حكومة دياب.. الفُرَص والتحدّيات لتجنّب "عقدٍ ضائع"

يشهد لبنان منذ ثلاثة أشهر تحركات شعبية خلطت أوراق اللعبة السياسية التقليدية، ووضعت البلاد أمام تحدّياتٍ جديدة تضاف إلى المعضلات المالية والاقتصادية والسياسية التي كانت تعيشها أساساً. لذلك، فإنَّ من المفيد استرجاع سياق الأحداث وتفسير المسار الذي أوصل الأمور إلى هذه النقطة، ليتبيّن المسار المستقبليّ القريب وكيفيّة تأثير الأحداث الحالية فيه.

  • حكومة دياب.. الفُرَص والتحدّيات لتجنّب "عقدٍ ضائع"

التسوية الرئاسية وحكومة الحريري

عاشت بيروت بين الأعوام 2014 و2016 فراغاً رئاسياً عقب انتهاء ولاية الرئيس السابق ميشال سليمان، ولم تتمكَّن القوى السياسيّة المتصارِعة من انتخاب رئيسٍ جديد للجمهورية قبل خريف العام 2016، يوم وصل إلى قصر بعبدا الرئيس الحالي ميشال عون، بعد عقْدِ ما عُرِف بـ"التسوية الرئاسية" بين قادة فريق 14 آذار (حلفاء لواشنطن والرياض) ومعظم فريق 8 آذار (حزب الله وحلفاؤه والتيار الوطني الحر)، باستثناء حركة "أمل" وتيار "المردة" اللذين رشّحا يومها رئيس "المردة" سليمان فرنجية للرئاسة.

قضت التسوية بوصول عون إلى رئاسة الجمهورية، وسعد الحريري إلى رئاسة الحكومة، إضافةً إلى عناوين أخرى تتعلَّق بتقاسُم السلطة، لم يكشف عن كامل تفاصيلها بصورةٍ علنية سوى من خلال الأحداث اللاحِقة التي طبعت بطابعها حكومة الحريري الأولى في عهد عون، والتي شاركت فيها معظم الأحزاب (بقي خارجها حزب "الكتائب" اللبنانية)، وأجرت الانتخابات النيابية في أيار/ مايو 2018.

أنتجت الانتخابات أغلبية نيابية في البرلمان لصالح حزب الله وحلفائه ومعهم التيار الوطني الحرّ، وانطلقت حكومة ائتلافية أخرى بعد الانتخابات بقيادة الحريري مرةً جديدة، لكن هذه الحكومة التي مثّلت انعكاساً للأغلبية البرلمانية واجهت بسرعة صعوباتٍ مالية واقتصادية حادّة أدّت إلى تفاقُم العجز في الموازنة العامة وفي الميزان التجاري، وزيادة أعباء المديونية العامة، ووصلت في نهاية الأمر بالبلاد إلى شفير الانهيار الاقتصادي، وسط أجواء إقليمية كانت تزداد تعقيداً مع طلوع كلّ يوم جديد.

هذه الأجواء المتلبّدة التي أرخت بظلالها على الحكومة لتفجّر تناقضاتها الداخليّة، جاءت في سياقٍ متوتّر في المنطقة، مع تشديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضغوطه الاقتصادية والسياسية على إيران، وخوضه حرب "الضغوط القصوى" ضد طهران وحلفائها في المنطقة. 

وحيث إنَّ التقدير الأميركي وجد أنَّ الحكم في لبنان بات صديقاً لحزب الله، فإنَّ الولايات المتحدة زخّمت هجمتها على الاقتصاد اللبناني، ووضعت عينها عن كثب على تعاملات المصارف اللبنانية، وأدرجت على لوائح عقوباتها المصارف التي اعتبرت أنها تتعامل مع حزب الله وشخصياتٍ مقرّبةٍ منه، الأمر الذي أدّى إلى إقفال مصارف وتدهور النشاط الاقتصادي، بالتوازي مع زيادة تحركّات القوى الحليفة لواشنطن ومنظمات وهيئات المجتمع المدني باتجاه تفكيك الحكومة الائتلافية.

وشهد الصّيف الماضي (صيف 2019) مجموعةً من الأحداث التي يمكن اعتبارها أحداثاً تفجيرية للائتلاف الحكومة، واستنهاضية للغضب الشعبي، منها على سبيل المثال "حادثة قبرشمون" التي شهدت اشتباكاً محدوداً بين الحزب التقدمي الاشتراكي بقيادة وليد جنبلاط والتيار الوطني الحر بقيادة جبران باسيل، وذهبت ضحيّتها دماء، وأدّت إلى تعطّل اجتماعات الحكومة شهرين متتاليين بموازاة زيادة الضغوط الاقتصادية على المواطنين، كما أدّت إلى انفجار العلاقات السياسية بين الأطراف المؤلّفة للحكومة. وتبعت هذه الحادثة حرائق الغابات التي طالت معظم المناطق اللبنانية وأدّت إلى احتراق مساحات واسعة من الغابات، مع فشل فِرَق الدفاع المدني والجيش في السيطرة عليها لأيام، الأمر الذي فجّر الغضب الشعبي بوجه القوى السّياسية المختلفة.

تحرّك 17 تشرين الأول/ أكتوبر

في بداية تشرين الأول/ أكتوبر 2019، سرت معلومات عن اقتراحات وزارية لمعالجة أزمة المالية العامة، تتضمَّن ضرائب جديدة على المواطنين، وخصوصاً اقتراح وزير الاتصالات في الحكومة السابقة محمّد شقير، القاضي بفرض رسم ضريبي على استخدام تطبيق "واتس آب"، الأمر الذي كان القشّة التي قصمت ظهر البعير، لينزل بعدها اللبنانيون إلى الشارع بأعدادٍ كبيرةٍ في 17 تشرين الثاني/ نوفمبر، مطالبين بالإصلاح، ثم تطوَّرت هذه الأحداث لتتّخذ نسقاً مختلفاً، مع تضمينها مطالب أوثق علاقةً بالسياسة، وتبيَّن أنها تستهدق الفريق الحاكِم، وخصوصاً مع انضمام "القوات اللبنانية" بقيادة سمير جعجع (الحليف الأول لواشنطن والرياض) إلى الاحتجاجات، واستقالة سعد الحريري من رئاسة الحكومة، ومطالبته بحكومة اختصاصيين مستقلّة، تجاوباً مع المطالب الشعبية، كما قال.

هذا السّياق من الأحداث وتزامنه مع أحداث مُشابهة في العراق، إضافةً إلى التصريحات الأميركية التي حاولت تصويب الغضب الشّعبي على حزب الله وحلفائه حصراً، راكمت الشّكوك حول الأهداف المرسومة خلف هذا الحراك الشعبي؛ ففي بداية التحركات الشعبية المطالبة بالإصلاح، شارك جزء من المواطنين المؤيّدين للمقاومة في التظاهرات، وشكَّلوا عصباً أساسياً لها، الأمر الذي أعطاها زخماً مهماً في الأيام الأولى. 

ومع تكشّف التناغم الأميركي مع الأحداث، ومحاولات حَرْف بوصلتها نحو استهداف المقاومة، خرج الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصرالله في خطابٍ مُتلفَز طالباً من مُناصريه الخروج من الشارع، مع تأكيده أحقّية الكثير من المطالب المرفوعة.

خطوة السيِّد نصرالله هذه أدَّت إلى فرز المتظاهرين سياسياً، وكشفت طبيعة التدخّل الخارجي في المطالب الشعبية من خلال الأحزاب المؤيّدة لواشنطن والرياض، من مثل "القوات اللبنانية" وتيار "المستقبل". 

وعلى الرغم من ذلك، استمرّ حزب الله وحركة أمل بدعم تسمية سعد الحريري لرئاسة حكومة اختصاصيين تتجاوب مع المطالبات الشعبية وتخرج البلاد من المأزق.

رفض الحريري كلّ الدعم الذي قدَّمه ثنائي المقاومة له، وأصرَّ على ترؤس حكومة "اختصاصيين مستقلين" تُخرج حزب الله وحلفاءه من السلطة، وتلغي نتائج الانتخابات النيابية، وتتجاوب عملياً مع الضغوط الأميركية الرامية إلى انتزاع القوّة السياسية للمقاومة التي ترجمتها الانتخابات النيابية، وهي الخارجة حديثاً من انتصاراتٍ إقليمية هزمت فيها تنظيمات إرهابية خطرة، من مثل "داعش" و"جبهة النصرة" وغيرهما في سوريا والعراق وأماكن أخرى.

بعد رفض الحريري كلّ العروض، ورفضه ما سمّاه رئيس البرلمان نبيه بري "لبن العصفور" (تعبيراً عن حجم المغريات التي قدَّمها الثنائي له)، بغية تشكيل حكومة داعمة قادرة على مواجهة التحديات، اتّجه فريق المقاومة وحلفاؤها إلى تسمية وزير التربية السابق حسان دياب لرئاسة الحكومة الجديدة، وهو أكاديمي معروف كان يشغل منصباً مرموقاً في الجامعة الأميركية في بيروت، وله علاقات تتجاوز الانقسام السياسيّ القائم في لبنان.

استفزّت هذه التسمية الفريق المؤيّد لواشنطن، باعتبار أن فريق المقاومة تمكّن من تلبية المطالب التي يرفعها المتظاهرون، من دون أن يتخلّى عن أغلبيته البرلمانية، ومن دون اضطراره إلى الخروج من السّلطة.

استمرّت التظاهرات التي اتخذت لوناً سياسياً محدّداً طوال مسيرة دياب لاختيار وزرائه. أمَّن فريق المقاومة وحلفاؤه بيئة إيجابية لدياب، فلم يضغط عليه بمطالب سياسية تعرقل تأليف الحكومة، بل سهّل ولادتها بعد خمسة أسابيع من تكليفه، وهي فترة مقبولة جداً لتأليف الحكومات في لبنان، وجاءت التشكيلة مُصغّرةً عن الحكومات السابقة (20 وزيراً بينهم 6 نساء)، وتضمَّنت اختصاصيين في المجالات كافة، واتجهت بأغلبية نيابيّة لتنال الثقة في البرلمان.

الضّغوط القصوى

في هذا الوقت، استمرت الضغوط الأميركية المترافقة مع ضغوط مماثلة في العراق وإيران، بغية تظهير الموقف على أنّ خيار تشكيل هذه الحكومة يمثّل فريقاً سياسياً واحداً هو حزب الله، وروّجت أنّ هذه الحكومة مرفوضة شعبياً، من خلال الإعلام الوافد ووسائل إعلام لبنانية، ومن خلال منظمات المجتمع المدني أيضاً وتنسيقيات "ثورية" وشخصيات من المشاهير واظبوا على وَصْم الحكومة الجديدة بانتماء حزبيّ محدّد.

واليوم، انطلقت أعمال الحكومة الجديدة واضعةً أمام أعين وزرائها ورئيسها مهمة "إنقاذ لبنان"، واتّجهت لتبحث تفاصيل الأزمات الاقتصادية والمالية والنقدية التي تعانيها البلاد، لكنَّ مهمة هذه الحكومة التي تبدو غير سهلة، تواجه عقباتٍ كبيرة أهمها وجود معارضةٍ قوية لها، تتمثّل بكامل الفريق المؤيّد للغرب والرافض للخروج من السلطة، على الرغم من أن هذا الخروج تم بإرادةٍ ذاتية منه، أو على الأقل من حلفائه الخارجيين.

وتواجه هذه القوى المعارِضة لحكومة دياب تناقضاً مركزياً في موقفها، فهي من ناحية ترفض الاشتراك في الحكومة، فيما تسعى من ناحيةٍ أخرى إلى اتهام الفريق الآخر بإقصائها عن السلطة، وبممارسة الحكم من طرفٍ واحدٍ في بلادٍ اعتادت على الحكم التوافقي وحكومات الوحدة الوطنية.

وبموازاة ذلك، تستمرّ الضغوط الأميركية على الاقتصاد اللبناني. وقد تُرجِمت من خلال تحريك واضح للمنظومة المصرفية التي سحبت مليارات الدولارات من لبنان في السنة الأخيرة، الأمر الذي أدّى مع عوامل أخرى إلى فُقدان الثقة بتوفّر الدولار في السوق اللبنانية، وهي سوق اقتصادٍ "مُدَولر" تقوم معظم التعاملات فيه على الحاجة إلى العملة الخضراء، ما أدَّى الآن إلى تدهور سعر صرف الليرة اللبنانية من حوالى 1500 ليرة مقابل الدولار الواحد إلى ما وصل في بعض الأحيان إلى 2500 ليرة للدولار الواحد، مع عدم توافر الدولار في السوق بكمياتٍ كافية، وبالتالي تعثّر استيراد المواد الضرورية (مواد غذائية، معدّات طبية وأدوية، بضائع ومواد أولية للصناعة...)، بالتزامُن مع إجراءات مصرفية حدّت من حرية سحب وتداول الأموال بالدولار وبالليرة اللبنانية بدرجاتٍ متفاوتة.

ومع تزايد حدّة الصراع السياسي، تقف البلاد اليوم على شفير الهاوية الاقتصادية والمالية، مع اضطرارها إلى سداد سندات دَين بالعملات الأجنبية (سدَّدت دفعة تقارب الملياري دولار في نهاية تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي) في آذار/ مارس المقبل تقارب 1.2 مليار دولار، إضافةً إلى اضطراها إلى تأمين مبالغ كبيرة من أجل تأمين استيراد المواد الأساسية في البلاد.

اتّجهت حكومة دياب إلى تنشيط دبلوماسيّتها من أجل إيجاد ضوء في نفق الأزمة، ووجدت تجاوباً ما زالت تتكتّم عليه من دول معيّنة، تدور المعلومات الواردة بخصوصه على أنه من دولة عربية، تضاف إلى تصريحات الرئيس الفرنسي بالاستعداد لمساعدة لبنان في حال اتخذ مساراً إصلاحياً واضحاً وأكيداً.

وكانت بيروت تتوقَّع قبل الأحداث الأخيرة تحقّق المشروعات التي تعهّدت بها الدول المانحة في باريس في العام 2018، والتي عُرِفَت بمشروعات "سيدر 1"، وهي تشمل مشروعات بنى تحتية وتنمية بقيمة تصل إلى 19 مليار دولار على شكل قروض مُيسّرة، ومشروعات تنفّذها الدول المانحة، لكن الأحداث الأخيرة زادت الشكوك حول هذا الأمر.

وتتّجه حكومة دياب المتكتّمة حتى الآن على الكثير من جهودها لجذب الأموال الضرورية للنهوض، إلى إعادة إحياء الثقة الدولية بلبنان، وفصل الصراع السياسي عن جهودها الإنقاذية، وهي من أجل ذلك تحاول إرسال رسائل إيجابيّة إلى مؤسَّسات التصنيف الدولية بأنَّ البلاد مقبلة على إصلاح حقيقي، تبقى أولى إشاراته إصلاح قطاع الكهرباء الذي يشكّل 33% من عجز الموازنة، والذي يكلّف لبنان ما يقارب ملياري دولار سنوياً، مع عدم توافر الكهرباء على مدار الساعة لكل مناطق البلاد.

ويطرح الخبراء الماليون اليوم مجموعة سيناريوهات للخروج من الأزمة، منها اللجوء إلى صندوق النقد الدولي لطلب المساعدة، لكن هذا السيناريو محفوف بالمخاطر، نظراً إلى مضامين ما أبلغه الصندوق للبنان في وقتٍ سابق، من ضرورة رفع الدعم الحكومي عن سلعٍ أسياسية، وزيادة تعرفة الكهرباء، ورفع الضريبة على القيمة المضافة، وخصخصة قطاعاتٍ أساسية تُديرها الدولة، وهي أمور مرفوضة شعبياً.

وتملك الحكومة الحالية فرَصاً كبيرة توازي المخاطر التي تقف أمامها، بالنظر إلى نواياها الإصلاحية المعلنة، والدعم بهذا الاتجاه الذي توفّره الأغلبية النيابية التي سمّت دياب، مع إصرار القادة اللبنانيين الداعمين للحكومة على التمسّك بالحقوق النفطية والغازية اللبنانية في البحر والبر، والتي تشكّل بارِقة أمل للبنانيين في تحقيق إيراداتٍ كبيرة تطفئ الدَين العام وعبئه، فيما يبقى التحدّي الأساس لها أن تحقّق إصلاحاً حقيقياً يُعيد الثقة بالبلاد، لتنهض بقدراتها الذاتية من دون الاضطرار إلى اتخاذ إجراءاتٍ غير شعبية تزيد من تفجير الواقع الاجتماعي، لكن الثابت في هذا المشهد هو أن أيّ فشلٍ لحكومة دياب سيشكّل فشلاً لمستقبل البلاد الاقتصادي ومخاطرة بدخولها في "عقدٍ ضائع".

إقرأ أيضاً

عالم ما بعد كورونا.. عودة الاقتصاد الحقيقي