خطيئة ترامب التاريخية.. ولادة جديدة للثورة الإيرانية

أيّة أبعاد للزلزال الاستراتيجي الذي أحدثه اغتيال سليماني والمهندس؟ ماذا يعني قتل الرجلين من زاوية الحرب على الإرهاب، الذي كان لهما اليد الطولى في دحره؟ وكيف يفسَّر من زاوية حرب الضغوط التي تخوضها واشنطن ضد طهران؟ وماذا يعني كل ذلك في ميزان الصراع مع العدو الإسرائيلي؟

  • خطيئة ترامب التاريخية.. ولادة جديدة للثورة الإيرانية

فالق استراتيجي جديد أحدثه الرئيس الأميركي دونالد ترامب من خلال الأمر باغتيال قائد قوة القدس في الحرس الثوري الإيراني الفريق قاسم سليماني، ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي العراقي أبو مهدي المهندس الجمعة (2 كانون الثاني/يناير 2020) قرب مطار بغداد الدولي، ستكون له ارتدادات كبيرة على جغرافيا المنطقة ودولها كلما تحرّكت واحدة من ضفّتيه.

هذا الحدث بمعانيه المُتعدّدة مثّل مفصلاً استراتيجياً كبيراً في تاريخ المنطقة، لا شك في أن آثاره لن تتوقّف عند ردود موضعية أو درجة على سلّم التصعيد أو لعبة "بينغ بونغ" تكتيكية بين القوى المُتصارِعة، بل إن حجم الحدث، وربطه بأحداث المنطقة منذ 40 سنة حتى اليوم، يؤكّدان أنه حدث تأسيسي لمستقبل الإقليم كله، مع امتداد ضروري لتأثيراته في العلاقات الدولية، وخصوصاً أن القوى الكبرى الأخرى معنية بالضرورة بالحدث وبالردود عليه.

الأثر المباشر وتغّير المشهد

وعلى الرغم من أن تأثيرات ضخمة كان يمكن تخيّلها لاستهداف قادة بحجم سليماني والمهندس، إلّا أنّ حجم الغضب الذي انفجر في المنطقة كلها بعد الحدث فاق كل توقّع. غضبٌ شعبيٌ عارِم ليس في إيران فحسب، بل في كامل المساحة الممتدة من اليمن حتى فلسطين أيضاً، مع تفاعُل عالمي طاول شوارع 70 مدينة في الولايات المتحدة نفسها.

هي ليست حماقة فقط، بل أكبر من ذلك بكثير. وهو ليس خطأ استراتيجياً فحسب، بل كذلك خطيئة تاريخية يمكن تشبيهها فقط بالأحداث الكبرى التي دُوِّنت في كتب التاريخ عن بدايات المواجهات الكبرى والحروب العالمية، وأفول الإمبراطوريات، وأخطاء آخر الأباطرة الذين حمّلهم التاريخ وِزر إنهاء مشروعية دور بلادهم المسيطر.

حجم الغضب هذا يقول الكثير. وتضافر شعوب المنطقة في مساحة الغليان المستمر منذ لحظة الخبر يقول أكثر. اختفاء تام للتمايز والتنوّع في التكتيك والمقاربة السياسية للعلاقة مع واشنطن بين قوى المقاومة، حلّت محلّه وحدةٌ متماسِكة في الشعور والموقف والتعبير عنها. توحَّدت جميع الساحات من اليمن إلى فلسطين مروراً بالعراق وسوريا ولبنان تحت صورة سليماني والمهندس، وشعار واحد: انتقامٌ يليق بالشهداء.

أما ما يليق بهما وبرفاقهما من الشهداء، فقد حدَّده الأمين العام لحزب الله السيَّد حسن نصر الله بأنه "خروج أميركا النهائي من منطقة غرب آسيا". وهي نتيجةٌ يعني تحقّقها ليس نهاية مشروع ترامب في المنطقة فقط، أو خسارته الانتخابات المقبلة، بل أيضاً خسارة الأميركيين كل ما أسّسوا له في المنطقة منذ أن مدّوا يدهم السامّة إليها.

لقد عرفت الولايات المتحدة رؤساء مُتهوّرين، كانت إداراتهم تعيد تصحيح أخطائهم من خلال الدبلوماسية والسياسة في العلاقات البينية مع الدول الأخرى، أو من خلال الأمم المتحدة، وكان النظام السياسي الأميركي بمرونته المعهودة ينتج سياسات تصحيحية لنزعات الرؤساء المُتهوّرين. لقد كانت الإدارة العميقة و"سياساتها المستمرة" تضطلع دائماً بدور طبيب التجميل الذي يستدرك خلل الأوهام الرئاسية. لكن هذه المرّة بلغ التهوّر صلب المشروع الاستراتيجي الأميركي في المنطقة، في خطوة قد تقضي على هذا المشروع، مع تحفّز قوى أخرى لإخراج واشنطن والحلول مكانها، وما المناورات الروسية-الصينية-الإيرانية في المحيط الهندي إلا إشارة إلى ذلك.

من زاوية الحرب على الإرهاب!

ماذا يعني قتل سليماني والمهندس من زاوية الحرب على التنظيمات الإرهابية في المنطقة، ومنعها من تهديد الأمن والسلم الدوليين؟

بوضوح، الجواب عن هذا السؤال يستوجب العودة إلى السنوات القليلة المنصرمة بعد الاحتلال الأميركي للعراق، ولكن خصوصاً منذ انفلاش التنظيمات الإرهابية في سوريا والعراق. لقد كان لسليماني، وللحشد الشعبي الذي ينوب رئاسته المهندس، الدور الأبرز في محو حدود المواجهة مع "داعش" و"النصرة" وما يشبههما من التنظيمات التي هجمت من كل حدبٍ وصوب لتنشئ "الدولة الإسلامية" على مساحة هائلة سيطرت عليها لسنوات. هذه "الدولة" كانت حلم كل الجهاديين المتطرّفين الذين لم يتورّعوا يوماً عن قتل المدنيين على مساحة العالم، ولم تتمكَّن كُبريات الدول الغربية من مواجهتها وهزمها. مَن واجهوها كانوا رجال سليماني ورجال الحشد في سوريا والعراق. لقد كانت التفجيرات الإرهابية تتنقّل من مدينة أوروبية إلى مدينة أميركية، ثم تعود لتكرر تجوالها حاصدةً أرواح المدنيين الأبرياء في المقاهي والشوارع ودور العبادة في الغرب. وكان مصدرها دائماً "الدولة الإسلامية" وتوابعها. لم ينطلق كل الإرهابيين من الشرق الأوسط إلى الغرب لتنفيذ الهجمات الإرهابية، لكنهم كانوا جميعاً يستمدّون معنوياتهم وقوّتهم وأفكارهم وزخيرة أرواحهم السود من النجاحات التي حقّقتها "الدولة" في المنطقة. مَن أوقف هذا المدّ الكارثي هما سليماني والمهندس ورجالهما، والحلفاء الآخرون.

يقول مناهضو المقاومة: لماذا يتجوّل سليماني في المنطقة متجاوزاً الحدود؟ كان الجواب الحقيقي موجوداً عند "داعش" و"النصرة" وردّدته شعوب المنطقة في ما بعد: لقد محا التنظيمان الإرهابيانِ حدود الدول بأعمالهما الإجرامية، وكان لا بدّ لمَن يريد مواجهتهما أن يمحو القيود كلها، مُتسلّحاً بموافقة الحكومات الرسمية في الدول المنكوبة، ويستعيد بيده جغرافيا المنطقة، ليعيدها إلى شعوبها. وهذا نموذجٌ من الثوريين الذين نسي العالم وجودهم منذ رحلات تشي غيفارا الثورية إلى أفريقيا ليحرّر أهلها، ومنذ جاء أوكاموتو من اليابان لينصر القضية الفلسطينية... إلى أن أتى سليماني.

والآن بعدما استُشهد، فإن مكافحة الإرهاب ستحتاج إلى جهود أكبر بكثير، مع إصرار من جانب إيران والعراق وسوريا والمقاومة على متابعة المسيرة. 

من زاوية المواجهة مع إيران؟

ماذا يعني هذا الاغتيال من زاوية المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران؟ يقول ترامب إنه بقتل سليماني تجنّب هجمات على جنوده، ويحاول تسويق جريمته بأنها مشابهة لعملية قتل البغدادي. بينما تقول الوقائع شيئاً آخر، فسليماني هو الذي هزم البغدادي في المنطقة لا الأميركيون. لقد انتزع الجنرال الإيراني من البغدادي كل ما حقّقه طوال مسيرته، وجعله منبوذاً مُحاصَراً مُختبئاً في زواريب أصغر القرى السورية. ولم يفعل ترامب شيئاً سوى ضغط  زرّ الاغتيال ليحصد رأس البغدادي ويقدِّمه إلى الناخِب الأميركي عساه يفوز بثقته المهدورة لولاية ثانية. هذه الانتهازية مارستها بلاده في الحرب العالمية الثانية. لقد دفع السوفيات يومها 30 مليون قتيل من أجل الوصول إلى برلين والتخلّص من هتلر، وجاءت الولايات المتحدة لتقيم احتفال النصر في النورماندي وتقول: قضينا على هتلر.

أما سليماني، فشأنه مختلف. هو قائدٌ عسكريٌ رسمي، ينفِّذ سياسة دولته، التي هي عضو في الأمم المتحدة، وتلتزم القوانين والمواثيق الدولية أكثر مما تفعل الولايات المتحدة. هو ليس إرهابياً هارباً من العدالة، ولم يقتل أو يرسِل أحداً لقتل نملة في أميركا. ومسؤوليته عن مقاومة الأميركيين في العراق كانت مسؤولية المقاوِم الذي أخرج محتلاً أجنبياً من حدود بلاده، ومن أرض جاره.

وبالتالي، فإن جريمة اغتياله لن تفيد في انتخابات ترامب الرئاسية، بل على العكس من ذلك، لقد قال الأميركيون قولهم بكل الطُرُق المُمكنة. تكفي تعليقاتهم الساحِقة على وسائل التواصُل الاجتماعي، وعلى تغريدات ترامب المُتهوّرة نفسها. لقد قالوا للإيرانيين: هاجموا مصالح ترامب وشركاته. هو لا يمثّلنا. مورغان فريمان من أشهر المُمثّلين الأميركيين المُسيّسين، قال بالفم الملآن: ترامب لا يُمثّلني، ووصَفه بأقذع الأوصاف. غالبيّة الأميركيين يقولون ذلك، وهي غالبيّة غير قابلة للدَحض. حتى إن ترامب لا يمكنه  المُفاخَرة بانتصار أمني باغتياله سليماني والمهندس. لم يكن الرجلان مسكونَين بالهوَس الأمني وضرورات الحماية والتخفّي، لقد تنقّلا مئات المرات عبر الحدود وفي أخطر الظروف. لاحَقا الموت، وهبّا إلى فوّهة الجبهة في كل مرة شهدت فيها معركة مع "داعش" ومثيلاته. لقد سكنهما حلم الشهادة، ولم يهربا يوماً، ولم يبنيا قاعدةً عسكرية بمليارات الدولارات، وينزلا فيها خائفَين بطائرةٍ خاصة تحت ساتر الليل، ليتحسّرا على ما بذلاه، كما فعل ترامب نفسه عندما زار قاعدته في العراق عام 2017.

ثم إن كل مراد ترامب من الضغط على إيران، هو إعادتها صاغِرةً إلى طاولة المفاوضات، لينتزع منها تنازلاً عن حقّها ببرنامج نووي سلمي، وليمنعها من التأثير في محيطها، ويوقف برنامجها الصاروخي الدفاعي، وهو من خلال هذه الجريمة دفعها إلى عكس ذلك، لتعلن عودتها إلى التخصيب من دون قيود، ولتتابع مسارها المُتصاعِد في التأثير بكل مقاومي المنطقة، وليترجم ذلك بتصويت البرلمان العراقي على قانون إخراج القوات الأجنبية من البلاد، إخراج الأميركيين تحديداً.

أما الداخل الإيراني، الذي أراد ترامب تحريضه على قيادته، فقد نزل بالملايين إلى الساحات ليودِّع سليماني ويُعاهده على الاستمرار في مسيرة الثورة. وليقول إنه لا أسعار محروقات ولا حصار الاقتصاد ولا محاولات التجويع تهمّه عندما يُمَسّ في كرامته وفي شعوره الوطني. لقد وُلِدت الثورة من جديد مع استشهاد سليماني، وتقول تقديرات الوكالات الغربية إن مُشيّعي سليماني في إيران فاقوا بعددهم مُشيّعي قائد الثورة الراحِل الإمام الخميني. هل هذه أقل من ولادة جديدة؟ وأيّ فشلٍ هذا لترامب وجريمته؟

من زاوية الصراع مع العدو الإسرائيلي

كيف سيؤثّر اغتيال سليماني في الصراع مع العدو الإسرائيلي؟ الجواب عن هذا السؤال يقود إلى تحليلات مُتعدّدة رأت أصابع نتنياهو وبومبيو على زناد القتلة، الذين استهدفوا سليماني والمهندس. الخبير الاستراتيجي أنيس النقاش قالها: قرار الاغتيال جاء من نتنياهو إلى ترامب عبر وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو.

لقد كان سليماني في لبنان عام 2006 حين شنّ العدو الإسرائيلي حربه الشعواء على المقاومة ولبنان خلال شهري تموز وآب (يوليو وأغسطس). شارك قادة المقاومة في رسم معالِم المواجهة، ورسم معهم خطوط النصر الكبير. تنقّل القادة ومعهم سليماني بين غُرَف القيادة وشوارع الضاحية الجنوبية لبيروت، ومن هناك هزموا "إسرائيل" ومعها أميركا، التي مدّت تل أبيب بجسر تسليح جوّيّ طوال 33 يوماً هي عُمر الحرب. واشنطن عبر وزيرة خارجيتها كوندوليزا رايس يومها منعت تل أبيب من وقف الحرب حين لاحت أمام وجهها ملامح الهزيمة المُدويّة.

يد سليماني مدَّت المقاومة الفلسطينية بالصواريخ والعتاد والمساعدات، وللجنرال الساحِر بصمات في كل هزيمة ذاقها الإسرائيليون. وهذا تحديداً معنى عبارة رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" إسماعيل هنية المُكرّرة ثلاثاً في تشييع الجنرال: سليماني شهيد القدس.

لذلك فإن واحداً من أسباب اغتياله في أعين ترامب والإسرائيليين هو إعداد الأرضية ومحو العقبات من أمام تصفية القضية الفلسطينية عبر "صفقة القرن". لكن أيّ نجاحٍ لهذه الفكرة سيكون، ما دام الآلاف من سليماني حملوا الراية من يده، ويتابعون الرحلة إلى القدس؟ بل أيّ فشلٍ لهذا الوَهم حين يخرج طفلٌ إيراني (رآه العالم عبر الفيديو) ليصرخ باكياً: "سنكون كلنا قاسم سليماني... أنا سليماني".