محمد سيف الدين

صحافي وباحث لبناني، بدأ عمله الصحفي عام 2007، عمل في الإذاعة وفي الصحافة المكتوبة والإلكترونية، متخصص في شؤون الأمن الروسي، والعلاقات الروسية الأطلسية. الكاتب على موقع تويتر: @mseiif

"قفزة كبرى" جديدة عبر "طريق الحرير"

وساطة صينية لرأب الصدع بين الرياض وطهران. الرئيس الصيني يزور العاصمتين ويفتح أفقاً سياسياً عالمياً لبلاده. بالتوازي، مؤشرات هامة على نية بكين بالانخراط في مكافحة الإرهاب في سوريا. هل اتخذت الصين قراراً بقفزةٍ كبرى سياسية؟

  • دور سياسي متوقع للصين
جمهورية الصين الشعبية. الدولة صاحبة أعلى أرقام النمو السنوي المستقر خلال السنوات العشرين الأخيرة والتي تجاوزت كل التوقعات، والجاذبة لكبريات الشركات العالمية العابرة للحدود التي اتخذت منها مركزاً لنشاطها. تجارتها الخارجية النشطة أكسبتها احتياطات هائلة من الأموال، لتصبح أكبر دائن للولايات المتحدة، ولتعتمد هذه الأخيرة على الودائع الصينية في مصارفها. حتى بات يقال تندراً إن عالم اليوم "صنع في الصين"، حيث لم تعد تخلو منطقة حول العالم من وجود البضائع الصينية. بل إن بكين تحولت فعلياً إلى رافعة النمو الاقتصادي العالمي، ونموذج النجاح المستمر للدول النامية التي تطمح للتقدم، كونها لا تزال ترى نفسها كدولةٍ نامية.

في التاريخ الحديث للصين الشعبية، يعتبر ماو تسي تونغ مؤسس النهضة الصينية، يوم أطلق مشروع "القفزة الكبرى إلى الأمام" في أواخر الخمسينيات من القرن الماضي. وارتكزت فكرة ماو على تعزيز الصناعات الصغيرة في الحقول والقرى الريفية، سعياً لتحقيق نتائج كبيرة وسريعة. وحشد لهذا المشروع ملايين العمال والفلاحين، ولكن أجساد الصينيين لم تستطع تحمل هذه الاندفاعة الفكرية القوية لماو، فتهاوت الفكرة مخلفةَ خسائر كبيرة، فضلاً عن أنها أثارت خوف الدول الغربية. ولكن الصين تخطت ذلك خلال فترةٍ وجيزة، لتستكمل تقدمها الذي أخذ مساره صعوداً مع تولي دينغ شياو بينغ الحكم عام 1978، حيث تبنى اقتصاد السوق، ورسم طريقاً للبلاد نحو تحقيق التحديث السياسي والاقتصادي، متنبئاً وصولها إلى النتائج المطلوبة خلال 50 عاماً. وحالياً، تحتاج الصين إلى 12 عاماً لتستكمل الفترة التي تحدث عنها دينغ. ولكنها باتت اليوم بالفعل إحدى أكبر اقتصادات العالم، فما الذي ينقص؟

قوة كبرى ناقصة

  • القوة الاقتصادية الثانية في العالم
لم يكن ينقص الصين سوى الانخراط في نفوذ سياسي عالمي مباشر لتصبح قوةً عظمى مهابة. هذه الدولة التي يتحدث عنها العالم منذ مطلع الألفية كقوةٍ عظمى قادمة، والتي لم تتحدث أبداً عن قوتها، قدراتها معروفة لدى كل أقطاب عالم اليوم، ولكن ترجمة هذه القدرات إلى دور سياسي لم يكن حتى الآن أولوية لدى بكين.

ولكن الفترة الأخيرة، وتحديداً خلال الأزمة السورية، حملت معها مؤشرات جديدة عن تطور رؤية الصين لدورها العالمي. فقد استخدمت بكين الفيتو ثلاث مرات إلى جانب روسيا لمنع إصدار قرارات أممية لا تناسب مصالحهما في سوريا، وذلك في مواجهة الولايات المتحدة وحلفاءها الغربيين. علماً أن مجموع المرات التي استخدمت فيها بكين هذه الأفضلية هو سبع مرات فقط، منذ حصولها على المقعد الدائم في مجلس الأمن. أي أن الأزمة السورية حازت ما يتخطى 42% من استخدام الصين للفيتو طوال تاريخها.

أكثر من ذلك، يتم الحديث اليوم عن نية صينية للانخراط في العمل العسكري لمكافحة الإرهاب في سوريا من جهة، ومن جهةٍ أخرى أرسلت بكين نائب وزير خارجيتها إلى طهران والرياض، وأعلنت عن زيارة رئيسها إلى العاصمتين، لطرح وساطة بينهما، تؤدي فيما لو نجحت إلى "قفزةٍ كبرى سياسية" للصين، ومحطة فاصلة يؤرخ ما بعدها وما قبلها.

هل تنخرط الصين في مكافحة الإرهاب عسكرياً في سوريا؟

  • جنود صينيون
مع بداية تحقيق نتائج لافتة للطيران الروسي في سوريا، وصولاً إلى إعلان موسكو عن تحرير القوات البرية السورية وحلفائها لـ217 قرية تحت غطاء الطائرات الروسية إلى جانب ما يعلنه التحالف الأميركي عن ضرباته في العراق، وتقدم القوات العراقية وسيطرتها على مناطق جديدة، عاد الحديث مجدداً عن إمكانية قيام الصين بالتدخل أيضاً هناك، وذلك بسبب وجود أعداد جدية من الصينيين الذين يقاتلون إلى جانب المنظمات الإرهابية في سوريا، والذين من الممكن أن يعودوا إلى بلادهم بعد الحرب، حاملين معهم تجارب حربية متقدمة، وبالتالي فإنهم سوف يهددون أمن البلاد.

ولكن الأخبار التي نشرت قبل أيام، ونسبت إلى صحيفة واشنطن بوست نقلاً عن مصادر خاصة، تبقى غير قابلة للتأكد.

بموازاة ذلك، فإن التقدم الذي أحرزه الجيش السوري في ريف اللاذقية الشمالي وسيطرته على أهم معاقل المسلحين في بلدة سلمى، شكل ضربة قوية للمقاتلين الذين ينتمون إلى الجنسيتين الروسية والصينية في المناطق المذكورة، كون المعطيات عن وجود شيشانيين وأيغور خلال الأعوام السابقة في ريف اللاذقية اكتسبت مصداقية بفعل التفاصيل التي كشفها الجيش السوري تباعاً حولهم.

وتعود الأنباء عن احتمال وصول قطع بحرية صينية إلى سوريا إلى بداية التدخل الروسي قبل أشهر. ولكن وزارة الدفاع الصينية نفت هذه الأنباء في حينها.

وبالتحقيق في مصادر الأخبار حول احتمال تدخل صيني عسكري في سوريا يتبين أن ترويج هذه الأخبار بدأ من إسرائيل، عبر موقع "ديبكا"، وانتشر في الإعلام الغربي، حيث نسبت التصاريح المتعلقة بهذا الخبر إلى "مسؤول في الأمم المتحدة" تارةً، أو "ضابط في الجيش السوري" تارةً أخرى.

وتحدث إيان بريمر رئيس مجموعة "أوراسيا" ومؤلف كتاب "القوة العظمى"، عن تكهنات غير مؤكدة في الآونة الأخيرة عن وجود الصين في سوريا.

وقال بريمر في حديث لـ"بيزنس إنسايدر" عن طريق البريد الإلكتروني، إنه "كانت هناك بعض التكهنات بهذا الشأن في أكتوبر الماضي، ولكن من مصادر مثل "ديبكا"، الذي يميل إلى أن يكون لاهثاً ومبالغاً"، في إشارة الى موقع الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية. وأضاف "أنه من الواضح أنه ليس لدى الحكومة الصينية أية قوات هناك، وأنها لا تخطط لإرسال أي منها".

ونسب كلام آخر مفاده أن الصين تستعد للانضمام إلى روسيا في محاربة داعش في سوريا في 19 تشرين الثاني / نوفمبر الماضي، إلى "مسؤول حكومي رفيع في الأمم المتحدة". وتناقلت وسائل إعلام غربية الخبر بصيغة "تقارير صادرة من الشرق الأوسط"، منسوباً إلى "مسؤول في الجيش السوري". 

 

وتستند هذه الأنباء أيضاً إلى تصريح وزير الخارجية الصيني "وانغ يي" في جلسة لمجلس الأمن قبل أسابيع في نيويورك، حيث قال في معرض حديثه عن الأزمة السورية "إن العالم لا يستطيع أن يقف موقف المتفرج ويبدو مكتوف الأيدي، ولكن يجب أيضاً ألا يتدخل بشكلٍ تعسفي". وأضاف أنه يجب على الدول أن تتحد ضد "الأيديولوجية المتطرفة العنيفة".

يضاف إلى ذلك، كلام أطلقه المرشح الجمهوري للرئاسة الأميركية "بن كارسون" في تشرين الأول / اكتوبر الماضي أيضاً اعتبر فيه أن الصين تحاول توسيع نفوذها في مجمل الشرق الأوسط وفي أفريقيا. وقد أحدث كلامه حينها جدلاً في وسائل الإعلام الغربية. بعد ذلك سعى مستشاره "أرمسترونغ وليامز" إلى هذه التصريحات بأن كارسون سمع تقارير من مصادر استخباراتية عن "الذخائر والأسلحة الجديدة الروسية والصينية" التي يقال إنها تظهر في كل من سوريا والعراق.

وكان رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون دعا في 19 تشرين الأول / اكتوبر  الماضي الصين إلى المساعدة العسكرية في مكافحة الإرهاب في سوريا. ولكن وزير الخارجية الصيني "وانغ يي" كرر معارضة بلاده استخدام القوة لحل الأزمة في سوريا، قائلاً إن الحل السياسي هو السبيل الوحيد للخروج.

 ولكن العلاقات العسكرية بين الصين وسوريا موجودة منذ فترة سنوات طويلة، ما يطرح السؤال حول أية قيمة مضافة قد تحدثها الصين بتدخلها المزعوم؟ خصوصاً مع وجود العديد من اللاعبين الآخرين الذين يمتلكون قدرات عسكرية فائقة التطور، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن التوتر في بحر الصين الجنوبي يبقى ناراً تحت الرماد بالنسبة لها. فضلاً عن أن القلق الذي أفرزه تراجع نسبة نموها وتوقع استمراره للعام الجاري، يجعلان من إقدامها على عمل عسكري خارجي أمراً مستبعداً، في الوقت الراهن على الأقل.

الصين تفضل دور الوساطة

  • الرئيس شي والملك سلمان
بعد تدهور العلاقات السعودية-الإيرانية مع بداية العام الحالي، سارعت دول عديدة لمحاولة تهدئة الدولتين، منعاً لتدحرج الأوضاع إلى مواجهة أكثر عنفاً في المنطقة التي لا ينقصها المزيد من هدر الدماء. ومن بين الساعين إلى التهدئة الولايات المتحدة التي عبّر وزير خارجيتها جون كيري عن قلقه بعد لقاء نظيره السعودي عادل الجبير في لندن قبل أيام من أن يؤثر هذا التوتر على عملية السلام في سوريا التي تقودها الأمم المتحدة، وقال: "نريد أن نحاول لنرى ما إذا كان هناك من طريق لحل بعض هذه المشاكل من دون التورط في صراع أكبر"، وأضاف: "آخر شيء تحتاج إليه المنطقة هو مزيد من الصراعات".

القلق من اندلاع مواجهة مذهبية غير قابلة للضبط طال أيضاً الأوروبيين، فعبّرت بروكسل عبر مفوضة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني عن القلق "من خطر تصعيد العنف الطائفي في العالم الإسلامي، وتبعتها برلين وباريس وموسكو، داعين إلى عدم فتح باب صراع جديد. إذن، هناك توافق دولي في هذا الشأن.

في المنطقة أيضاً تحركت بغداد بسرعة، كونها من أكبر المتضررين من انفجار صراع بين طهران والرياض. القوات العراقية تتقدم بثباتٍ على الأرض، وتقلص مساحة سيطرة "داعش" يوماً بعد آخر. وهي بحاجة لالتفاف جميع مكونات الشعب العراقي خلفها، الأمر الذي تؤثر فيه خلافات إيران والسعودية. ولكن حجم الخلاف بين الأخيرتين أكبر من قدرة ديبلوماسية ابراهيم الجعفري على إنهائه.

من هنا، وجدت الصين الشعبية فرصةً لطرح وساطة، فهي تدرك حاجة الدولتين المتخاصمتين إلى إنهاء الخلاف، على الرغم من مكابرتهما في التصريحات بهدف "الردع الديبلوماسي".

وتنطلق الصين في هذا المسعى الجديد كلياً عليها، من مكانتها المعروفة في مجلس الأمن، كما في الاقتصاد الدولي، وبالأخص من مكانتها لدى إيران والسعودية تحديداً.

"طريق الحرير" يمر من هنا

  • طريق حرير جديد
بالنسبة إلى طهران، فهي تطمئن لأداء بكين خلال السنوات الأخيرة في مجلس الأمن، وخصوصاً باستخدامها "الفيتو" ثلاثاً. وقد كانت الصين دائماً وديةً مع إيران، على الرغم من إذعانها لعقوبات الأمم المتحدة بخصوص البرنامج النووي الإيراني، ولكن لكلٍ حساباته في ذلك الوقت. أما وقد أغلق هذا الملف، فإن العلاقات بين الدولتين تستكمل تطورها الطبيعي، حيث الصين تتوقع مستقبلاً مشرقاً لهذه العلاقة. فقبل عام 2012، كانت إيران ثالث أكبر مصادر النفط الخام بالنسبة للصين، وتراجعت إلى المركز السادس بسبب العقوبات. أما اليوم، فإن هذه العلاقة تأخذ مسارها المتنامي، بفعل المصالح المشتركة، كما بفعل الانسجام بين سياسة الدولتين بخصوص أزمات الشرق الأوسط.

أما بالنسبة إلى السعودية، فإنها تتمتع بعلاقات متينة مع الصين الشعبية، فمع تأسيس هذه الأخيرة "بنك آسيا للاستثمار في البنى الأساسية"، وقعت الرياض على الانضمام إلى البنك كعضو مؤسس. وكانت السعودية تقليدياً أكبر مصدر لواردات النفط الصينية، قبل أن توقع بكين اتفاق الطاقة التاريخي مع روسيا. ومع أن ملف الطاقة شكل لفترةٍ طويلة ركيزة العلاقات بين الدولتين، غير أنهما تريدان -وخصوصاً الصين- توسيع التعاون ليشمل مجالات جديدة، وذلك بسبب حاجة بكين إلى أسواق جديدة تساعدها في تزخيم التجارة الخارجية التي تعتبر رافعة اقتصادها. وفي هذا الإطار أيضاً يزور الرئيس الصيني القاهرة والرياض وطهران، بينما باتت السعودية تدرك حاجتها أيضاً إلى تجنب الإفراط في الاعتماد على حليف رئيس أوحد، وهذا بالمناسبة ما يمكن ملاحظته أيضاً من خلال تطور العلاقات السعودية الروسية.

وتعتبر الصين كل من إيران والسعودية دولتان هامتان ومؤثرتان في الشرق الأوسط. وهي مثل غيرها من الدول التي وقّعت على خريطة طريق مجلس الأمن لمحادثات السلام السورية، قلقة من تأثير تصاعد التوتر الإيراني السعودي على الحلول في سوريا، فكثيراً ما تعثرت فرص جلوس كل من إيران والمملكة العربية السعودية معاً لإجراء محادثات حول سوريا. وإذا ما تمكنت بكين من إنجاح وساطتها بينهما، فربما تتمكن أيضاً من سحب الحوار بينهما إلى ملفات أخرى في المنطقة، وأهمها سوريا واليمن. غير أن أحداً من المراقبين لا ينتظر حدوث ذلك سريعاً.

ولكن زيارة الرئيس الصيني "شي جين بينغ" إلى المنطقة تحمل أكثر من بعد. فقد وقّع مع قادة الرياض 14 اتفاقية ومذكرة تفاهم (من بينها إقامة مفاعل نووي، وشؤون مكافحة الإرهاب). ونقلت وكالة "شينخوا" عن "شي" قوله، خلال لقائه الملك سلمان، إنه "منذ نسج الروابط الدبلوماسية بين الصين والسعودية قبل 26 عاماً، تطورت علاقاتنا على قدم وساق، مع ثقة سياسية متبادلة تتعمق بشكلٍ مستمر، ونتائج مثمرة في التعاون بمجالات مختلفة". من جهته، قال الملك السعودي إن بلاده والصين «"تسعيان معاً للاستقرار وتعزيز السلم والأمن في العالم".

وكان الرئيس الصيني واكب وصوله إلى الرياض بمقالٍ نشره في صحيفة "الرياض" السعودية، ذكّر فيه "بتاريخ التبادلات الودية بين الشعبين"، حيث "لم تنقطع يوماً رنّة أجراس القوافل على طريق الحرير الذي يربط الجانبين ببعضهما البعض منذ أكثر من ألفي عام" (تأسست السعودية كمملكة في ثلاثينيات القرن الماضي). وسرد "شي" تطور العلاقات المشتركة مروراً بتبادل التمثيل الديبلوماسي في العام 1990، حتى "أصبحت الصين أكبر شريك تجاري للمملكة في عام 2013". وتابع قائلاً: "يجب أن نكون شريكين استراتيجيين مخلصين يدعمان بعضهما بعضاً"، و"يجب على الجانبين التعامل مع مجمل العلاقات بين البلدين من الزاوية الاستراتيجية والبعيدة المدى"، وجدد طرح بلاده "فكرة التشارك في بناء الحزام الاقتصادي لطريق الحرير، وطريق الحرير البحري في القرن الحادي والعشرين"، مشيراً إلى أن المملكة تقع في منطقة الالتقاء الغربي للطريق والحزام".

موعد "القفزة الكبرى" الجديدة

  • قوة كبرى قادمة
تمتد خطة الصين الاستراتيجية على المدى الطويل حتى منتصف القرن الحالي. قبل ذلك الوقت تستمر بكين في اعتبار نفسها دولة نامية تسعى إلى تحقيق التطور والحداثة. ويندرج ضمن هذه الرؤية بعيدة المدى مشروع الرئيس الحالي "الحلم الصيني"، الذي يمتد حتى العام 2020.

وتتجه الصين منذ استلام "شي جين بينغ" الرئاسة في العام 2013، الى فرض عملتها "اليوان"، كوحدة نقدية عالمية، إلى جانب سعيها الدائم إلى تحقيق أعلى أرقام النمو الاقتصادي. وتنتهي ولاية الرئيس "شي" في العام 2022، علماً أن المشاريع الاستراتيجية لا ترتبط بأشخاص الرؤساء الذي تمتد ولايتهم على عشر سنوات.

ومن المتوقع أن تسهم الأسواق الجديدة التي تحاول الصين فتحها حول العالم بدفع الاقتصاد الصيني إلى الأمام، لا سيما الأسواق في أفريقيا، وفي الشرق الأوسط (الزيارة إلى مصر وإيران والسعودية مهمة في هذا السياق)، بشكلٍ يسمح لكل العالم بالاستفادة من علاقة منفعة متبادلة معها. حتى تصل بكين بعد ذلك إلى تمتين مقومات القوة الداخلية، وتحقيق التحديث الاقتصادي والإداري، والديموقراطية السياسية ضمن النظام الاشتراكي.

ولكن المؤشرات المتعلقة بالسياسة الخارجية تجاوزت هذه المحطات، فأعلنت اليد المرفوعة للمندوب الصيني في مجلس الأمن دخول بلاده نادي التأثير السياسي في الأزمات الدولية، مرة واثنتان وثلاث. قبل أن يعلن شي عن طرح الوساطة بين الرياض وطهران.

إذا ما أكملت الصين هذه القفزة السياسية بنجاح، من خلال الانخراط سياسياً بصورةٍ مباشرة في الشرق الأوسط، من خلال مبادرتها إلى الوساطة السياسية في قضايا خلاف إقليمي بعيد عنها، فإنها تكون قد أطلقت عملياً مسار النفوذ السياسي العالمي لها. ولكن الذي تأمله بكين هو أن تتجاوز في انطلاقة قفزتها الكبرى السياسية، النتائج الكارثية التي واجهتها عقب إطلاق قفزتها الكبرى الاقتصادية مع ماو، حيث شهدت السنوات الأولى لتلك القفزة  نتائج عكسية، قبل أن تنطلق صعوداً. فالصين اليوم، لا تتحمل هبوطاً على الإطلاق. بل إن العالم لا يتحمل هبوطاً صينياً.

قبل أيام، كتب جوشوا كورلانتزيك من مجلس العلاقات الخارجية الأميركي في صحيفة "واشنطن بوست": دعوا الصين تربح، فهذا جيد لأميركا.