القطاع العام في الوعي العربي بوصفه "غنيمة" .. ماذا يعلّمنا الجابري؟

لم تتحرر الذهنية العربية من منطوق "الغنيمة" حينما يتعلق الأمر بالتربح من أموال الدولة، سواء مقابل وظيفة أو منحة أو أي طريق من طرق التكسب، وذلك لأن الذهنية إياها تخلط بين حقوق الأفراد في المال العام والقطاع العام.

محمد عابد الجابري
محمد عابد الجابري

لا تفصلنا سوى أيام قليلة عن الذكرى التاسعة لوفاة المفكر المغربي والعربي ذائع الصيت محمد عابد الجابري، وهي سانحة تستدعي استعادة بعض معالم فكره، خصوصاً ما يتصل منها بالكثير من الظواهر والقضايا التي تحفل بها المجتمعات العربية، والتي تتصل بالإشكالات التي انهال عليها المشروع الجابري بحثاً ودرساً، وفي مقدمتها مسألة تكوين العقل العربي وتحديداً منه العقل السياسي. 

لا شك أن الكثير مما جرى ويجري من أحداث كبرى في المسرح السياسي والاجتماعي العربي تؤكد على ملحاحية مساهمات الجابري، خصوصاً وأن المفاهيم التي اشتغل عليها الرجل والمزالق التي حذر منها نشهدها اليوم تترى في مستنقعات التطييف والصراعات المذهبية والعرقية وقفز الهويات الفرعية إلى المقدمة، ما يعني بأن المحددات الثلاث التي شرّحها الجابري في كتابه العقل السياسي العربي ممثلة في "القبيلة" و"الغنيمة" و"العقيدة"، هي الخيوط الناظمة لإيقاع الوجود الاجتماعي العربي برّمته، فضلاً عن كون المشكلة الجوهرية التي تعانيها الدول العربية والاقتصاد العربي وتعوّق التنمية العربية، إنما تكمن في الرواسب الكامنة في الوعي العربي برّمته، والتي تجعل القطاع العام غنيمة كما سيجري تبيانه. 

الكتاب الذي تتدثر أرواقه تحت عنوان "العقل السياسي العربي محدداته وتجلّياته" صدر بداية تسعينيات القرن الماضي، ولا تزالت طبعاته تتوالى بسبب أهميته وغنى وتميّز الأفكار التي يطرحها صاحبه في قالب بحثي وعلمي، ويعرضها عرضاً شيقاً بلغة لا تخلو من براعة وتمكن ودقة. وخلاله يركز الجابري على فكرة أساسية يؤكد عليها مراراً، وتكمن في أن العقل السياسي العربي يتحدد بثلاث محددات تقوم بوظائف تنبثق من طبيعتها، بحيث يعمل محدد "القبيلة" كإطار اجتماعي/بشري/سياسي لذلك العقل، ويعمل في الآن نفسه محدد "الغنيمة" كمحرك اقتصادي له، فيما يوفر له محدد "العقيدة" الحافز الإيديولوجي، وهي محددات لها تجلّيات كثيرة يفرد لها الجابري كتابه.

غير أن هذه القراءة تنطلق من كون محدد "الغنيمة" ذاك هو الأكثر أهمية ومركزية، نظراً لكونه اختزال لنمط الاقتصاد العربي منذ أيام تأسيس النواة المجتمعية السياسية الأولى على عهد النبي الكريم محمد وصولاً إلى اليوم، ومن ناحية ثانية، نظراً لكون الاقتصاد يشكل حافزاً ومحركاً رئيسياً بمنزلة الروح من الجسد للاجتماع البشري برّمته، وضمنه الاجتماع السياسي العربي، إلى الحد الذي يجعله محركاً للإطار المكاني والزماني المتجسد في القبيلة، وفي الوقت نفسه محركاً للأساس الأيديولوجي الذي تمثله العقيدة باعتباره حيزاً "أزلياً".

تشير "الغنيمة" في الاستخدام التحليلي الجابري إلى تلازم الدخل العمومي الذي يأخذ صيغة (خراج أو ريع)، مع الطريقة المتبعة في صرفه، حيث تدخل تحته العطاءات بأنواعها المختلفة، وتلازمهما معاً بذهنية تنفر من العمل والإنتاج ولا تميل إلى التراكم والادخار، وهو ما يمثّل سيل المشاكل التي تظهر في الأزمات المقيمة في نتوءات ومنعرجات وبرك القطاع العام في معظم الدول العربية، حيث الريع ومفرداته ومظاهره وتكلّساته البادية والكامنة.

ويمضي الجابري في تحليله للغنيمة إلى ربطها بالقوة، خصوصاً وأن الدلالات النصية التي تكتسيها في الإسلام تربطها بها، باعتبار ما كسبته الجيوش من الحروب بالقتال فهو غنيمة، وما كسبته من دون قتال واستخدام للقوة فهو "فيء"، وهما معاً لا صلة لهما بأي اتجاه نحو تنمية الجانب الإنتاجي للاقتصاد سواء في حالة البداوة، أو في أطوار "التمدن" التي لحقتا بأشكال وصيغ معيّنة، ما جعل فكرة الكسب من دون إبداع أو ابتكار ترتبط بروح الدولة والاجتماع السياسي العربي وكذلك ببنيانه العقدي. وامتد منطق الغنيمة ليجعل المال العام متشكلاً مما تكسبه الدولة قسراً من الفلاحين في شكل خراج، أو إجبار للمختلف دينياً على دفع الجزية بقتال أو بغيره، وصولاً إلى نمط التوزيع الذي يتم عبره اقتسام الغنائم بإغداق الأموال والمنافع والمنقولات على حواشي السلطة ومريديها ومن تخطب ودهم، وهي مظاهر لا تزال معظم الدول العربية واقتصادياتها لم تتعافَ بعد منها.

وتبعاً لذلك يجادل الجابري حول كون الغنيمة تتلخص في معنى "المُلك بالجُند والجند بالمال"، وهو ما جعل بني أمية يثبتون منطق القبيلة باستعمال "الغنيمة" لتحفيز الموالين وإغراء للمعارضين والثائرين. وهكذا بقيت الغنيمة ناظمة للعلاقة بين القبيلة والعقيدة إلى يومنا هذا، في شكل مظلة تخيّم على الوعي والواقع العربيين، ما يعوق إمكانية تحويلهما نحو الاجتماع السياسي المدني الذي يؤطره الأحزاب والجمعيات والمؤسسات بدل رواسب "القبيلة، ويصير ذلك الوعي مؤسساً على حرية الرأي بدل جثوم محدد "العقيدة" عليه، فيما يحول محدد "الغنيمة" من دون أن يتوفر ذلك الواقع على اقتصاد ذي مداخل ومخارج عقلانية.

غير أنه حينما يتصل الأمر بالمصلحة "العامة" التي هي واحدة من الغايات المنوط بالدولة الحفاظ عليها، فإن هيمنة منطق "الغنيمة" تصبح أكثر بروزاً، ويصير ذلك التمثل هو المالئ للفجوة الحاصلة بين شعور المواطن العربي بانتمائه جسدياً إلى القبيلة وروحياً إلى "الأمة الإسلامية". فجوة لم تنشأ الدولة "الوطنية" بين نتوءاتها ومنعرجاتها، وحتى حينما نشأت الدولة بوصفها سلطة وإقليماً وحدوداً وسكاناً، فإنها قد نشأت مشوّهة، ومن أهم معالم تشوّهها اعتقاد المواطن أن كل ما يمت إليها بصلة من "منافع" هو ملك يد من وصلت يده إليه من أفراد المجتمع، "يغنم" ما يشاء من دون حسيب ولا رقيب.

قد يكون من المفهوم أن يكون استيلاد البذرة الأولى للمال العام والقطاع العام في التاريخ العربي الإسلامي من رحم "غنائم الحروب وفيئها"، نظراً لأن منطق السياسة ولغتها خلال عصور مضت كانت تمضي على ذلك المنوال. لكن منطق الغنيمة قد امتد ليصير لصيقاً إلى حد كبير حتى مع مداخيل عمومية تذهب إلى ذلك القطاع، حيث تلازمت الحروب في بدايات تلك الدولة مع إجراءات جمع الضرائب، وصولاً إلى هيمنة فكرة على الأذهان تقتضي أن المال العام ما دام ملكاً للجميع، فإن الظفر به غاية "نفعية" فضلى، ما دام جهاز الدولة الوصي عليه لم يطور منذ بدايات نشأة "العقل السياسي العربي" إلى اليوم أدوات الرقابة والمساءلة والشفافية، ولم يجد تالياً أي علاج ناجع للعصف بجرثومة "الريع".

جزء كبير من المشكلة ظهر في العلاقة المشوشة والمرتبكة بين القطاع العام وبين غريمه الخاص، بحيث لم يجد المجال السياسي العربي وصفة للموازنة بين نزعات الأفراد المتجهة صوب تكديس المنافع، وبين حاجات الدولة التي تجنيها عبر تضريب أموال الخواص (ضرائب وضعية أو مقدسة)، أو عبر استثماراتها هي ذاتها في حقل الاقتصاد بجميع حوامله، ما جعل ذهنية العربي تنظر على الدوام إلى علاقتها بمغامرات الدولة في مجال الاستثمار بقدر كبير من الاستهتار، بقدر ما لا تعرف مالكاً عيانياً طبيعياً للمصالح المدارة، وتحسب الأرباح العائدة إلى خزينة الدولة "مهدورة" إن لم تعد في جزء منها على الأقل إلى فرد بعينه، خلافاً للشعور الذي تختزنه الذهنية ذاتها حيال مصالح وأموال القطاع الخاص.

لم تتحرر الذهنية العربية من منطوق "الغنيمة" حينما يتعلق الأمر بالتربح من أموال الدولة، سواء مقابل وظيفة أو منحة أو أي طريق من طرق التكسب، وذلك لأن الذهنية إياها تخلط بين حقوق الأفراد في المال العام والقطاع العام، بوصفيهما أدوات للحفاظ على الدولة، وقنوات لتصريف وظائفها، وبين الأمزجة والمساعي الفردية التي تتبدى في هاجس الاستئثار بالمنافع قدر الإمكان، وهي المساعي ذاتها التي تختزنها صدور الأفراد داخل اجتماعي سياسي/دولتي معين، سواء أكانوا ينتمون إلى أجهزتها الإدارية والتقنية أو يوجدون خارجها.

لقد مضى تطور الدولة في الواقع السياسي العربي وموازاة معه في العقل الجمعي السياسي العربي في اتجاه سمح لكل شيء أن ينمو فيه، إلا لحدود فاصلة بين قطاعين عام وخاص، كل منهما يؤدي وظائفه موازاة مع الآخر، في حين يضبط القطاع العام حدود نظيره الخاص ويحدد له غاياته (الإنسانية والاجتماعية)، على غرار ما انتهى إليه الأمر واقعاً وتنظيراً في الحيز الرأسمالي. فانتهى الأمر في الواقع المذكور إلى أن جثم "الإقطاع" طويلاً على بناه الاقتصادية والمؤسسية الدولتية، وبدل أن ينتعش القطاع العام بعوائد قطاع خاص منتج ومبدع، يستفيد منه الأفراد مباشرة أو من خلال ما يجنيه القطاع العام من ضرائب ومن خدمات، بقي القطاع العام (إقطاعاً أو شبه إقطاع) هو رمانة الميزان، وهو الذي يستقطب كل هواجس التربح.

وبالرغم من أن بلداناً كثيرة في العالم العربي قد مرت بعد استقلالات القرن العشرين مروراً صريحاً بنماذج معيّنة من الاشتراكية مثل مصر وسوريا والعراق والجزائر، أو اعتنت حكوماتها بالقطاع العام من دون أن تسمح لقطاعها الخاص بأن ينمو في اتجاه التصنيع وما بعد التصنيع. إلا أن تلك الفترة كرّست منطق الغنيمة إياه، بقدرة ما كانت مرحلة تدخل "مشوّه" لدول ذات طبيعة "مشوّهة" في اقتصاد بناه "مشوّهة". وبقي المواطن على نظرته إلى القطاع العام القائمة على أنه غنيمة في عوائده ومجرد ولوجه يمنح الكثير من الحصانات التي يستحيل إيجاد نظير لها في القطاع الخاص.

ولهذا لا يمكن لوم هذا الوعي حينما ينظر إلى الوظيفة العمومية باعتبارها "خشبة خلاص أبدية"، حيث حجم المسؤولية الملقاة على عاتق القائم بها هزيلة مقارنة بالأمان الذي يشعر به حيال "المساءلة" والطرد وإثبات الخطأ، وفي مقابل ذلك تسود القطاع الخاص عقود "غير مؤنسنة" على الإطلاق في معظم البلدان العربية.

وتبعاً لذلك فإن "لبرلة" القطاع العام من أجل لجم منطق الغنيمة ينبغي أن يمر إلزاماً بعقلنة وأنسنة القطاع الخاص والسماح له بأن يمتلك أفقاً يفتحه على الإبداع والانطلاق والمغامرة، حتى يجد المواطن العربي بديلاً ينسيه بريق الغنيمة، عسى أن يصير لما نسمعه ونقرأه عن "الشراكة بين القطاعين العام والخاص" في العالم العربي معنى أكثر إجرائية، وتعقله فلسفة أكثر تبصراً تجعل الدولة والاقتصاد في خدمة المواطن وليس في خدمة من يقوم بمهام الدولة أو يستأثر بكعكة الاقتصاد.

 

د. عبد الفتاح نعوم، كاتب وباحث في علم السياسة.