1944 كان "الجيش الأحمر" السوفياتي قد أجبر الألمان على التراجع إلى أوروبا الوسطى، وكانت قوات الحلفاء الغربيين تتقدم صوب ألمانيا. وأدرك هتلر أن ألمانيا قد خسرت الحرب، ولكنه لم يسمح بالانسحاب. وتمنى هتلر أن يقوم بالتفاوض المنفرد من أجل السلام مع الأميركيين والبريطانيين؛ وهو الأمل الذي دعمه وفاة فرانكلين دي روزفلت في الثاني عشر من نيسان/ أبريل 1945. وسمح عناد هتلر واستخفافه بأخذ الحقائق العسكرية في الاعتبار باستمرار الهولوكوست. كما أصدر هتلر أوامره بالتدمير الكامل لكل البنية التحتية الصناعية الألمانية قبل أن تقع في أيدي قوات الحلفاء.

  قال هتلر إن فشل ألمانيا في الفوز بالحرب أدى إلى خسارتها لحقها في البقاء. وهكذا، قرر هتلر أن الأمة بأسرها يجب أن تنتهي معه. وعهد هتلر بتنفيذ خطة الأرض المحروقة (تدمير كل ما يمكن أن ينفع العدو قبل الانسحاب من الأرض) إلى وزير التسلّح ألبرت سبير الذي لم يطع أمر قائده. وفي نيسان/ أبريل 1945، هاجمت القوات السوفياتية ضواحي مدينة برلين. ووجد هتلر نفسه في وضع يجبره فيه مطاردوه على الفرار إلى جبال بافاريا ليتمكن من مواجهتهم في جولة أخيرة في المعقل الوطني الذي لجأت إليه الفلول المتبقية من القوات. ولكن هتلر كان مصممًا على أن يعيش في عاصمة بلاده أو يهلك فيها.

  وجد هتلر أن سبيل النجاة الوحيد أمامه يتمثل في تنفيذ خطة جديدة يستعين فيها بقوات الجيش الثاني عشر بقيادة الجنرال فالتر فنك. وكان الخطة تقتضي أن يقوم فنك بتحويل جيشه –الذي كان يواجه القوات الأميركية في الغرب حينها– إلى ناحية الشرق لتحرير برلين. وهكذا، يلتحم الجيش الثاني عشر مع الجيش التاسع لاقتحام المدينة. وقام فنك بالفعل بالهجوم، وفي غمار الفوضى استطاع أن يقوم باتصال مؤقت مع حامية بوتسدام. ولكن، لم ينجح أبداً في الاتصال بالجيش التاسع -كما كان مقررًا في الخطة أصلاً.

   في الثالث والعشرين من نيسان/ أبريل، ألقى جوزيف غوبلز بالبيان التالي أمام سكان برلين: "أدولف هتلر يدعوكم للقتال من أجل مدينتكم. حاربوا بكل ما أوتيتم من قوة، من أجل زوجاتكم وأطفالكم، وأمهاتكم وآبائكم. إن أسلحتكم تدافع عن كل ما هو عزيز عليكم، إنها تدافع عن الأجيال التي ستخلفنا. كونوا أعزاء شجعان! كونوا مبدعين وماكرين!. إن من سيطر على المدينة بمئتي رجل فحسب، سيستخدم اليوم كل وسيلة لتمكين دفاعات المدينة. إن معركة برلين يجب أن تكون إشارة للأمة جمعاء كي تنهض وتقاتل".

وقام الرجل الثاني في حكومة الرايخ الثالث وقائد القوات الجوية هيرمان جورينغ، بإرسال برقية من منطقة بيرتشتيسغادين في بافاريا. وصرّح فيها بأنه بعد أن تم حصار هتلر في برلين، فإنه يطالب بتولي حكم ألمانيا خلفًا لهتلر الذي كان قد اختاره لتولي هذا المنصب خلفًا له من قبل. وذكر جورينغ فترة زمنية معينة يتم بعدها اعتبار هتلر غير مؤهل للبقاء في الحكم. ورد هتلر -في حنق- بإصدار أوامره بالقبض على جورينغ. وعندما كتب وصيته في التاسع والعشرين من نيسان/ أبريل، أعفى جورينغ من كل المناصب التي كان يتقلدها في الحكومة.

  مع انقضاء يوم السابع والعشرين، كانت برلين قد انعزلت تمامًا عن باقي الرايخ. وفي الثامن والعشرين، اكتشف هتلر أن قائد وحدات النخبة النازية هاينريش هيلمر، كان يحاول مناقشة شروط الاستسلام مع الحلفاء (عن طريق الدبلوماسي السويدي كونت فولك بيرنادوت). وأصدر هتلر أوامره بإلقاء القبض على هيلمر، كما أمر بإطلاق النار على نائب هيلمر في برلين هيرمان فيجلاين. وفي مساء الثامن والعشرين، صرح الجنرال فينك بأن جيشه الثاني عشر قد تم إجباره على التراجع على طول جبهة القتال. وأضاف إنه لم يعد من الممكن القيام بأية هجمات أخرى على برلين. ولم يبلغ الجنرال ألفريد يودل (القائد الأعلى للجيش) هذه المعلومات إلى هانز كربس في برلين حتى وقت مبكر من صباح يوم الثلاثين. وفي التاسع والعشرين، كان كل من هانز كربس وفيلهلم برغدورف وجوزيف غوبلز ومارتن بورمان شهوداً على وصية أدولف هتلر الأخيرة ووقعوا عليها.

  لقد أملى هتلر هذه الوثيقة على سكرتيرته الخاصة تراودل يونغ. وفي اليوم نفسه، تم إبلاغ هتلر بأخبار وفاة الإيطالي الفاشي بينيتو موسوليني، العنيفة في الثامن والعشرين من نيسان/ أبريل؛ وهو الأمر الذي زاد من تصميمه أن يتجنب الوقوع في الأسر.

  سُمع دوي إطلاق الرصاص، وُجد هتلر وزوحته إيفا براون جثتين هامدتين، كانت إيفا حافية تجلس على الأريكة وقد وضعت قدميها على هتلر وأسندت رأسها على كتفه. كانت قد قضمت كبسولة سيانيد البوتاسيوم عالي السمية. أما أدولف فقد كان جالسًا على الأريكة، كانت رأسه تستند إلى ظهر الأريكة وفمه معوج وفيه بقايا كبسولة السيانيد وفي جانب رأسه الأيمن كان هناك ثقب أسود تسيل منه الدماء، كانت يده اليسرى موضوعة على قلبه وتمسك بصورة أمه التي احتفظ بها لمدة خمسين عامًا. أما يده اليمنى فقد كانت تتدلى بلا حراك بعد أن سقط منها على الأرض المسدس الذي لا بد وأنه قد استخدمه في الوقت نفسه مع السم.

   عندما بدأت محاكمة وجوه النازية في تشرين الثاني/ نوفمبر 1945، لم يتبقَ من المدينة التاريخية الثرية إلا 110 مبنى سليمًا. فقد هدم قصف الحلفاء جميع مظاهر النازية، وأتى على كل ما اجتمع في تلك البقعة من مبانٍ تاريخية وفنية على مدى قرون تاريخية. لكن هناك مبانٍ ظلت صامدة، مثل قصر العدالة ذي الطوابق الثلاثة، وأروقة شديدة الاتساع، كما سلّم من القصف أيضًا الجزء الغربي منه، الذي على هيئة نصف قطر، ويضم زنزانات حجز المتهمين.

  خارج المبنى الموجود في مدينة براوناو آم إن في النمسا حيث ولد هتلر يوجد نصب تذكاري يحذر من ويلات الحرب العالمية الثانية وخارج مسقط رأس هتلر في مدينة براوناو آم إن، يوجد في النمسا شاهد قبر حجري محفور عليه الرسالة التالية بشكل غير مترابط: من أجل السلام، الحرية والديمقراطية، لا فاشية مجدداً أبداً، ملايين القتلى يذّكرو[نا]. وعلى الرغم من ذلك، يتحدث البعض عن الإرث الذي خلفه هتلر للعالم بطريقة محايدة وإيجابية. فهذا أنور السادات، يتحدث عن "إعجابه" بهتلر في عام 1953 عندما كان شابًا صغيرًا، على الرغم من أنه قد تحدث عنه في إطار تمرده على الإمبراطورية البريطانية. كما أشار إليه لويس فراخان بوصفه "رجلاً عظيماً جدًا". كما أعلن بال ثاكيراي رئيس الجناح الأيمن لحزب حزب شيف سينا الهندوسي في ولاية ماهاراشترا الهندية في عام 1995 أنه كان أحد المعجبين بهتلر. وكتب المؤرخ الألماني فريدريك ماينك، عن هتلر قائلاً: "إنه واحد من أفضل النماذج الفريدة والاستثنائية على قوة الشخصية التي لا يمكن التنبؤ بتصرفاتها أبدًا".

   تحدث عنه ألبرت سبير الذي كان وزيرًا للذخيرة في عهده ومعماريًا -كان يعرف هتلر كما كان الجميع يعرفه- فقال "إنه كان قبل كل شيء آخر ممثلاً بارعًا". وقد تم تصميم الاجتماعات السنوية الحاشدة التي كان ينظمها ألبرت سبير من أجل إطلاق شرارة إقناع الذات في نفوس المشاركين فيها. وكان المشاركون في هذه الاجتماعات السنوية يعززون التزامهم تجاه الحركة النازية عن طريق حضور في الاجتماعات السنوية، والاشتراك في المسيرات، ورفع أصواتهم بالتحية للقائد، وأداء التحية العسكرية بيد ثابتة وقوية.

  في النهاية يبقى أن البعض يعتقد أن اسم هتلر صار رمزًا للدكتاتورية والحكم العنصري الفاشي الدموي، ويرى فيه آخرون أنه مفجر الحرب العالمية الثانية التي جعلت ألمانيا تقف في وجه دول كثيرة في العالم. فيما يعتبره آخرون رمزاً للكفاح.